يُظهِر الائتلاف الذي يدعم حكومة الوحدة الوطنية العراقية علامات متزايدة على الانشداد والتوتر. إذ يأتي احتمال تفكك الائتلاف الحاكم، الذي تشكّل في كانون الأول/ديسمبر 2010، في وقت حرج في العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق: فالولايات المتحدة، وعلى الرغم من أنها تعتقد أن هذه الخطوة مخطئة، إلا أنه عليها سحب كل قواتها من العراق، مالَم يُعَد التفاوض حول اتفاقية الوضعية الراهنة للقوات. وهي تضغط على رئيس الوزراء نوري المالكي كي يعيد التفاوض. وفي هذه الأثناء، لايجرؤ المالكي، الذي يودّ استمرار الوجود الأميركي، على إعادة النظر في الاتفاقية خوفاً من فرط عقد الائتلاف. أما مقتدى الصدر، فهو نظّم بالفعل مظاهرات ضدّ استمرار الوجود الأميركي، وهدّد بهجر الحكومة في حال بقيت القوات الأميركية في العراق بعد نهاية العام. 
 
ولايبدو في هذه المرحلة أن أي حزب أو فصيل قد توصّل بالفعل إلى قرار حاسم بأنه يرغب في إفشال الحكومة، وبالتالي يعيد فتح عملية تفاوض مؤلمة استغرقت تسعة أشهر لإكمالها، أو حتى يقود إلى إجراء انتخابات مبكرة. لكن من الواضح تماماً أن الجميع يمارسون لعبة حافة الهاوية، ويحاولون الدفع بمصلحتهم إلى الحدود قصوى واختبار مايمكنهم تحقيقه. ويمكن بسهولة لسوء تقدير أحد اللاعبين الرئيسَين خلق أزمة ذات عواقب لايمكن التنبؤ بها. 
 
ثمة ثلاثة مستويات رئيسة للتوتر تهدّد بقاء الحكومة وبشكل أوسع استقرار العراق: تفاقم الانقسامات في مابين أحزاب الائتلاف الحاكم، والتوتر بين البرلمان وبين السلطة التنفيذية، والتنافس مابين الحكومة المحلية والحكومات الإقليمية.

تحلّل اتفاقية أربيل

التوتر يتصاعد في مابين الأحزاب التي انضمّت الى حكومة وحدة وطنية وفقاً لشروط تم وضع صيغتها النهائية في تشرين الثاني/نوفمبر 2010، في اجتماع عُقِد في أربيل بوساطة مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان، وعُرِف بـ"اتفاقية أربيل". وتكتسب أهمية خاصة في هذا الصدد التوترات بين ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي والقائمة العراقية بزعامة إياد علاوي، وكذلك التوترات بين المالكي ومقتدى الصدر. 
 
كانت "اتفاقية أربيل" حلاً وسطاً بين الأحزاب التي فازت بمقاعد في مجلس النواب في انتخابات آذار/مارس 2010. وقد فاز ائتلاف علاوي "القائمة العراقية" في الانتخابات بـ91 مقعداً في الانتخابات فيما فاز ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي بـ89 مقعداً. لم يكن بمقدور أي من الائتلافين تشكيل حكومة من دون الدخول في ائتلاف مع أحزاب أخرى، وكان الواقع السياسي يفرض على أي ائتلاف أن يضمّ ممثّلين للأحزاب الشيعية والسنّية والكردية كي يكون قابلاً للبقاء، حيث لن تكون الأغلبية الحسابية البحتة كافية. وكان هذا يعني أن على المالكي وعلاوي أن يتنافسا للحصول على ولاء نفس الأحزاب، وقد خاضا بالفعل منافسةً استمرّت تسعة أشهر، وحاول كل حزب في مرحلة أو أخرى تشكيل تحالف مع كل حزب آخر. 
 
عندما اتّضح أن أياً من الطرفين لايمكن أن ينتصر، قبلت جميع الأطراف التسوية التي توسّط فيها رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني والقاضية بتشكيل حكومة وحدة وطنية. وبموجبها يتولّى المالكي منصب رئيس الوزراء، لكن في المقابل يكون رئيس مجلس النواب من صفوف ائتلاف العراقية، وبالتالي سيكون سنّياً، فيما يصبح علاوي شخصياً رئيساً للمجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية العليا الجديد. ويستمرّ الأكراد في السيطرة على الرئاسة، وبالطبع يستمرون في إدارة إقليم كردستان بشكل مستقل. ويتم، بموجب التسوية، تقاسم الوزارات بين الأحزاب السياسية بشكل يتناسب مع عدد المقاعد التي يسيطر عليها كل حزب. ومع ذلك، تُرِك العديد من القضايا من دون حل، بما في ذلك عدد نواب الرئيس، وطبيعة المجلس الوطني للسياسة الاستراتيجية العليا. 
 
