دعت القمة التشاورية لمجلس التعاون الخليجي، في خطوة مفاجئة، المغرب إلى الانضمام إلى المجلس، كما وافقت على طلب عضوية الأردن. 
 
لكن يبدو أن هذا القرار غير المسبوق في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، لايمكن تفسيره بمعزل عن التحوّلات السياسية والأمنية التي تشهدها دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ شهور عدة. ومع أن القرار ينبئ بقيام تحالفات عربية جديدة تؤسس لمرحلة دقيقة في تاريخ الأنظمة العربية، إلا أن ذلك لايلغي ضرورة طرح السؤال الآتي: لماذا عضوية مجلس التعاون بالذات؟ وهل تُعتبر هذه الصيغة الوحيدة أو الأمثل للمغرب والأردن، من جهة، وللدول المؤسِّسة لمجلس التعاون الخليجي، من جهة أخرى؟ ألا توجد صيغ أخرى بديلة تساعد على تحقيق الأهداف نفسها؟
 
يجب أن نتذكّر المعطيات التالية:
 
أولا، أن مجلس التعاون الخليجي تأسّس منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي من أجل تحقيق اندماج اقتصادي وأمني لدول الخليج الست استناداً إلى مرتكزات تاريخية وجغرافية وثقافية. وقد مرّ المجلس بمراحل التدرج الطبيعي لأي اندماج إقليمي، حيث انتقل من منطقة للتجارة الحرة في العام 1983 إلى اتحاد جمركي في العام 2003، ثم إلى سوق مشتركة العام 2008. علاوة على ذلك، انطلقت المشاورات داخل المجلس قبل سنوات بهدف إقامة وحدة نقدية مشتركة على غرار منطقة اليورو في أوروبا. ولذا، كيف يمكن في ظل هذه الاعتبارات منح صفة العضوية بشكل مباشر للمغرب والأردن؟ صحيح أن المفاوضات قائمة، لكن ثمة وعد واضح أيضاً بالحصول على العضوية. 
 
ثانياً، أن مجلس التعاون الخليجي لطالما كان حذراً ومتحفّظاً في تعامله مع أي طلبات لتعميق اندماجه مع دول أخرى في المنطقة. فقد رفض طلب عضوية اليمن التي تُشكّل الامتداد الطبيعي والعمق الاستراتيجي لدول الخليج. كما أن المجلس اكتفى بإطار مرن في تجربة التعاون الاقتصادي والأمني مع سورية ومصر بعد حرب العام 1991 على العراق، في ماكان يُعرَف بدول 6+2. وللتذكير فإن الأردن، التي رحب المجلس بقبول انضمامه اليوم، بذل جهوداً كبرى منذ مايقرب من عقد من الزمن من أجل إبرام اتفاقية للتبادل الحر مع مجلس التعاون الخليجي، لكن هذه الخطوة واجهت عراقيل متعددة من دون أن تصل إلى أي نتيجة. 
 
ثالثا، ماهي تبعات هذه العضوية بين دول نفطية يتراوح دخلها الفردي مابين 17000 دولار (السعودية) وأكثر من 70000 دولار (قطر)، وبين دولتين لايتجاوز دخل الفرد فيهما 4000 دولار؟ صحيح أن فائض الحسابات الجارية الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي من المتوقّع أن يتضاعف خلال هذه السنة، مقارنةً به في العام الماضي، ليتجاوز عتبة 300 بليون دولار، إلا أن هذه الوضعية المالية المريحة قد تتغيّر في ظل تقلبات أسعار النفط، واستمرار ارتفاع أسعار السلع الغذائية، وتزايد المطالب الاجتماعية، وضعف التنوّع الاقتصادي.
 
قد يكون ممكناً إيجاد بعض المنطق الاقتصادي لعضوية الأردن في مجلس التعاون للاعتبارات التالية: أولاً، القرب الجغرافي، على اعتبار أن للأردن حدوداً مشتركةً مع السعودية، أكبر دول المجلس وأهمها. ثُانياً، مستوى الاندماج الاقتصادي، ذلك أن الاقتصاد الأردني مرتبط بشكل وثيق بدول الخليج من حيث المعاملات التجارية والمالية، وحركة اليد العاملة. ثالثاً، حجم السكان، إذ من السهل نسبياً استيعاب عضوية الأردن الذي لايتجاوز عدد سكانه ستة ملايين نسمة، داخل مجلس التعاون الذي يبلغ عدد سكانه حوالى 40 مليوناً. 
 
