صنعنا جميعاً، مصريات ومصريين، ثورة عظيمة ونقف اليوم أمام استحقاقاتها بمزيج مشروع من الأمل والخوف. ملايين المواطنين الذين تظاهروا واعتصموا على امتداد الجمهورية خلال الأسابيع الماضية وملايين ممن تعاطفوا مع مطالب ثورة 25 يناير وطابعها السلمي يأملون اليوم بالقضاء التام على النظام السلطوي الفاسد الذي حكم البلاد خلال العقود الماضية ويرون أن الفرصة باتت سانحة لبناء مصر الديموقراطية والعادلة والمتقدمة، ويتخوفون في ذات الوقت من احتمالات الإخفاق في إدارة الانتقال الديموقراطي والانتكاس إلى القديم السلطوي.
 
لجدل الأمل والخوف هذا الكثير من الاعتبارات التي تبرره. فثورة 25 يناير العظيمة أعادت المواطنين إلى صدارة المشهد المصري واستعادت لهم الشارع كساحة للفعل السياسي الحر ولإدارة الصراع مع مؤسسات الدولة بعد أن أعطبت دورهم منظومة القمع الأمني بشقيها الرسمي وغير الرسمي. نجحت الثورة أيضاً في التخلص من الرئيس حسني مبارك وأجبرته على التنحي وأبعدت بعض المتحلقين حوله وحول أسرته من سياسيين وأصحاب أعمال وتكنوقراط فاسدين ودفعت بعضهم إلى ساحات القضاء في بداية عملية لملف شديد التعقيد لمحاسبة المسؤولين السابقين. ثم جاءت إرادة المواطنين الجماعية بوضع الدكتور عصام شرف، أحد المسؤولين السابقين القلائل الذين تظاهروا واعتصموا منذ بدء الثورة، على رأس مجلس الوزراء، ومنحت حكومته شرعية الوجود كحكومة الثورة المؤيدة من القوى الوطنية.
 
إلا أن الثورة، ناهيك عن الاحتجاجات الفئوية والمهنية والتوترات الطائفية التي تصبغ صفحة الوطن وتعمق من الانفلات الأمني وتعطل الدورة الاقتصادية على نحو كارثي، ما زالت تفتقد إلى اليوم صيغة دستورية وقانونية وسياسية واضحة تحدد ملامح الانتقال الديموقراطي ليس فقط لأشهر قليلة قادمة، بل للسنوات الخمس المقبلة. فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة عطل العمل بدستور 1971 حين تولى إدارة شؤون البلاد بعد تنحي مبارك، إلا أنه لم يسقط الدستور المعيب الذي كرس السلطوية، وشكل لجنة قانونية لاقتراح تعديل بعض مواده وسيعيد له الحياة إذا قبلت غالبية المواطنين التعديلات المقترحة في الاستفتاء العام المقرر (إلى الآن) إجراؤه في 19 من الشهر الجاري. لا يصلح دستور 1971 للتأسيس لانتقال ديموقراطي آمن ولا يصلح لأن ينتخب على أساسه رئيس الجمهورية القادم والبرلمان الجديد نظراً لإعطائه رئيس الجمهورية صلاحيات مطلقة وإضعافه البيّن لمبادئ مساءلة ومحاسبة الرئيس وانتقاصه من سلطات الهيئات التشريعية والقضائية في مقابل تقوية السلطة التنفيذية. إذا وافقت غالبية المواطنين على التعديلات في الاستفتاء ستعاد الحياة إلى دستور معيب، ويباعد بذلك بين مصر وبين الشروع الفوري في انتخاب (أو انتخاب وتعيين) هيئة تأسيسية لصياغة دستور جديد يتم وفقاً له انتخاب الرئيس والبرلمان. وتزداد خطورة هذا الأمر حين يقرأ بعناية ودقة نص التعديل الدستوري الخاص بقيام الرئيس والبرلمان بعد الانتخابات بتشكيل هيئة تأسيسية لصياغة دستور جديد لمصر. فللرئيس (مع موافقة مجلس الوزراء) وللبرلمان حق تشكيل الهيئة إن توافقا على ذلك، إلا أنهما ليسا ملزمين بتشكيلها، وهو ما يعني حال انتخاب رئيس يريد استمرار العمل بدستور 1971 وبرلمان لأغلبيته ذات التوجه أن التحايل على مطلب الدستور الجديد قد يستمر لسنوات مقبلة.
 
