تسلّم المدّعون العامون في لبنان هذا الأسبوع قراراً اتّهامياً من المحكمة المدعومة من الأمم المتحدة، والمكلّفة بالنظر في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في العام 2005، تَضمَّنَ أسماء أربعة أشخاص على صلة بحزب الله. وفي حين لايزال الوضع في لبنان يتّسم بهدوء هشّ، ثمة مخاوف من أن تُسفِر نتائج المحكمة واستنتاجاتها الإضافية حول عملية الاغتيال عن انقسامات أعمق في البلاد، ومن أن تخرج التوتّرات عن السيطرة.

في سؤال وجواب، يناقش بول سالم هذه الاتهامات، ويقيّم مخاطر الصراع، ويحلّل التداعيات على المنطقة. يرى سالم أن الوضع لايزال هادئاً جداً في الوقت الراهن، لكن من المبكر توقّع ما ستؤول إليه الأمور. إنها بداية أمر كبير، وفقاً له، وخطر تفجُّر الوضع في نهاية المطاف جليّ.

مَن هم الأشخاص الواردة أسماؤهم في القرار الاتهامي؟

أكّد وزير الداخلية اللبناني تسلُّم الاتهامات من المحكمة الخاصة بلبنان، وأصدر مذكّرات توقيف بحقّ الأفراد الأربعة المرتبطين بحزب الله: مصطفى بدر الدين وسليم عيّاش هما من الشخصيات البارزة والمعروفة في الحزب. بدر الدين هو صهر عماد مغنية، قائد العمليات السابق في حزب الله الذي اغتيل منذ بضع سنوات. والمتّهمان الآخران هما حسن عنيسي وأسد صبرا. 

وقد تسرّبت أسماء هؤلاء الأشخاص في الأعوام القليلة الماضية كمشتبه بهم في التحقيق، فكان أن تصدّر حزب الله واجهة الأخبار. لكن الحزب يؤكّد مراراً وتكراراً أن التحقيق المدعوم من الأمم المتحدة مُسيِّس، وأن المحكمة تسيطر عليها الولايات المتحدة وإسرائيل. هذه الاستراتيجية الإعلامية أتاحت للحزب أن يردّ على الأخبار التي حملها هذا الأسبوع بالقول ببساطة أن المعلومات تتسرّب تماماً كما سبق وتوقّع. وهذا الأمر يعني أيضاً أن الأفراد الأربعة تمّ إخفاؤهم منذ فترة طويلة. 

فيما أصبحت أسماء المتّهمين معروفةً علناً، لاتزال تفاصيل التقرير الاتهامي سريةً، ذلك أن محتوى تقرير المحكمة هذا المؤلّف من حوالى 200 صفحة لم يُكشَف النقاب عنه بعد. لكن من المرجّح أن تتسرّب هذه المعلومة في الأيام المقبلة. وإذا ماكانت الأدلة مُقنِعة بأن حزب الله متورّط في اغتيال الحريري، فذلك قد يترك آثاره على الرأي العام ويؤجّج التوترات والمشاعر.

لايزال الوضع في لبنان إلى الآن هادئاً بشكل ملحوظ، مع أن لحظة إعلان الاتهامات طال انتظارها. فالتصاريح التي أطلقتها مختلف الأطراف اتّسمت بقدر من المسؤولية، ولم يحصل ردّ فعل فوري عاصِف كما خشي البعض. نأمل أن يكون ذلك إشارة إلى أن التوترات لن تتأجّج بشكل كبير في المستقبل القريب.   

 كيف جاء ردّ فعل الحكومة اللبنانية؟

بإصدارها مذكّرات توقيف بحقّ الأفراد الأربعة الواردة أسماؤهم في الاتهام، تتصرّف الحكومة إلى الآن وفقاً للأصول مرعية الأجراء. لكن السؤال المطروح هو ما إذا كان سيتم تحقيق أيُّ تقدُّم في عملية إلقاء القبض على المشتبه بهم الذين لاتُعرَف أماكنُ تواجدهم. فذلك سيسهّل على الحكومة التعاون، إذ إنها بإصدارها مذكّرات توقيف، ستكتسب مصداقيةً في نظر المجتمع الدولي، وبعدم إلقائها القبض على أحد، لن تُغضِب حزب الله كثيراً. 

إنه الاختبار الأول للحكومة الجديدة، وقد وقعت التطوّرات كلها دفعة واحدة. فهذه الحكومة كانت تشكّلت لتوّها بدعم من حزب الله بعد سقوط حكومة سعد الحريري السابقة في كانون الثاني/يناير الماضي، وذلك بشكل أساسي على خلفية نتائج المحكمة المُرتقَبة. وهذه المسألة الصعبة للغاية والتي طال أمدُها ستشكّل حملاً ثقيلاً على كاهلها، على الرغم من أنها كانت تعرف مسبقاً أنها ستكون القضية الأصعب. 

