بعد الانتفاضتين في تونس ومصر، يشارك العراقيون الآن في موجة الاحتجاجات التي تقلق النظام في العالم العربي حيث يطالبون بخدمات حكومية أفضل. ونتيجة لذلك، فإن زيادة الاستقرار السياسي، وتوفير الخدمات والأمن في العراق، أصبحا أكثر إلحاحاً قبل الانسحاب المزمع للقوات الأميركية في وقت لاحق من العام الحالي.

بالرغم من ذلك، ثمة قضيتان رئيستان لاتزالان من دون حل في تشكيل حكومة جديدة: توزيع الوزارات الأمنية بين الائتلافات الكبرى وإنشاء المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية، الذي يقصد منه تقديم المشورة والمشاركة في السياسات التنفيذية، وأن يشكّل ثقلاً موازناً لسلطة رئيس الوزراء نوري المالكي.

كلتا القضيتين ستحددان توزيع السلطة بين ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، وائتلاف منافسه، رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، الذي يرأس ائتلاف العراقية، وكان من المقرر أن يرأس المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية. وفي حين شارك المدافعون عن علاوي في إدارة كل الوظائف التنفيذية - خصوصاً الأمنية - يحتفظ المالكي بحق تأجيل تخصيص المناصب الأمنية وإنشاء المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية في سبيل الاحتفاظ بالسلطة. وعلى أية حال، كلما طالت هذه العملية، كلما ضاقت فرص التقاسم العادل للسلطة، وازداد الوضع الأمني تدهوراً على أرض الواقع.

عندما أعلن عن تشكيل الحكومة العراقية يوم 21 كانون الثاني/ديسمبر، كانت تسع من 42 وزارة برئاسة قائمين بأعمال الوزراء، ومنذ ذلك الحين، تباطأت وتيرة التعيينات الدائمة للغاية. الأهم من ذلك هو أن المالكي لايزال يسيطر على وزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني المهمة بوصفه قائماً بأعمال الوزير في الوزارات الثلاث.

هذا هو الميدان الذي يجري فيه الصراع على السلطة بين ائتلاف دولة القانون وائتلاف العراقية. إذ إن إدارة الوزارات الأمنية تسمح للطرف الموجود في السلطة بالسيطرة على فرق كبيرة من الجيش والشرطة، وتوجيه عملياتها وانتشارها في جميع أنحاء العراق.

وزارة الداخلية هامة بشكل خاص. فهي تسيطر على قوات الشرطة، التي هي الأكثر عدداً، والأكثر انتشاراً على الأرض، ومسؤولة عن نقاط التفتيش الإستراتيجية، مايجعلها في غاية الأهمية في ممارسة السيطرة على الأراضي. العديد من أقسام الشرطة تعتبر معاقل لتجنيد المسلحين السنّة السابقين، وهو سبب آخر يجعل المالكي يسعى إلى السيطرة على وزارة الداخلية.

يخشى ائتلاف العراقية ألاّ يمتثل المالكي لاتفاقات أربيل التي حلّت مشكلة تخصيص المناصب الأمنية بين الائتلافات الرئيسة الثلاثة، ومنحت السيطرة على وزارة الدفاع لمرشح العراقية. وقد كان فالح النقيب الذي شغل هذا المنصب خلال حكومة علاوي الانتقالية في العام 2004، مرشح العراقية المقترح مرات عدة، ولكن تم رفضه مراراً وتكراراً من قبل المالكي بحجة أنه سيخدم مصالح العراقية. ومن المتوقع أن يحتفظ شيروان الوائلي من الحزب الديموقراطي الكردستاني بمنصبه كوزير للأمن القومي، في حين أن المرشَّحَيْن المحتَمَليْن لوزارة الداخلية هما عدنان الأسدي - الأمين العام السابق للوزارة - وعقيل الطريحي، المفتش العام السابق، وكلاهما منتسبان إلى حزب الدعوة بزعامة المالكي. ولكن لم يتم إنجاز أي من هذه التعيينات.

بعد تقديم ائتلاف العراقية آخر مقترحاته - قائمة من خمسة مرشحين لوزارة الدفاع - أعلن المالكي أنه سيقترح قائمته الخاصة على البرلمان في حال لم يتمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق. وإذا مارفض البرلمان قائمته، سيتعيّن على المالكي تقديم قائمة مرشحين جديدة حتى يتم التوصل إلى قرار نهائي. عزوف المالكي عن تقاسم الوزارات أدى أيضاً إلى أن يتنازل علاوي عن رئاسة المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية، والتهديد بانسحاب العراقية من العملية السياسية برُمَّتها.