لم تكن حكومة الوحدة الوطنية بالتأكيد زواجاً قائماً على الحب أو حتى على الفائدة الشخصية. كانت زواج يأس، حيث لم يكن ثمة حل آخر مقبول. وبالتالي استغرق الأمر شهراً لتشكيل الحكومة، وهو الحدّ الأقصى المسموح به بموجب الدستور قبل أن يصبح لزاماً على الرئيس أن يعلن أن المالكي قد فشل. وحتى حينما تم الإعلان عن الحكومة، فإنها لم تكن مكتملة. تم تعيين العديد من الوزراء بصفتهم وزراء "بالنيابة" على الرغم من أنه كان تقرّر بالفعل أي حزب ستكون له السيطرة على أي وزارة. لم يتم حتى الآن، على الأخص، تعيين وزير دائم لأي من الوزارات الأمنية - الدفاع والداخلية والأمن الوطني - وكان المالكي وزيراً بالوكالة في كل الوزارات الثلاث. بقي المالكي مسيطراً على الوزارات الثلاث حتى وقت كتابة هذه الورقة. 
 
العراقية والائتلاف الحاكم 
 
منذ البداية، كان علاوي العضو الأكثر هامشية في التحالف، وكان المالكي ينظر إلى العراقية نفسها بعين الريبة. كان علاوي قد خسر الصراع على السلطة مع المالكي، وبات عرضة لأن يصبح شخصاً غير هام حتى داخل ائتلاف العراقية. لابل إن الكثيرين داخل الكتلة رأوا إلى زعيمهم بوصفه عائقاً، على الرغم من أنهم حافظوا معظم الوقت على مظهر عام زائف موحّد. 
 
كانت جائزة الترضية التي أعطيت إلى علاوي، والمتمثّلة بإدارة المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية العليا، عقيمة أساساً. إذ لم يتم التوصل إلى اتفاق واضح في أربيل حول صلاحيات المجلس ودوره: أصرّ علاوي على أن المجلس لديه سلطة اتخاذ قرارات ملزمة. أما المالكي، الذي كان يميل إلى تجاهل نص وروح الدستور عندما يكون ذلك ملائماً له، فقد كان متمسكاً بالشرعية بشأن هذه المسألة، مجادلاً بأن المجلس يمكن أن يكون مجرد هيئة استشارية مالَم يتم سنّ تعديل دستوري. ونتيجة لذلك، لم يتم أبداً إقرار تشريع لتشكيل المجلس، وأعلن علاوي أخيراً أنه لم يَعُد مهتماً بالمنصب، وسحب ترشيحه في بداية آذار/مارس. وفي حين أن الانسحاب لم يكن يعني أن علاوي قد خرج من المشهد السياسي، فقد أكد أنه أصبح لاعباً من الدرجة الثانية. 
 
انعكس تقلّص نفوذ العراقية وعلاوي أيضاً في رفض المالكي قبول أي من مرشحي العراقية لمنصب وزير الدفاع. لايزال المالكي وزير الدفاع في حكومته، ولم تتمكن العراقية حتى الآن من تسمية وزير جديد. كما استمر المالكي في السيطرة على وزارة الداخلية، والتي كانت خُصّصت من الناحية النظرية للتحالف الوطني، وكانت تتطلب الحصول على موافقة شركائه في التحالف الوطني العراقي. 
شجّعت خسارة العراقية لنفوذها عمليات الانشقاق عن الائتلاف. وعلى غرار التحالفات السياسية الأخرى في العراق، كانت العراقية دائماً تجمعاً غريباً من التنظيمات التي لم يكن بينها الكثير من القواسم المشتركة ماعدا ضرورة البحث عن حلفاء لكسب الأصوات. وفي الواقع، عندما أُطلق الائتلاف للمرة الأولى، افترض معظم المحللين أنه سيتفكك سريعاً بعد الانتخابات. لكن ذلك لم يحدث لأنه طالما بقي الأمل قائماً في أن تتمكن العراقية من تشكيل ائتلاف أغلبية في البرلمان ويصبح علاوي رئيساً للوزراء، لم يكن ثمة حافز لأحد للتخلي عن التنظيم. 
 
بدأت الانشقاقات، مؤخراً، مع تشكيل كتلة "العراقية البيضاء"، التي شكلها ثمانية أعضاء في البرلمان ويرأسها حسن العلوي. أصبحت الكتلة تنتقد علاوي شخصياً والعراقية بشكل عام، حتى أنها بدأت جمع توقيعات في البرلمان لاستجواب وزير المالية محمد رافع العيساوي، وهو عضو في قائمة العراقية شغل منصب كبير مفاوضيها في فترة مابعد الانتخابات. وخسارة ثمانية مقاعد في البرلمان يحرم العراقية من الاستفادة من الميزة الضعيفة التي كانت تتمتع بها على ائتلاف دولة القانون، مايجعل من المستحيل عليها أن تتطلع إلى تشكيل حكومة جديدة إذا ما انهارت الحكومة الحالية. 
 
