تواجه اليوم القوى السياسية في مصر معضلة: هل تبادر إلى إجراء انتخابات على وجه السرعة لإنهاء حكم الجيش الذي نشأ بعد الثورة أو تعمد إلى إبطاء الجدول الزمني الانتخابي وإعطاء الأولوية لوضع دستور جديد؟ 
معروف القوى السياسية الجديدة أن تحتاج إلى مزيد من الوقت كي تنظّم نفسها؛ كما أنها، إلى جانب التيّارات التي شاركت في ثورة كانون الثاني/يناير ومجموعات المجتمع المدني الأهلية، تضغط للحصول على ضمانات بشأن محتوى الدستور الجديد والآليّة التي ستُعتمَد في صوغه.
 
وثمة أيضاً مخاوف جدّية من عدم جهوزيّة السلطات المصرية لإدارة الانتخابات البرلمانية – التي سيقبل المصريون بنتائجها ويعتبرونها شرعيّة – في أيلول/سبتمبر، ولاسيما إذا أصرّت القيادة العسكرية على استخدام النظام الانتخابي المُعقَّد للغاية الوارد في مشروع قانون تم اقتراحه في 29 أيار/مايو. وقد انضمّت ستّ وثلاثون مجموعة شبابية وسياسية مختلفة إلى "الجبهة الحرّة للتغيير السلمي" في تأييد حملة "الدستور أولاً"1 التي تسعى إلى جمع 15 مليون توقيع دعماً لإعادة النظر في الجدول الزمني للانتخابات. وقد هدّد هذا الائتلاف بحشد مليون متظاهر في ساحة التحرير يوم الجمعة 8 تموز/يوليو، إلا أن القيادة العسكرية قد تلبّي بعض مطالبهم على الأقل قبل هذا التاريخ. 

تقاطع المخاوف

فيما تصبح الأجواء في القاهرة طبيعية أكثر فأكثر (يبدو أن الإنتاجية الاقتصادية والسياحة تنتعشان، ولو ببطء، فيما تتراجع الاحتجاجات والمحاكمات الجديدة لمسؤولين ورجال أعمال سابقين) تحتدم المعركة بين القوى السياسية مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المُقرَّرة في أيلول/سبتمبر المقبل. ويمكن إجمالاً تصنيف المخاوف التي تساور المجموعات السياسية في خانتَين: الخوف من استمرار الحكم العسكري و/أو عودة الحزب الوطني الديمقراطي في شكل من الأشكال، والخوف من سيطرة الإخوان المسلمين. المشكلة أن هذين الخوفين يدفعان الناشطين في اتّجاهات متباينة، فيولّدان مشهداً سياسياً مشوَّشاً ومروحة مُتعارِضة من الأولويات. 
 
لقد أوضح المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة أنه توّاق إلى تسليم السلطة الرسمية إلى السلطات المدنية. إلا أنه أفصح مؤخّراً عن رغبته في الاحتفاظ بتأثير سياسي هام في المستقبل. فقد اقترح اللواء محمود شاهين في 16 حزيران/يونيو أن يمنح الدستور المصري الجديد صلاحيات واسعة للجيش، بما في ذلك الحق في التدخّل في الشؤون السياسية لحماية المصلحة العامة والتحرّر من الإشراف البرلماني على الموازنة العسكرية. أما محمد سعد الكتاتني، أمين عام حزب الحرية والعدالة الجديد الذي أنشأه الإخوان المسلمون، فيشير من جهته إلى أن المبرّر الأساسي لتأييد إجراء الانتخابات النيابية في أيلول/سبتمبر هو أنه يبدو أن الجيش بدأ يستسيغ مجدداً طعم السلطة. ويضيف: "يجب أن نعيد الجيش إلى الثكنات؛ إنه لأمر خطر أن نتركهم يستمرّون في السلطة لوقت طويل". ويبدو أن عدداً كبيراً من رجال الأعمال وسواهم ممّن كانوا يدعمون نظام مبارك، يُجمِعون على الرغبة في حصول انتخابات مبكّرة، معتبرين أن تحديد جدول زمني واضح للاستحقاقات السياسية هو خطوة ضرورية للحصول على استثمارات محلّية وخارجية ولنهوض الاقتصاد من جديد.
 