لايزال إنشاء المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية، والذي كان متوقعاً الشهر الماضي، في طي النسيان، خصوصاً بعد تنازل علاوي. وتتمحور المناقشات حول الإجراء الخاص بانتخاب رئيس المجلس، ووضع الرئيس، والأهم من ذلك، طبيعة عمل المجلس كهيئة تنفيذية. وفقاً لأحدث مشروع اقترحته العراقية، يجب أن يكون للمجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية سلطة في تقرير السياسات الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والأمنية للدولة العراقية. سوف يتألف المجلس من 20 عضواً، بمن فيهم رئيسه، الرئيس العراقي، ونواب رئيس المجلس، ورئيس الوزراء ونوابه، ورئيس البرلمان ونوابه، وقادة الكتل السياسية الرئيسة، ورئيس مجلس القضاء.

تريد العراقية أن ينظر إلى المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية باعتباره هيئة تنفيذية يمكنها أن تصدر قرارات ملزمة قانوناً - عندما تتم الموافقة عليها بأغلبية الثلثين بالنسبة للقضايا الإستراتيجية للغاية مثل الأمن وتخصيص الموارد - وقرارات عادية عندما تتم الموافقة عليها بأغلبية بسيطة. وتعتقد كذلك أنه ينبغي أن ينتخب الرئيس من قبل البرلمان و"يتمتع بالحقوق والامتيازات والاعتبارات نفسها التي يتمتع بها رئيس الوزراء"، وفقاً للمشروع الذي قدمته. ولاتزال مناقشة المعنى الدقيق لهذا جارية، ولكن، وفقاً للمادة الخاصة بوضع رئيس الوزراء في الدستور العراقي، فإن رئيس المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية سيكون قادراً على إقالة الوزراء بموافقة مسبقة من البرلمان. كما يعطي المشروع رئيس المجلس حق استدعاء أي مسؤول رفيع المستوى لحضور الاجتماعات ذات الصلة، بما في ذلك القيادات العليا للجيش.

ردَّ المالكي هذا الاقتراح عن طريق الدفع باتجاه تأسيس هيئة استشارية، بدلاً من هيئة تنفيذية - تكون قراراتها ملزمة فقط عندما يتخذها أعضاؤها بالإجماع. وفي رأيه، ينبغي أن ينتخب رئيس المجلس من قبل لجنة صغيرة ضمن المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية نفسه، ويشغل وظيفة أمين عام بدلاً من رئيس، وهو منصب أدنى من منصب رئيس مجلس الوزراء من حيث السلطة التنفيذية.

إن وجود مجلس وطني للسياسات الإستراتيجية قادر على إصدار قرارات ترغم السلطة التنفيذية على الاستجابة لطلباته، يمكن أن يوفر لعلاوي وائتلافه منصة بديلة للمشاركة في العملية التنفيذية. كما سيمنحهم أيضاً وسيلة للحيلولة دون أن تكون قرارات المالكي نافذة، ولاسيما في المسائل الأمنية. وقد دفع علاوي من أجل التفعيل الفوري للمجلس الوطني للسياسات الإسراتيجية، ولاسيما مجلس من شأنه أن يمنحه السلطة والأدوات القانونية الكافية لموازنة ثقل المالكي في الحكومة. في المقابل، يثير المالكي مسائل حول التفاصيل القانونية لأحدث مشروع بشأن المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية في محاولة لإطالة أمد العملية والحدّ من إمكانيات المجلس ورئيسه على حد سواء.

الوقت عامل حاسم في هذا السيناريو، حيث تمثّل قدرة المالكي على إطالة عملية صنع القرار أفضل أداة لديه من أجل عدم تقاسم السلطة. ومع بدء العد التنازلي قبل الانسحاب المتوقع للقوات الأميركية في كانون الثاني/ديسمبر المقبل، فإن الوقت يعمل لصالحه. وكلما أخّر اتخاذ القرارات، كلما دفع العراقية إلى الإذعان للضغوط المتزايدة لإكمال تشكيل مجلس الوزراء وفقاً لأجندته.