مقتدى الصدر والتحالف الوطني العراقي 
 
في حين تمثّلت مشكلة كتلة العراقية الرئيسة في الحفاظ على نفوذها في حكومة الوحدة الوطنية، فإن المالكي يسعى جاهداً إلى الحفاظ على تماسك التحالف الوطني، وهي كتلة الأحزاب ذات الأغلبية الشيعية التي أتاحت له المطالبة بمنصب رئيس الوزراء. وبالإضافة إلى ائتلاف دولة القانون، كان التيار الصدري، ولايزال، أهم عنصر مكوّن في التحالف الوطني. فالصدريون الذين لهم 40 مقعداً في مجلس النواب، مهمّون بالنسبة للأغلبية البرلمانية للمالكي. ولن يؤدي خروجهم من الائتلاف إلى تقويض حكومة الوحدة الوطنية وحسب، بل سيجعل تشكيل كتلة معارضة وقابلة للحياة أمراً ممكناً أيضاً. 
 
يواصل التيار الصدري اتباع سياسات مختلفة بشكل ملحوظ عن تلك التي يتبعها المالكي. وفي حين أن رئيس الوزراء أظهر على الأقل بعض الانفتاح بشأن إعادة التفاوض على اتفاقية وضع القوات مع الولايات المتحدة بهدف السماح لبعض القوات الأميركية بالبقاء في العراق بعد نهاية العام، فقد هدّد مقتدى الصدر بإحياء جيش المهدي في حال بقيت القوات الأميركية في العراق. وفي الآونة الأخيرة، دعا الصدر المجالس المحلية إلى إقرار تشريعات من شأنها أن تمنع القوات الأميركية من البقاء في محافظاتها. 
 
كذلك، برزت الخلافات في مايتعلّق بالشؤون الداخلية. وعندما منح المالكي وزراءه مهلة مئة يوم، استجابةً للاحتجاجات الشعبية المتنامية، لتحقيق تقدّم في تنفيذ برامجهم أو مواجهة احتمال طردهم، جادل الصدر في أن الأشهر الستة - أي ضعف مهلة المئة يوم تقريباً - هي مهلة أكثر منطقية. علاوة على ذلك، جادل النواب الصدريون في أن التيار الصدري، بدلاً من المالكي، سيحكم على أداء الوزارات التي تم تخصيصها له، وواصل نوابه انتقاد المالكي بشأن مروحة من القضايا. وعندما انتهت مهلة المئة يوم في 7 حزيران/يونيو، تهيّأ المالكي لمعركة سياسية طويلة بعد أن حقّقت حكومته تقدّماً ضئيلاً، كما كان متوقَّعاً. فدعا الشعب العراقي إلى الحكم عليه بشكل عادل، وفي خطوة عكست حسّاً بالشفافية، أعلن أن اجتماعات الحكومة ستُبَثّ على شاشات التلفزيون مباشرةً. 
 
تتجلّى معارضة التيار الصدري للمالكي في نواح أخرى أيضاً، لعل أهمها في مكافحة الفساد. كان التيار الصدري عنيفاً في شجب الفساد، وانحاز إلى رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي في هذا الشأن. وعلى سبيل المثال، في نيسان/أبريل أيّدت الكتلة الصدرية في البرلمان تصويتاً سريعاً على خمسة قوانين لتعزيز المؤسسات التي لها دور في مكافحة الفساد، في حين أراد المالكي تأجيل التصويت. وأصبح بهاء الأعرجي، أحد نواب التيار الصدري ورئيس لجنة النزاهة في البرلمان، الذراع الأكثر ظهوراً في مكافحة الفساد. 

رئيس الوزراء والبرلمان 

يتصاعد التوتر بين رئيس وزراء، يتمتّع أكثر فأكثر بسلطة رئيس جمهورية، ويضع نفسه في إطار الحكام العرب السلطويين ذوي النفود المطلق، وبين برلمان يبدو مصمّماً على أداء دور فعلي. وعلى غرار التوتر مابين رئيس الوزراء والبرلمان، يتبدّى توتر شخصي بين المالكي وبين النجيفي، وكلاهما طموح ويملك أجندته السياسية الخاصة. من الصعب الفصل بين التوترات المؤسساتية والشخصية، إلا أنهما يساهمان معاً في تفاقم الوضع. 
 
تمثّل التوترات السياسية التي تقوّض اتفاقية أربيل استمراراً للمعارك السياسية القديمة في فترة ماقبل ومابعد الانتخابات. وتضيف التوترات المتزايدة بين رئيس الوزراء ورئيس البرلمان بعداً مؤسسياً جديداً للصراع على السلطة. 
 