هذا ويتشاطر الإخوان المسلمون وعدد كبير من القوى السياسية الأخرى القلق من صعود الحزب الوطني الديمقراطي مجدداً في شكل من الأشكال. صحيح أن كبار الشخصيات في الحزب الوطني الديمقراطي – آل مبارك، والأمين العام صفوت الشريف، والزمرة الكاملة من رجال الأعمال وسواهم ممّن كانوا يؤيّدون جمال مبارك – قد ولّوا إلى غير رجعة وحُلّ الحزب بموجب حكم صادر عن المحكمة في نيسان/أبريل الماضي، إلا أنه يسود اعتقاد على نطاق واسع بأن العائلات البارزة، ولاسيما في المناطق الريفية، ورجال الأعمال الذين كانوا سابقاً أعضاء في الحزب الوطني الديمقراطي، سيتمكّنون من استخدام شبكاتهم القديمة للفوز بتمثيل واسع في الانتخابات النيابية، سواء كمستقلّين أم ضمن أحزاب. ولذلك، أعلن حزب الحرية والعدالة ومعظم الأحزاب الأخرى التي تأسّست حديثاً – بما في ذلك الليبراليون واليساريون والديمقراطيون الاجتماعيون – إلى جانب قوى سياسية راسخة مثل حزبَي الوفد والغد، في 14 حزيران/يونيو أنها سترشّح لائحة مشتركة من الأشخاص للبرلمان ("التحالف الوطني من أجل مصر") من أجل الحؤول دون انبعاث الحزب الوطني الديمقراطي من جديد.
 
بيد أن تحالفات أخرى تتشكّل أيضاً، وهي في معظمها تضع أحزاباً غير إسلامية في مواجهة الإخوان المسلمين في معركة تدور رحاها بين مؤيّدي الدستور أولاً (أو على الأقل تأجيل الانتخابات) والمطالبين بإجراء الانتخابات أولاً. ويعتبر أنصار "الدستور أولاً"، الذين يتألّفون في غالبيتهم من الليبراليين واليساريين، أنه من غير المنطقي انتخاب مجلسَين برلمانيين ورئيس للبلاد فيما يُرجَّح أن يؤدّي الدستور الذي سيُوضَع لاحقاً إلى تغيير كبير في المنظومة السياسية، مما يقتضي إجراء انتخابات جديدة في فترة لاتتعدّى العام الواحد. وتنطلق حجّتهم الإجرائية هذه من المخاوف التي تساورهم من أن يبلي حزب الحرية والعدالة بلاءً حسناً في الانتخابات النيابية، ماتتيح له أن يكون صاحب الرأي الأول في صوغ الدستور. أما المطالبون بإجراء الانتخابات أولاً، وعلى رأسهم حزب الحرية والعدالة، فيردّون بأن الدستور الجديد لن يكون شرعياً إلا إذا ارتكز على الانتخابات. ويُشار إلى أن النظام المطبَّق حالياً ينصّ على قيام البرلمان المنتخب باختيار جمعية تأسيسية من 100 عضو تُشرِف على صوغ الدستور، على أن يتبعه استفتاء شعبي. ويعتبر هؤلاء أيضاً أنه من شأن إعطاء الأولوية لوضع الدستور أن يشكّل انتهاكاً للإرادة التي عبّر عنها الناخبون في الاستفتاء الذي أُجري في 11 آذار/مارس الماضي، والذي أيّد فيه ثلاثة أرباع الناخبين التعديلات الدستورية التي تنصّ على إجراء انتخابات تشريعية في غضون ستّة أشهر.

