كثر الحديث من جديد عن استئناف محادثات المصالحة بين فتح وحماس - في القاهرة أو غزّة أو إسطنبول. وقد أجبرت المظاهرات الشعبية الداعية إلى وحدة وطنية قادة الحركتين على إظهار إستعداد ونيّة للخروج من دوامة الخلاف والإنقسام التي أخذت العملية السياسية الفلسطينية رهينة منذ عام 2007. فالقيادة في رام الله بالتحديد ترى حاجة لتعزيز وحدة وطنية قبيل بذل جهود لقيام دولة فلسطينية في أيلول/سبتمبر. إحدى المسائل الأساسية المطروحة على جدول الأعمال – والتي ترتدي أهمّية بارزة للسياسة الفلسطينية سواء كانت هناك محادثات مصالحة أم لا – هي إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية في الضفة الغربية وغزة. ويبدو أن الانتخابات هي السبيل الوحيد كي يتوصّل التنظيمان إلى صيغة لتقاسم السلطة وإعادة توحيد شطرَي السلطة الفلسطينية المنقسمَين منذ عام 2007. بيد أن مصالح كل من فتح وحماس وآرائهما في موضوع الانتخابات متباعدة جداً.
 
 لقد أبدت اللجنة التنفيذية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية تخوّفها من أن الانتخابات المؤجَّلة منذ وقت طويل تحوّلت إلى عائقاً سياسياً، ودعت إلى إجراء هذه الانتخابات في التصريح الذي صدر عنها في 12 فبراير/شباط تعليقاً على إطاحة الرئيس المصري في اليوم السابق. لدى فتح هدفان من إعلان إنتخابات، الأول: إكساب صيغة الحكم القائمة في رام الله مشروعية شعبية بعد نفاد ولاية الرئيس عباس منذ حزيران 2009، ومن ثم انتهاء شرعية حكومة سلام فياض، وكذلك في ظل انتهاء فترة ولاية المجلس التشريعي منذ حزيران 2010. فعبر الانتخابات يأمل عباس أن يستحصل على الشرعية الشعبية للاستمرار في برنامجه التفاوضي/الدبلوماسي خارجيا والبناء المؤسسي داخليا، خاصة في وقت يطعن فيه الشارع العربي بشرعية الحكومات.  
 
أما الغرض الثاني لفتح فيتمثل برغبة عباس في الاستفادة من التمايز القائم اليوم بين الضفة الغربية وقطاع غزة لصالح الأولى، بعد ان استطاعت السلطة الفلسطينية في رام الله أن تُحسّن نسبيّا من الواقع المعيشي للمواطنين، خاصة من الناحية الاقتصادية. فإجراء الانتخابات في وقت يعاني فيه سكان القطاع من الجوع والفقر والحصار من شأنه ان يعود بسلبية كبيرة على حركة حماس.
 
كما أن فتح تحاول إستخدام رفض حركة حماس للإنتخابات لصالحها. موقف حماس من الانتخابات إتّسم بدرجة كبيرة من التوجس والتشكك ازاءها وراى في الدعوة الى إنتخابات ما قبل الوصول الى إتفاقية وتحقيق مصالحة بمثابة هروب إلى الأمام في ظل المتغيرات العميقة التي تجتاح المنطقة العربية. فحماس تعتقد أن الهدف الحقيقي من إجراء الانتخابات هو تهرب الرئيس عباس من استحقاقات المصالحة ومحاولة للإيحاء للرأي العام المحلي والدولي بأن التطورات الإقليمية الجارفة والكشف المحرج مؤخراً عن وثائق الجزيرة حول المفاوضات لم تنعكس عليه سلباً، وأنه لا يزال يقدم المبادرات ويمتلك زمام المبادرة وكأن شيئا لم يكن.
 