في اليوم الذي انتخبه البرلمان رئيساً له، أعلن أسامة النجيفي أنه لم يَعُد ممثلاً لكتلة العراقية –التي فاز بمقعده على قائمتها الانتخابية - بل عضواً في البرلمان العراقي. في الأشهر التي تلت حاول النجيفي بالفعل الدفاع عن موقفه السياسي، وهو ما أدخله في صراع مع المالكي. 
 
عندما انتخب، كان أسامة النجيفي معروفاً باعتباره قومياً عربياً يفضّل وجود دولة مركزية وحدوية، ومعارضاً للحكم الذاتي لكردستان، وكان شديد الانتقاد للسمات الفدرالية للدساتير. كان موقفه الصريح بشأن الحكم الذاتي في كردستان يشكّل عقبة واضحة للتحالف بين قائمة العراقية والتحالف الكردستاني خلال مفاوضات تشكيل الحكومة. 
 
ومع ذلك، فقد تخلّى النجيفي عن الخطاب القومي العربي، إلى حدّ كبير، بعد أن أصبح رئيساً للمجلس، وركّز بدلاً من ذلك على تعظيم سلطة البرلمان، وليس من قبيل الصدفة، سلطته. وقد نصّب النجيفي نفسه باعتباره حامياً لسلطات وصلاحيات البرلمان التشريعية والرقابية، وطعن في تركيز السلطة في يد الحكومة، وجعل نفسه وصيّاً على الأخلاق العامة ضدّ موجة الفساد التي تجتاح البلاد. ونتيجة لذلك، فقد اصطدم مع المالكي، الذي يبدو أنه يعيد تعريف دور رئيس الوزراء بشروط رئاسية، ويغضب من القيود التي يسعى البرلمان إلى فرضها عليه. 
 
العراق، وفقاً لدستوره، لديه نظام سياسي برلماني، يحتاج فيه رئيس الوزراء ومجلس الوزراء إلى ثقة البرلمان كي يحكما. ويتعارض اعتماد النظام البرلماني مع التقاليد العربية للأنظمة الملكية أو الرئاسية، وكلها لديها سلطات تنفيذية قوية وبرلمانات ضعيفة. يبدو النجيفي مصمّماً على التأكد من أن البرلمان سوف يمارس الصلاحيات التي يمنحها له الدستور، وربما أكثر قليلاً. وفي حين كان حريصاً على عدم التورط في معارك سياسية بين الأحزاب، فقد عمل النجيفي على إضعاف سلطات المالكي من خلال تعزيز سلطات البرلمان، وربما الأكثر إثارة للدهشة، من خلال الدعوة إلى منح دور أكبر للمحافظات وحتى لمؤسسات الدولة المركزية. وقد أخذ النجيفي على عاتقه ليس فقط تعبئة البرلمان للعمل بفعالية، ولكن أيضاً دفع الجهات الفاعلة الأخرى إلى رفض التدخل السياسي أو تدخل الحكومة المركزية في شؤونها. 
 
وفّرت الاحتجاجات التي اندلعت في العراق في أوائل شباط/فبراير للنجيفي فرصة غير مسبوقة لتأكيد الدور الرقابي للبرلمان. أحد ردود المالكي على الاضطراب - كان موجّهاً ضدّ خدمات الحكومة السيئة – تمثّل في الإعلان عن ضرورة أن يقدم الوزراء خطة حول كيفية تحسين الأداء، وأنهم سيمنحون مائة يوم لإجراء تغييرات وإحراز تقدّم في معالجة احتياجات الناس. أشار النجيفي بسرعة إلى أن الحكومة مسؤولة أمام البرلمان، وبالتالي فإن البرلمان، بدلاً من رئيس الوزراء، سيحكم على ما إذا كان الوزراء قد أحرزوا تقدماً كافياً. أعلن النجيفي أن البرلمان سيعتبر أي وزير لم يكمل نسبة 75٪ من برنامجه في الموعد المحدد مسؤولاً، مهدّداً بإمكانية إجراء تصويت بحجب الثقة. 
 
كما طالب المالكي بتقديم برنامج شامل للبرلمان، يمكن من خلاله الحكم عليه شخصياً. في مستوى معين، كان الأمر ببساطة مسرحاً سياسياً، لأن تقييم نجاح الإصلاحات الصعبة عملية معقدة، وبالتالي فإن اشتراط إنجاز نسبة 75 في المئة ليس له معنى تقريباً. لكن من الناحية السياسية، ماكان يمكن للبيان أن يكون أكثر وضوحاً. 
 
كان ردّ المالكي كما يلي: أكّد أنه هو من سيحكم على أداء الوزراء، مايضطر مَن ليسوا على المستوى المناسب، أو حتى مجلس الوزراء بأكمله، إلى الاستقالة. وأضاف المالكي أنه في نهاية المائة يوم سوف يحكم أيضاً على أداء البرلمان ويدعو إلى انتخابات مبكرة إذا لزم الأمر، على الرغم من أن الدستور لايمنحه سلطة القيام بذلك. 
 