مَن سيصيغ الدستور وما سيكون مضمونه؟

لايوضح الدستور المصري المؤقّت مَن سيضع الوثيقة بحدّ ذاتها. لقد تولّت لجانٌ صغيرةٌ تضمّ قضاةً ومفكّرين قانونيين وبعض السياسيين مهمةَ صوغ التعديلات الدستورية والقوانين الجديدة التي وضعتها القيادة العسكرية إلى الآن، ومن المفترض أنّ نائب رئيس الوزراء يحيى الجمل يعمل على وضع مسودة دستور جديد. هذا الغموضُ الذي يلفّ العملية، وواقعُ أنّ للإخوان المسلمين ممثّلاً عنهم في لجنة صياغة التعديلات الدستورية على عكس القوى السياسية الأخرى، يثيران قلق العديد من القادة السياسيين وقادة المجتمع المدني. 
 
أطلق العديد من الشخصيات السياسية والتيّارات ومجموعات المجتمع الأهلي مبادرات، في الفترة الممتدّة من مطلع حتى منتصف حزيران/يونيو الجاري، من أجل منع المتشدّدين الإسلاميين من الهيمنة على آلية كتابة الدستور الجديد، بغض النظر عن عدد المقاعد التي يفوز بها حزب الحرية والعدالة (الذي يقول إنه سيُقدِّم مرشّحين للتنافس على نسبة لاتزيد عن 50 في المئة من المقاعد) في البرلمان. ولعلّ الجهد الأبرز هو ذاك الذي يبذله محمد البرادعي الطامح إلى الرئاسة، فهو اقترح وثيقة لحقوق الإنسان من 17 مادة تنصّ على إقصاء الجيش من العملية السياسية الرسمية وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين. كما أطلق مركز هشام مبارك للقانون مبادرة تحت شعار "تعالوا نكتب دستورنا" لترويج مشاركة المواطنين في صوغ الدستور عبر الإنترنت.
 
القاسم المشترك بين المبادرات المختلفة هو المجهود الذي يُبذَل للحصول على تطمينات – من المجلس الأعلى للقوات المسلّحة والإخوان المسلمين والمجتمع في شكل عام – بأن الدستور الجديد سيُجسّد المبادئ الكونية لحقوق الإنسان ومايسمّيه المصريون "مدنية الدولة"، أي أن مصر ستكون دولة "مدنية" لادينية. ففي خطوة ربما تهدف  إلى الحصول على التعاون من الإسلاميين في النقطة الأخيرة، قدّم البرادعي ما اعتبره بعض المراقبين تنازلاً خطيراً في مبادرته، عندما أشار إلى أنه مستعدّ لدعم دستور جديد ينصّ على أن الإسلام هو دين الدولة والشريعة المصدر الرئيس للقوانين.
 
وتسعى المبادرات أيضاً إلى توضيح آلية اختيار الجمعية التأسيسية المؤلّفة من 100 عضو، والذي لايتطرّق إليها الدستور المؤقّت بالتفصيل. وقد تجاوب الإخوان المسلمون إلى حدّ ما مع هذا المطلب، وأعلن الكتاتني في اجتماع في منتصف حزيران/يونيو الجاري أن "الدستور لايمكن أن تفرضه غالبية برلمانية بل يجب أن يأخذ في الاعتبار آراء الجميع بما في ذلك الأقلّيات"، وأنه "يجب أن تعكس الجمعية التأسيسية التنوّع الكامل للمجتمع المصري".
من جهة أخرى، لفت محمد فائق، وهو وزير سابق وناشط حقوقي مخضرم يرأس الآن المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان بعدما خضعت إلى الإصلاح، إلى أن الدستور الجديد سيرتدي أهمية بالغة ليس للبلاد وحسب، بل أيضاً للعالم بأسره، نظراً إلى أن للفقهاء القانونيين المصريين تاريخاً عريقاً في كتابة الدساتير العربية الأخرى، وعلى الأرجح أن هذا التاريخ سيتجدّد في المستقبل. وأضاف قائلاً "إننا نصدّر الأشياء الجيّدة والسيئة على السواء".