يمكن اعتبار قرار علاوي التخلي عن رئاسة المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية أول بادرة على رضوخ العراقية إلى الجدول الزمني للمالكي. وكلما تأخر تفعيل المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية أكثر، كلما قلّت فعاليته في موازنة وتصحيح التوزيع غير العادل للسلطة بين الائتلافين. ومع ذلك، إذا ما تم منح الوزارات في الوقت نفسه الذي يتم فيه تفعيل المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية، فسيكون لدى الذين تعرضوا للعقاب في تقسيم الوزارة ميدان بديل للمساعدة في صياغة السياسات الإستراتيجية للعراق.

من خلال أخذ المزيد من الوقت لاختيار وزراء الأمن، وإعطاء منصبي الداخلية والدفاع للمرشحين التابعين له من دون المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية في نهاية المطاف، سوف يؤثّر المالكي بشكل عميق على الأمن على الأرض. للوهلة الأولى، يمكن أن تحسّن سيطرة المالكي المركزية من كفاءة قوات الأمن - لاتزال ممزقة بين الأحزاب السياسية المتنافسة - عن طريق توحيد كتائب الجيش والشرطة في إطار سلسلة قيادة واحدة.

ومع ذلك، من المرجح أكثر أن تؤدي هذه النتيجة إلى تصليب موقف جميع الأطراف التي تم استبعادها من الساحة السياسية وإشعال العنف على الأرض. وربما تؤدي أيضاً إلى زيادة التوتر مع التحالف الوطني الكردستاني، الذي لايثق بالمالكي بالفعل بسبب تركيزه القوي للسلطة في ولايته السابقة. ومن شأن الفشل في تبديد الشكوك الكردية أن يعرقل إدماج البيشمركة في قوات الشرطة، ويزيد من تعقيد حلّ قضية كركوك والأراضي المتنازع عليها بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد.

الأهم من ذلك، أن تهميش العراقية، التي يهيمن عليها السنّة، في الساحة السياسية سوف يدفع بالتأكيد قوات الشرطة السنيّة ومقاتلي مجالس الصحوة الذين كانوا متمردين في السابق، إلى التعاون مع/ أو الانضمام إلى الجماعات المتمردة. وأي تحسّن على المدى القصير في الاستقرار السياسي والأمن سيأتي على حساب المشاركة والشرعية، ويخلق سيناريو خطراً حيث سيتم الخلط مرة أخرى بين إعادة بناء مؤسسات الدولة وإعادة بناء النظام.

ضمن سيناريو بديل، وأكثر ترجيحاً، يمكن التوصل إلى نظام ضعيف لتقاسم السلطة إذا قدم المالكي تنازلات عدة. سيستمر رئيس الوزراء العراقي في تأجيل التعيينات الأمنية طالما أمكنه ذلك. ومع ذلك، لن يتم تقديم أي تنازلات بشأن منصب وزير الداخلية المهم، فهو سوف يخصصه بالتأكيد إلى المرشح الأكثر ولاءً. من غير المرجح أن يتخلى المالكي عن فرصة لتشديد الرقابة على قوات الشرطة، وتوجيه عمليات نشرها على الأرض، ويرسخ قدميه بقوة في الشارع العراقي.

بعد أن ضمن بالفعل ولاء جزء كبير من الجيش خلال ولايته السابقة، يمكن للمالكي أن يمنح منصب وزير الدفاع لمرشح من العراقية لايشكل خطراً عليه. ومن ثم يمكنه ترك منصب وزير الدفاع الوطني إلى التحالف الكردي، حيث ينتظر التحالف تنازلاً متوقعاً بشأن الأراضي المتنازع عليها، باعتباره وسيلة لتشجيعهم على التخلي عن تحالف محتمل مع ائتلاف العراقية.

يمكن أن يصبح المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية جزءاً من عملية تفاوضية إضافية، حيث ستحدّد تنازلات المالكي إنشاءه ووظائفه في النهاية. في هذه الحالة، سوف يتميز المشهد السياسي العراقي بعملية طويلة ومرهقة من المفاوضات الثنائية بين المالكي والقوى السياسية المختلفة. يمكن أن يزداد الأمن سوءاً حتى يتم تشكيل مجلس الوزراء، وعلى المدى الطويل سوف يتأرجح الوضع، كما حدث في السنوات الأخيرة، اعتماداً على فترات من الصراع والتوافق بين المالكي والقوى السياسية المختلفة.

إذا كانت المماطلة لكسب الوقت هي إستراتيجية المالكي، فهي سوف تساعده بلاشك في تعزيز سلطته داخل مجلس الوزراء. ولكنها لن تحسّن الأمن ولن تلبّي مطالب العراقيين العاديين الذين يدعون الحكومة إلى توفير الخدمات الأساسية.