المواجهة الأخطر حتى الآن بشأن صلاحيات كل من مجلس النواب ورئيس الوزراء أثيرت بسبب تصويت في البرلمان يوم 18 نيسان/أبريل على إلغاء بند في القانون الجنائي يمنح الوزراء سلطة عرقلة تحقيقات الفساد ضدّ العاملين في الوزارات التابعة لهم. اعتبر نشطاء مكافحة الفساد التصويت انتصاراً كبيراً لهم، ولكنه واجه معارضة المالكي الذي بعث برسالة إلى الرئيس العراقي جلال طالباني طلب إليه فيها اتخاذ مايلزم من "التدابير الدستورية" لنقض قرار البرلمان. كان السبب المزعوم تقنياً، ولكن النيّة لعرقلة اتخاذ قرار برلماني كانت في غاية الوضوح. ندّد النجيفي بمحاولة تجاوز قرار البرلمان وأشار، بشكل صحيح، إلى أن الرئيس لم تَعُد لديه سلطة النقض. وفي محاولة أخيرة لوقف القرار، قال المالكي يومها إن الدستور أعطى البرلمان الحق في التصويت على القوانين المقدّمة من مجلس الوزراء أو رئيس الدولة فقط. أما مشاريع القوانين المقترحة من البرلمان فيتعيّن أن تُحال أولاً إلى مجلس الوزراء للموافقة عليها، وهو مايُعتَبَر، في أحسن الأحوال، تفسيراً فقهياً للغاية للدستور رفضه النجيفي بحزم. 
 
والقرار الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا بتاريخ 23 تشرين الأول/نوفمبر 2010، والذي لم يُعلَن إلى حين نشوء الخلاف مابين النجيفي والمالكي، يبدو أنه يدعم موقف المالكي. جدير بالذكر أن هذا القرار أُصدِر ردّاً على طلب استئناف من قبل المالكي قبيل تولّيه منصب رئاسة الوزراء، ما أثار القلق، ليس للمرة الأولى، من أنّ المحكمة الاتحادية العليا تميل إلى الحكم لصالح المالكي. 
 
في سعيه إلى فرض رقابة برلمانية على رئيس الوزراء ومجلس الوزراء والدفاع عن حقّ البرلمان في التصويت على مشاريع القوانين الخاصة به، لم ينتهك النجيفي روح الدستور على العموم، على الرغم من أنه تجاوز المعايير المقبولة في بعض الحالات. لكنه خاض عباب مياه مجهولة دستورياً عندما نصّب نفسه في دور المدافع عن حقوق السلطات المحلية في مواجهة الحكومة المركزية. كان هذا الدور الجديد مفاجئاً بشكل خاص نظراً إلى ماضيه كمعارض للفدرالية واللامركزية. 
 
في 30 آذار/مارس، على سبيل المثال، استضاف النجيفي مؤتمراً للمحافظين ورؤساء مجالس المحافظات في البرلمان ودعاهم إلى عدم الخضوع إلى هيمنة الحكومة المركزية، والعمل من أجل توضيح تقسيم السلطات بين الحكومات المحلية والإقليمية والمركزية، وخلق آليات، باستخدام الدستور، تهدف إلى تعزيز السلطات الإقليمية والمحلية. وشدّد على أن المحافظ، طبقاً لأحكام الدستور، هو السلطة التنفيذية وصانع السياسة في المحافظة.
وعلى المنوال نفسه من النضال من أجل حكومة مركزية أضعف، التقى النجيفي أيضاً رؤساء اللجان المستقلة المختلفة يوم 27 نيسان/أبريل. وفي مؤتمر صحافي أعقب الاجتماع، قال إنه تعهّد بالتعبير عن مخاوفهم وتصميمهم على رفض الضغوط السياسية والتدخلات في عملهم، وهو اتهام غير مقنّع كثيراً ضدّ المالكي، الذي كان يحاول فرض رقابة مكتبه على اللجان المستقلة. 

هل بلغت الفدرالية سنّ الرشد؟ المالكي والمحافظات

تتصاعد التوترات أيضاً بين الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية/حكومات المحافظات، وهي توترات قديمة في حالة كردستان، وجديدة ومتعاظمة في حالة محافظات نينوى والأنبار وكربلاء وصلاح الدين والديوانية.
 
منذ تشكيل الحكومة الجديدة، شهدت العلاقة بين الحكومة المركزية والمحافظات تغييراً كبيراً. فلا بدّ من تعديل الصورة القديمة للعراق كبلد حيث كان الأكراد مصرّين على استقلالهم الذاتي، والسنّة ملتزمين، على حدّ سواء، بدولة مركزية، والشيعة ملتزمين أيضاً بدولة مركزية بعد أن داعبوا لفترة وجيزة فكرة إقامة إقليم شيعي مستقل. كانت عملية التحوّل جاريةً لفترة من الوقت، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً في الآونة الأخيرة. 
 