ورغم تأكيد حماس من حيث المبدأ أنها تؤيد الانتخابات كوسيلة للتداول السلمي للحكم، إلا أنها دأبت على رفض الدعوات الصادرة عن رام الله لإجرائها، كون هذه الدعوات صدرت عن المنظمة وحكومة فياض، اللتان فقدتا الشرعية والقانونية منذ أمد، من وجهة نظر حماس. هذا اضافة الى قول الحركة أن هذه الدعوات تأتي في ظرف غير موات يتمثل بعدم التوافق الوطني وغياب الحريات واستمرار التنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي في الضفة الغربية. 
 
تسعى حماس إلى تحقيق غايات عدّة عبر مقاومة الدعوة التي تطلقها السلطة الفلسطينية لإجراء انتخابات. أولاً، يريد قادتها التوصّل إلى اتفاق مصالحة قبل الانتخابات، فهم يراهنون بأنهم سيتمكّنون من تحديد شروط الاتفاق، ولا سيما في ما يتعلق بإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك حرصاً على ألا يتم استبعاد حركة حماس من السياسة الفلسطينية أو تهميشها في المدى الطويل. وقد عبّر عن ذلك القيادي في حركة حماس محمود الزهار حين قال يوم 4 أبريل/نيسان ان حماس "على استعداد للتوجه بعد الاتفاق إلى انتخابات.. فنحن لن نخاف من الانتخابات وسنثبت خطأ من يقول إن الإسلاميين لا يدخلون الانتخابات إلا مرة واحدة". فإجراء الانتخابات قبل إتّضاح تفاصيل المصالحة يعني بالنسبة لها إسقاط حكمها.
 
ثانيا: يدرك قادة حركة حماس انها ومنذ فوزها بالانتخابات عام 2006 لم تأخذ فرصتها في الحكم وانها حوربت بكل الأشكال من أطراف كثيرة داخلية وخارجية، وانها بالتالي لم تستطع تحقيق برنامجها الانتخابي، وأن الجمهور لم يتلمس إنجازات حقيقية لها. وعلى ضوء ذلك يُفهَم من معارضة حركة حماس للانتخابات الآن انها تأتي من باب تلافي الحرج  الذي يمكن ان تسببه لها خسارتها في الانتخابات، خاصة ان الظروف الراهنة ليست في صالحها لتدهور الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة وانتشار الفقر والجوع والبطالة بشكل مروّع بسبب الحصار المفروض منذ سنوات. 
 
ثالثا: الرغبة بالاستفادة من المناخات الإقليمية الجديدة التي نشأت على ضوء الانتفاضات العربية الراهنة، والتي ترى حركة حماس أنها في صالحها وإنها ألحقت الضرر بعباس، جراء أفول نظام مبارك الذي سانده في صراعه معها وناصب الحركة العداء، ومارس عليها ضغوطات سياسية وميدانية كبيرة منذ استيلائها على غزة. وقد عبر عن ذلك مسؤول العلاقات الخارجية في حركة حماس أسامة حمدان حين قال يوم 12 شباط/فبراير إن الثورة المصرية لن يكون لها انعكاس على القضية الفلسطينية فقط بل على المنطقة كلها لما لمصر من دور تاريخي وسياسي على المستوى العربي والدولي.
 
يتضح مما تقدم أن تعاطي رام الله وغزة مع موضوع الانتخابات ما زال يتم أداتياً وبشكل ضيق، حيث يسعى الطرفان لتوظيفه بشكل فصائلي مكسبيْ يتمثّل في الرغبة بإنقاذ وترميم شرعية سلطلتيهما المتهالكتين. على ضوء ذلك، يمكننا القول ان الدعوة لإجراء الانتخابات تصبح وجها آخر للدعوة لعدم إجراءها. إن "تحرير" الحياة السياسية الفلسطينية من قبضة الصراع ما بين فتح وحماس وحده من شانه ان يجعل الإنتخابات مدخلا ملائما لتدشين حالة سياسية فلسطينية ديمقراطية تستجيب لطموحات الجميع في البناء والتحرر وقادرة على التصدي الفاعل للسياسات الاسرائيلية الهادفة الى تبديد ما تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني. 
 
د. باسم الزبيدي أستاذ للعلوم السياسية في جامعة بيرزيت.