بيد أن المغرب يشكّل حالة مختلفة تماماً. فهو يقع، جغرافياً، في أقصى غرب العالم العربي، وعلاقاته الاقتصادية ضعيفة بدول الخليج إذا استثنينا مجال الاستثمار في بعض المجالات وبشكل غير مستقر، حيث أن 60 في المئة من صادراته، و80 في المئة من إيرادات قطاعه السياحي، و90 في المئة من تحويلات مهاجريه، تتـمُّ مع الاتـحاد الأوروبـي. من جهة أخرى، وخلافاً للأردن، فإن عدد سكان المغرب يتجاوز 32 مليون نسمة، مايؤهلّه، في حال انضمامه، لأن يصبح أكبر بلدان المجلس من حيث عدد السكان.
 
معروف أن المغرب يتوفّر على عدد من اتفاقيات التبادل الحرّ مع الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة الأمريكية، وقد يشكّل موقعه الجغرافي وإمكانياته في المجال الزراعي والبشري عوامل محفّزة لاندماج اقتصادي متقدّم مع دول الخليج. إلا أن الاستفادة من هذا كله لاتتطلب عضوية مجلس التعاون. ولهذا السبب فإن بلاغ وزارة الخارجية المغربية، رداً على دعوة الانضمام، يؤكد على تشبّث المغرب ببناء اتحاد المغرب العربي، وعلى استعداده للقيام بمشاورات من أجل وضع إطار التعاون الأمثل مع مجلس التعاون من دون الإشارة الى الانضمام.
 
أما من الناحية السياسية، فإن عملية الإصلاح الدستوري ماضية إلى الأمام في المغرب. والمغاربة جميعاً، قيادةً وشعباً، عازمون على إرساء قواعد الملكية الدستورية، بما في ذلك منح صلاحيات واسعة للحكومة والبرلمان، والتأكيد على مبدأ الفصل بين السلطات، وإصلاح القضاء وتحقيق استقلاليته ضماناً لسيادة القانون وتطبيق أحكامه في شكل يساوي في مابين المواطنين كافة. وليس من المحتمل أن يكون انضمام المغرب إلى مجلس التعاون، حتى في حال حدوثه، سبباً وجيهاً ولامقبولاً لتأجيل الاصلاحات.
 
إن العقد الاجتماعي في المغرب يختلف تماماً عما هو عليه في دول الخليج. ولعل أبرز مجال لهذا الاختلاف يكمن في أن الإيرادات الحكومية في المغرب مصدرها الضرائب التي تمثّل مايقارب ربع الناتج الإجمالي للبلد. هذا في حين تشكّل إيرادات النفط أهم مصدر لتمويل النفقات الحكومية  في دول الخليج، فيما لاتمثّل الاقتطاعات الضريبية المباشرة وغير المباشرة إلا جزءاً ضئيلاً.
 
إذا كانت دول الخليج تسعى إلى التأثير على وتيرة الإصلاحات التي انطلقت داخل الملكيات غير النفطية، عبر دعوتها إلى  الانضمام الى مجلس التعاون من دون أي مقدّمات، فإن هذا المسعى قد يكون مكلفاً مالياً، وقد تكون له آثار عكسية غير محتملة. وبدلاً من الانزعاج من الإصلاحات السياسية التي يعرفها المغرب والتي يخطو نحوها الأردن، والتفكير في سُبُل وقفها أو تأجيلها، فإن مستقبل دول الخليج قد يكون أكثر أمناً وازدهاراً من خلال المبادرة إلى القيام بإصلاحات تضمن حريات أكبر، ومشاركة أوسع لمختلف التيارات الفكرية والسياسية.
 
إن التخلص من الهاجس الأمني عبر الإصلاح السياسي الحقيقي، يمكن أن يطلق العنان لدول الخليج كي تلعب دوراً سياسياً واقتصادياً رائداً في المنطقة يتجاوز "نادي الملكيات". فإمكانيات دول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن تساهم بشكل كبير في عملية الانتقال الاقتصادي والتنموي في مصر وتونس واليمن وباقي الدول العربية الأخرى.