في العامين 2005 و2006، تمثّلت إحدى المظالم السنّية الرئيسة في أن الأكراد، وبالتواطؤ مع بعض الأحزاب الشيعية على الأقل، بما في ذلك المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، فرضوا اعتماد دستور يدعو إلى إقامة حكومة مركزية ضعيفة. كانت الأقاليم تمتلك - في الواقع إقليم كردستان فقط في ذلك الوقت - سلطات واسعة؛ أما المحافظات فلم تكن تمتلكها، ولكن كان في وسعها أن تختار تحويل نفسها، إما بشكل فردي أو بالانضمام إلى محافظات أخرى، إلى أقاليم بالدرجة نفسها من الحكم الذاتي التي يتمتع بها إقليم كردستان. قوبل الاقتراح الذي قدمه المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق في العام 2006، والذي يقول إن المحافظات التسع ذات الأغلبية الشيعية قد تندمج في إقليم واحد بالخوف من جانب السنّة. 
 
مع مرور الوقت تغيّرت المواقف بشكل كبير. أولاً، تراجعت فكرة إنشاء إقليم جنوبي شيعي بسرعة بعد أن اكتسب الشيعة نفوذاً في قلب الحكومة. ثانياً، أصبح السنّة في العراق قلقين أكثر فأكثر من الحكومة المركزية حيث عزّز المالكي سلطته (إذا كان الشيعة يهيمنون على الحكومة المركزية، كما يرى السنة، فإن وجود حكومة مركزية قوية ليس في مصلحتهم). وأخيراً، تسبّب إقرار قانون الأقاليم للعام 2008 - الذي منح رسمياً المزيد من السلطة للمحافظات، وإن لم يُطبَّق بالكامل بعد - في أن يعيد بعضُ حكام الأقاليم وأعضاء مجالس المحافظات النظرَ في مزايا التحول إلى إقليم. فالإقليم سيكون أكثر استقلالية في عملية صنع القرارات ويمتلك قدراً أكبر من السيطرة على العائدات الخاصة به، وسيكون أقل اعتماداً على أداء الحكومة المركزية في حلّ مشاكله. 
 
واكتسبت المسألة الأخيرة أهميةً خاصةً عندما حاول المالكي صرف غضب المحتجّين عن الحكومة المركزية إلى المحافظات، معتبراً أنها هي المسؤولة عن تدنّي مستويات الخدمات. وجادل المسؤولون المحليون في أنهم لم يتمكنوا من تقديم الخدمات لأن الحكومة المركزية لم تكن توفّر الأموال، وأن تقسيم السلطات بين الأقاليم والحكومة الاتحادية لم يمنحهم السلطة لمعالجة هذه المشكلة بمفردهم. وبرز طلب توضيح السلطة الخاصة بكل من السلطات المركزية والمحلية في الواقع باعتباره المطلب الرئيس للمشاركين في مؤتمر عن "الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في أقاليم" استضافه البرلمان العراقي في 30 آذار/مارس. 
 
جهود نحو اللامركزية
 
تكتسب فكرة تحويل المحافظات الحالية إلى أقاليم قبولاً متزايداً. في العام 2009 حاول وائل عبداللطيف، العضو في مجلس محافظة البصرة، لكنه فشل، جمع توقيعات كافية لفرض إجراء استفتاء حول هذه القضية. وفقاً للدستور، يجب أن يقدّم إما ثلث أعضاء مجلس المحافظة أو عشر الناخبين طلباً كي تتحول المحافظة إلى إقليم؛ ومن ثم يعرض الطلب على الاستفتاء. 
 
في كانون الثاني/يناير 2011، دعا الزعيم العشائري أحمد أبو ريشة، رئيس مجلس صحوة العراق والمرشح الذي فشل في الانتخابات البرلمانية التي جرت في العام 2010، إلى إجراء دراسة لاحتمالات إنشاء إقليم يضم محافظة الأنبار ذات الأغلبية السنّية ومحافظة كربلاء ذات الأغلبية الشيعية. وجادل أبو ريشة في أن مثل هذه المنطقة سوف تتيح للمحافظتين التمتع بمزايا التحوّل إلى إقليم من دون تعزيز الاتجاهات الطائفية. لم تنتشر الفكرة كثيراً وجرى انتقادها من جانب بعض النواب السنّة والشيعة باعتبارها وصفة لانقسامات سياسية أكبر. وزعم آخرون أن هدف أبو ريشة كان يتمثّل ببساطة في التغلب على خلاف محلي مستمر بين محافظتي كربلاء والأنبار. 
 