إدارة الانتخابات قد تطرح مشكلة كبيرة

قلّة من المصريين ركّزوا حتى الآن على الحجّة التي ربما تُعتبَر الأهم لتأجيل الانتخابات البرلمانية، وهي أنه من المستبعد أن يكون المسؤولون المصريون جاهزين لإدارة الانتخابات في أيلول/سبتمبر. فلايزال القانون الانتخابي المُقترَح في طور المسوّدة، مما يُضاعف الالتباس وعجز الأحزاب عن التحرّك بفاعلية، ولاتزال المواعيد المحدّدة للانتخابات موضع تكهّنات. ومايثير القلق أكثر هو أن النظام الانتخابي المُقترَح لانظير له تقريباً على الساحة الدولية لناحية درجة التعقيد التي ينطوي عليها. فهو ينصّ على انتخاب ثلثَي أعضاء البرلمان عن طريق الدوائر الفردية، والثلث المتبقّي بموجب التمثيل النسبي (اللوائح الحزبية)، وعلى ملء مئات المقاعد (لايزال العدد الدقيق غير واضح)، على أن يُخصَّص نصفها للعمّال أو المزارعين، في إجراء هو من بقايا الحقبة الناصرية.
 
فضلاً عن ذلك، تخضع مصر إلى نظام فريد من الإشراف الانتخابي من جانب القضاة، إلا أنه ليس هناك عدد كافٍ من هؤلاء للإشراف على كل صناديق الاقتراع في مايزيد عن 50000 مركز للتصويت، مما يقتضي تنظيم الانتخابات على مراحل تمتدّ لأسابيع عدّة في أجزاء مختلفة من البلاد، وإجراء جولات ثانية في كل الدوائر. على الرغم من هذا الكمّ الهائل من التحدّيات، لم تتشكّل بعد اللجنة الانتخابية مع العلم بأنه لم يبقَ سوى ثلاثة أشهر فقط على الموعد المُقرَّر لإجراء الانتخابات. ومايزيد الأمور تعقيداً هو أن شهر رمضان، الذي يقلّ العمل فيه، يقع في آب/أغسطس.
 
وهكذا، شيئاً فشيئاً، تتراكم العوامل التي تؤشّر إلى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد يتراجع ويقرّر إرجاء الانتخابات. ليست هناك بعد أي استعدادات انتخابية ملموسة، وتضغط معظم القوى السياسية، ماعدا الإسلاميين، من أجل تأجيل الانتخابات شهرَين أو ثلاثة أشهر على الأقل. وحتى رئيس الوزراء والعديد من الوزراء في حكومته صرّحوا علناً في الآونة الأخيرة أنهم يفضّلون أن يُصاغ الدستور أولاً. صحيح أن القوى السياسية الثورية لم تكن قويّة وموحّدة بما يكفي لإقناع المصريين برفض الاستفتاء الذي أُجري في آذار/مارس وانبثق عنه الجدول الزمني الحالي للاستحقاقات الانتخابية، إلا أنها لاتزال قادرة على الأرجح على حشد دعم كافٍ لتنظيم تظاهرة كبرى في 8 تموز/يوليو المقبل. وهكذا، أمام المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة أسبوعان ليتّخذ قراره. وفي أي حال، إذا لم تكن الاستعدادات الانتخابية الفعلية قد انطلقت بحلول ذلك الوقت، فغالب الظنّ أن الانتخابات المصرية ستشوبها مشاكل إدارية كثيرة، إلى درجة أن عدداً كبيراً من المرشّحين لن يقبلوا بالنتائج ولن يتمكّن البرلمان من الانعقاد، مما يؤدّي إلى مزيد من التشويش والارتباك في العملية السياسية.