قد يكون صحيحاً أن أحداً لم يتوقع ما حدث ويحدث الآن في البلدان العربية من غضب شعبي عارم عصف ببعض الأنظمة وقد يزيح أخرى. إلا أنه لا يمكن إغفال الإنذارات المتكررة التي وُجهت إلى كثير من الأنظمة العربية والتي كانت تشير إلى أن انتشار الفساد، واستفحال الفقر، وتفاقم البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، وتعاظم الفجوة بين القلة المستفيدة من هذه الأنظمة والغالبية المحرومة، كانت كلها بمثابة قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة.
 
وفي وقت كانت دول عربية كثيرة منشغلة بالتأثيرات الظرفية للأزمة الاقتصادية العالمية، واعتقدت أنها اجتازت هذا الامتحان بخسائر محدودة وحافظت على مستويات معقولة من النمو الاقتصادي، كانت التنبيهات تذكّر القادة العرب بأن المعضلات الحقيقية التي تعاني منها بلدانهم هي في الواقع بنيوية، وأن عمق الأزمة لا يمكن أن تخفيه مستويات نمو الناتج المحلي الإجمالي من دون النظر إلى طبيعة القطاعات الاقتصادية التي تساهم في النمو، ومن دون الاكتراث إلى الفئات الاجتماعية التي تستفيد منه.
 
تعرضت المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتجها الدوائر الإحصائية الرسمية ويُفترض أن تساهم في ملء لوحة القيادة التي يعوّل عليها المسؤولون في سائر بلدان العالم من أجل الإبحار بالاقتصاد والمجتمع إلى بر الأمان، إلى تجاهل أو تحايل في بلدان عربية كثيرة، واستُبدلت بمؤشرات وأرقام أخرى من أجل الترويج لنجاحات الأنظمة، وتضليل الرأي العام المحلي والدولي. فمعدلات الفقر، ومستويات البطالة ومؤشرات الإقصاء الاجتماعي، على رغم ارتفاعها، لم تكن تعكس الحقيقة في شكل وافٍ ودقيق. ولو كانت كذلك لكانت الأضواء الحمراء اشتعلت في لوحة قيادة الاقتصاد مُنذرة بالأخطار المُحدقة باستقرار النظام.
 
كانت الحكومة المصرية تحتفل قبل شهور، لا بل قبل أسابيع قليلة من سقوط الرئيس حسني مبارك بمستويات نمو اقتصادي وُصفت بـ «التاريخية». وكان المسؤولون يفتخرون بقدرتهم على جذب الاستثمارات الخارجية ويرون في ذلك حجة دامغة على نجاعة سياساتهم، ودليلاً على ثقة المستثمرين بنظامهم. وكانوا يرفعون هذا الخطاب في وجه المشككين الذين يزعمون غير ذلك. كذلك كانت الحكومة التونسية تهلل بالتصنيفات المتقدمة التي حظيت بها على مستوى التنافسية العالمية، وكبيئة ملائمة للاستثمار. طبعاً، كانت هذه التصنيفات مبنية على معطيات ومؤشرات مغلوطة ضللت بها الحكومة المنظمات الدولية المعنية.
 
إلا أن الأقدار شاءت أن تساهم هذه المؤشرات في تضليل حكومات عربية أصبحت تدريجاً تنظر إلى أكاذيبها على أنها حقائق، فأغفلت غليان الشارع واحتقانه، وسخط الشباب وانسداد آفاقهم، وتذمر المواطنين ونفاذ صبرهم، وقللت من شأن البطالة والفقر والحرمان، واستعاضت عن ذلك كله بمجموعة من المؤشرات المغلوطة تكتسب منها مشروعية مزيفة. وحين هبّت الجماهير تطالب بالتغيير الجذري وبإسقاط الأنظمة، كانت لوحة القيادة لا تزال كما كانت لا تشير إلى أي خطر داهم. لذلك لم يتنبه الرئيسان التونسي والمصري إلى فداحة الموقف، واعتقدا أن الجماهير التي اجتاحت الشارع من أجل المطالبة بالتغيير مخطئة أو مضللة من قبل عناصر خارجية، واعتبرا أن في الإمكان معالجة الأمور بسهولة، لأن الإشارات الضوئية في لوحة القيادة لا تزال خضراء.
 
ولذلك تأخر الرئيسان في فهم الموقف واستيعابه. وحين تذكّر مبارك ونظيره التونسي زين العابدين بن علي أن لوحة القيادة التي كانت أمامهما معطلة، وأن الإشارة الضوئية الحمراء انتُزعت من اللوحة استجابة لتعليماتهما، كانت فرص الإصلاح قد نفدت ولم يعد ممكناً الاستمرار في القيادة. وفي غياب أية مؤشرات رقمية يمكن الاعتماد عليها من أجل إدارة الفترة الانتقالية، يقرأ المسؤولون الحاليون في تونس ومصر مدى استجابة قراراتهم لتطلعات الشعب من خلال نبض الشارع.
 
المطلوب الآن في إطار عمليات التطهير والتخلص من بقايا الأنظمة السابقة، العمل على إعادة تأهيل الأجهزة الإحصائية وجعلها أداة في خدمة المواطنين، لا وسيلة للدعاية والتضليل. ومن الضرورات إعادة النظر في الأرقام كلها لجعلها تطابق الواقع وتحقق مبدأ شفافية المعلومات، بحيث لا يمكن اتخاذ أية قرارات حكيمة أو وضع أي سياسات فاعلة من دون الاستناد إلى مؤشرات إحصائية دقيقة تُجمَع وتُنظَّم وفقاً لمعايير علمية متعارف عليها دولياً وتأخذ في الوقت ذاته في الحسبان الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية المحلية.
 
يُعد تطهير المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية عملية بالغة الأهمية من أجل الإعداد لثقافة البرامج الانتخابية الملتزمة أهدافاً محددة مبنية على الأرقام، والقابلة للفحص والتقويم من أجل قياس أداء صناع القرار والتحقق من مدى نجاعة سياساتهم. ومن الضرورات أيضاً في نهاية المطاف فتح المجال في الدول العربية، كما هي الحال في سائر بلدان العالم، لاستطلاعات رأي تنظّمها في شكل دوري مؤسسات ذات صدقية علمية وأخلاقية من أجل معرفة الهموم الأساسية للمواطنين وقياس مدى شعبية الساهرين على صياغة السياسات وتنفيذها. ويمكن أن تلعب هذه الاستطلاعات دور الأجهزة الإنذارية التي تُمكّن القادة من تغيير المسار وتدارك الانزلاق نحو الهاوية قبل فوات الأوان.