ازداد الاهتمام الظاهر بعملية التقسيم إلى أقاليم في العام 2011 بعد اندلاع احتجاجات في أنحاء البلاد ومحاولة المالكي إلقاء اللوم على السلطات المحلية. وفي 23 نيسان/أبريل، طرح محافظ كربلاء آمال الدين الهر فكرة تشكيل إقليم كربلاء، قائلاً إن إقليم كربلاء المكتفي ذاتياً لن يكون خاضعاً إلى هيمنة الوزارات المركزية. ومع ذلك، لم يصل المحافظ إلى حدّ إعلان خطوات ملموسة نحو تشكيل إقليم، لكنه أعلن أنه سيواصل السعي إلى إقرار "تشريعات لزيادة سلطات المحافظة وتنفيذ قوانين مجلس المحافظة".
 
بعد أسابيع قليلة، دعا علي حاتم سليمان، وهو زعيم قبلي آخر من الأنبار، إلى تشكيل إقليم في الأنبار. وبوصفه شخصية سنّية بارزة في ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، وزعيم واحد من الأقسام الثلاثة الرئيسة التي انقسم إليها مجلس الصحوة، كان سليمان يظهر، وليس للمرة الأولى، استقلاله عن المالكي. في 15 أيار/مايو، أعلن أن زعماء القبائل والمسؤولين المنتخبين سيحولون الأنبار إلى إقليم فدرالي مثل كردستان مالَم تتّخذ الحكومة خطوات جادة نحو مكافحة الفساد. العقبات التي تحول دون تشكيل ناجح لإقليم الأنبار عديدة، بما في ذلك الانقسامات بين السياسيين في الأنبار والمعارضة الحتمية من جانب المالكي لتشكيل إقليم سنّي. ومع ذلك، فهناك مايكفي من الاستياء من المالكي في الأنبار، بسبب فشله في دمج "أبناء العراق" في الجيش واعتقال العديد من الشخصيات السياسية وكذلك من العسكريين وضباط الشرطة السابقين، إلى حدّ أن فكرة تحويل المحافظة إلى إقليم ربما تجمع تأييداً. ودفع الضغط المتزايد على الحكومة المركزية في الأنبار بمجلس محافظة الأنبار إلى الإعلان عن انتصار سياسي، فيما بدأ الجيش الانسحاب من مدن المحافظة وتسليم شؤون الأمن إلى الشرطة في 6 حزيران/يونيو.
 
أعربت محافظة صلاح الدين عن اهتمامها الجدّي في أن تصبح إقليماً. والحقيقة المتمثّلة بأنها تجاور إقليم كردستان ومحافظة كركوك منعطفاً جديداً في سياق عملية البحث عن التقسيم إلى أقاليم. في 15 أيار/مايو، التقى وفد رفيع المستوى من محافظة صلاح الدين، ضمّ المحافظ، ورئيس وأعضاء المجلس البلدي، وعضواً في البرلمان عن صلاح الدين، مع رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني لمناقشة تشكيل إقليم صلاح الدين. وأعرب بارزاني عن تأييده للفكرة، وعرض تقديم المساعدة والمشورة الكردية، على الرغم من أن جميع الأطراف اتفقت على ضرورة المضي قدماً ببطء. 
 
في اليوم التالي، صوّتت غالبية مجلس محافظة الديوانية على تحويل المحافظة الجنوبية إلى إقليم. وأعرب رئيس المجلس عن تأييده للمبادرة وحوّل الطلب إلى اللجنة القانونية لدراسته. ومن الجدير بالذكر أن الديوانية لاتملك إلا القليل من الثروة النفطية أو لاتملك شيئا منها، بل هي محافظة فقيرة تعتمد على الزراعة. واتّهم مسؤولوها في كثير من الأحيان الحكومة بتقسيم الثروة بشكل غير عادل وعدم إعطاء المحافظات الفقيرة مستحقاتها. 
 
نينوى والنجيفي الآخر
 
في العلاقة الجدلية أكثر فأكثر بين الحكومة المركزية والأقاليم تحتل نينوى مكاناً خاصاً، ليس فقط بسبب أهمية حدود المحافظة التي تجاور إقليم كردستان ولها معه حدود متنازع عليها، بل أيضاً لأن محافظها، أثيل النجيفي، هو شقيق رئيس البرلمان أسامة النجيفي. التوتر بين الحكومة المركزية والمحافظات، وبين أسامة النجيفي والمالكي، يتقاطع في نينوى. 
 
اندلعت التوترات للمرة الأولى خلال احتجاجات آذار/مارس، عندما تم إشعال النار في مكاتب المحافظ حيث كان كل من أثيل وأسامة النجيفي في الداخل، من قبل المتظاهرين، وفقاً للمالكي، ولكن بواسطة وحدة عسكرية كانت تتصرف بناء على طلب من المالكي وفقاً لأثيل النجيفي. ومع استمرار الاحتجاجات في نينوى، وقف أثيل النجيفي مع قسم من المحتجّين، ورفض حظر التجول المفروض على الموصل من قبل قيادة عمليات نينوى، المرتبطة بالحكومة المركزية، وتحدّاها بأن قاد الاحتجاج شخصياً يوم 17 نيسان/أبريل وكسر الطوق العسكري. نصب مؤيّدوه خياماً في الساحة التي أُعيد تسميتها بـ"ساحة الأحرار". لكن قيادة العمليات مزّقت الخيام على الفور واعتقلت المتظاهرين، الذين زُعِم أنها أخذت بعضهم إلى بغداد، فأعلن النجيفي أن هذا يرقى إلى فرض الأحكام العرفية في المدينة، ودعا إلى إضراب نُفِّذ بالفعل وأحرز بعض النجاح في 26 نيسان/أبريل. 
 