ما زلنا نفتقد أيضاً صيغة سياسية تطمئن المصريين الى أن الانتقال الديموقراطي لن يتعثر. المجلس الأعلى للقوات المسلحة يقترح كجدول زمني أن يتم إجراء الانتخابات البرلمانية خلال الأشهر القليلة المقبلة ثم تتبعها الانتخابات الرئاسية، بينما يفضل طيف واسع من القوى الوطنية والشخصيات العامة المؤثرة جدولة معكوسة. والحقيقة أن إجراء الانتخابات البرلمانية خلال أشهر قليلة سيعني عملياً أن القوتين المتنافستين بفاعلية ستكونان بقايا الحزب الوطني الديموقراطي (النشطة للغاية خارج المدن) وجماعة «الإخوان المسلمين» التي اعتادت العمل الانتخابي وتتمتع بقوة تنظيمية لا يستهان بها. أما القوى الأخرى، من أحزاب مسجلة وحركات شبابية تسعى مع شخصيات عامة لتنظيم صفوفها في كيانات حزبية جديدة، فستجد صعوبة بالغة في المنافسة إن لضعف إمكاناتها التنظيمية أو لعدم توافر مساحة زمنية كافية للعمل الجماهيري والتعبئة.
 
وترتبط بالانتخابات البرلمانية وبموعدها قضايا أخرى شديدة الأهمية كإطلاق حرية تكوين الأحزاب، وهذه ما زال المصريون ينتظرون أن يتم النص عليها في قانون جديد للأحزاب السياسية، وتحديد النظام الانتخابي الذي سيعمل به، وإن كنا سنستمر على النظام الفردي (الكارثي في نتائجه والمكرس على الأرجح لهيمنة بقايا الوطني و «الإخوان») أم سننتخب وفقاً لنظام القائمة النسبية (الحزبية) الأكثر توازناً مع إتاحة هامش للمستقلين. ناهيك عن تفاصيل عمليات الانتخاب والإشراف القضائي والرقابة المدنية عليها، من تنقية الجداول الانتخابية واعتماد الانتخاب ببطاقة الرقم القومي ووفقاً لقاعدة البيانات المرتبطة بها، مروراً بشروط الإشراف القضائي إلى قضايا الرقابة الداخلية والدولية.
 
كما أن تأجيل الانتخابات البرلمانية إلى ما بعد إجراء الانتخابات الرئاسية يعرّض البلاد لخطر انفراد رئيس جديد، مطلق الصلاحيات إن كانت مصر حينها ما زالت في معية دستور 1971، بالسلطة من دون رقابة من قبل هيئات تشريعية منتخبة. وربما كان أحد الضمانات الممكن اقتراحها هنا، إن فشلت القوى الوطنية الراغبة في صياغة دستور جديد قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في فرض هذا الخيار، أن يُلزم الرئيس الجديد وبصورة قاطعة في التعديلات المقترحة على دستور 1971 بتشكيل هيئة تأسيسية لصياغة الدستور الجديد بعد انتخابه مباشرة. كذلك يمكن أن يُلزم الرئيس بتعيين مجلس استشاري من ممثلين عن القوى الوطنية والحركات الشبابية والشخصيات العامة يدير معه مهام الانتقال الديموقراطي إلى أن ينتخب البرلمان.
 
تلك عيّنة من التحديات الكبرى والتفاصيل الشائكة التي نواجهها اليوم في مصر ونحن نسعى لإدارة انتقال ديموقراطي آمن، وهي عيّنة يمكن أن تضاف إليها قضايا من شاكلة إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعدالة الانتقالية لمحاسبة المتورطين في الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان وإخراج مؤسسات الدولة من إرث السلطوية الذي جثم عليها لعقود طويلة وغيرها.