لاتزال العلاقات بين المالكي وأثيل النجيفي معقّدة. فقد تبادل الاثنان الشتائم واتهمت وسائل الإعلام المنحازة للمالكي النجيفي بكونه بعثياً، على سبيل المثال، وصرح النجيفي بأن المالكي جاهل بمشاكل الموصل ونينوى. وقد حاول المالكي فرض إرادته على المحافظة، وردّ النجيفي بالحجج القانونية وعروض السلطة السياسية. رفض النجيفي بنجاح – وبصورة قانونية - تعيين المالكي لقائد جديد لشرطة المحافظة. وحرّض المالكي اجتماعاً لشيوخ القبائل وآخرين على الدعوة إلى استقالة النجيفي ومجلس المحافظة بأكمله، وفاخر النجيفي بأن المالكي لايمكن أن يرغمه على الاستقالة أبداً لأنه يمتلك الكثير من الدعم السياسي في المنطقة، بعد أن حصل على أصوات أكثر من المالكي هناك. وحاول كلا الجانبين حشد زعماء القبائل إلى جانبهما، واتّهم كل منهما الآخر بالمسؤولية عن مشاكل نينوى العديدة التي لم تحلّ. ومن المثير للاهتمام، مع ذلك، أن المواجهة بين النجيفي والمالكي لم يرافقها دفع كبير أو تهديدات لتحويل نينوى إلى إقليم. 

لمحة من الديمقراطية أم أزمة جديدة؟ 

الصدوع في حكومة الوحدة الوطنية واضحة تماماً، حيث أن احتمال أن تؤدي خطوة خاطئة من جانب نصير كبير لقضية ما إلى انهيار اتفاقية أربيل، هو احتمال حقيقي جداً. هناك بلا شك أنصار لسياسة حافة الهاوية على الصعيد السياسي أكثر من السعي إلى حلّ المشاكل في العراق في الوقت الحاضر، على الرغم من الاحتياجات العاجلة التي أبرزتها الاحتجاجات. وفي حين أن هذا النقص في الاهتمام بالحوكمة لايجعل العراق مختلفاً عن كثير من البلدان الأخرى، إلا أنه يترك المشاكل الخطيرة ملتهبة. 
 
ثمة أيضاً جانب أكثر إيجابية للّعبة السياسية المكثفة: فقد حالت حتى الآن، دون ظهور نظام استبدادي جديد على الرغم من النزعات غير الديمقراطية للساسة الكبار. وإذا مانظرنا إليهم بشكل إفرادي، فإننا نجد أن المالكي والنجيفي ومقتدى الصدر أظهروا أنهم على استعداد لتجاهل الدستور والنظام القانوني عندما يكون القيام بذلك في مصلحتهم، ولكنهم يسارعون إلى الاستفادة من النظام الديمقراطي عندما يكون القيام بذلك في مصلحتهم. وقد نجحوا معاً في كبح النزعات غير الديمقراطية لبعضهم بعضاً. 
 
ويتكرّر النمط نفسه في العلاقات بين المحافظات والحكومة المركزية. فالمحافظون وأعضاء مجالس المحافظات الذين يدافعون عن صلاحيات المحافظات ويسعون إلى تعزيزها ليسوا ديمقراطيين بالضرورة، وهم لايؤمنون بالضرورة بالفدرالية كمبدأ. ومع ذلك، فعندما يرون فائدة لأنفسهم في نظام أكثر لامركزية - أو أنهم عرضة لخطر نظام لامركزي - فإنهم مستعدون للتمسك به. 
 
الالتزام الضعيف بالديمقراطية من جانب الساسة العراقيين ليس مستغرباً. فهم جميعاً ناجون من نظام سياسي وحشي في عهد صدام حسين، ومن الحرب الأهلية الأخيرة. وقد نالوا جميعاً وظائفهم في ظل ظروف لم يكن التقيد الصارم بقواعد الديمقراطية يسمح بالبقاء. تغيرت القواعد الآن، حيث يتعلّم الساسة العراقيون كيفية الاستفادة منها، على الأقل عندما يناسبهم القيام بذلك. ويمثّل هذا الالتزام المتقطّع، على الأقل، بالديمقراطية بارقة أمل، إلا أنه يبقى أن نرى ما إذا كانت الضوابط المتبادلة تؤذن ببداية نظام ديمقراطي أم تكون طريقاً إلى أزمة حكومية كبيرة.