يبدو وضع الحكومة مستقرّاً في المستقبل القريب، لكن من المثير للاهتمام أن نرى ما إذا كانت هذه الحكومة ستستمرّ. لايزال من المبكر التأكّد من ذلك.  

ما الأهمية التي تتّسم بها هذه الاتهامات؟

ثمة عناصر هامة ثلاثة يجب أن ننظر فيها إذا ما أردنا تقييم أهمية الاتهامات، وهي داخلية وإقليمية وعالمية. مذكّرات التوقيف تصعّب الوضع أكثر في الداخل اللبناني، ولاسيما إذا كانت الأدلة دامغة على أن حزب الله هو المسؤول عن اغتيال الحريري. ففي حال ظهر أن الحزب هو فعلياً وراء الاغتيال، سيكون ذلك تحدّياً من غير اليسير على النظام السياسي استيعابه. 

لكن من الهام أيضاً ألا ننسى أن الانقسامات العميقة في لبنان قائمة منذ سنوات عدة. والحكومة الحالية مؤلّفة من أحزاب سياسية مختلفة اختارت التحالف مع حزب الله، على الرغم من معرفتها أنه قد يكون متورّطاً في عملية الاغتيال. بعبارة أخرى، سبق واتّخذت الأطراف قراراتها إلى حدّ ما.

قد لايغيّر هذا الواقع اللعبة بالكامل، إلا أنه يزيد التشنّج ما بين الطائفتين الشيعية والسنّية في لبنان. وقد تصبح الأدلة قضيةً مفصليةً إذا ما تأزّمت الأمور أكثر. ففي حين لايزال الوضع هادئاً في لبنان اليوم، قد يكون من السهل استغلال نتائج المحكمة بشكل عاطفي أكثر في المستقبل.

كما أننا لانعرف ما إذا كان هؤلاء الأفراد المسؤولين الوحيدين عن عملية الاغتيال، إذ من الممكن أن تصدر اتهامات إضافية بحقّ أفراد في بلدان أخرى. بعض التكهّنات أشارت إلى أن الاتهامات قد تشمل قريباً سوريا، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا. وفي حال تمّ توجيه أصابع الاتهام إلى سوريين، فسيكون ذلك عاملاً هاماً آخر يجب أخذه بعين الاعتبار. فسوريا غارقة أصلاً في أزمة داخلية عميقة، وإذا ما صدرت قرارات اتهامية من قبل محكمة دولية مرتبطة بمجلس الأمن، فسيمارس المجتمع الدولي والقوى الإقليمية مزيداً من الضغوط عليها. 

من الهام أيضاً أن نأخذ بعين الاعتبار التداعيات الدولية المحتملة لهذه الاتهامات. فالعملية هذه قضائية دولية لاتنحصر بلبنان وسوريا فقط. وإذا لم يوقِف لبنان عناصر حزب الله الأربعة، فقد تزيد حدة التوتر مع المجتمع الدولي وتتصاعد وتيرة ردود الفعل تدريجياً. بدأنا نشهد حراكاً في الكونغرس الأميريكي في الأسابيع الأخيرة من أجل وقف المساعدات العسكرية إلى لبنان. وما سيؤول إليه هذا التطوّر الأخير سيؤثّر على هذه الخطوة وخطوات أخرى مماثلة لها.

كيف سيكون ردّ فعل سوريا وإيران، الداعمين الدوليين لحزب الله؟

ستنأى سوريا بنفسها عن تفاصيل القرار الاتهامي. فدمشق تدعم حزب الله والحكومة الحالية دعماً واضحاً، ولذا فهي متواجدة سياسياً في لبنان، لكنها ستحاول أن تبقى بعيدةً قدر المستطاع عن النقاش حول مذكّرات التوقيف. تعتبر سوريا أن المسألة هذه مسألة لبنانية داخلية، وإذا اتُّهِم أي سوريين فسيتم التعامل معهم داخلياً من خلال النظام القضائي السوري. 

أما إيران فستستمر في دعمها حزب الله، إذ لطالما اعتبرت طهران أن المحكمة الخاصة بلبنان هي أداة مسيّسة بالكامل في يد الولايات المتحدة وإسرائيل، تماماً كما يقول حزب الله. وبالتالي، لن يغيّر القرار الاتهامي العلاقة بين الطرفين.

ما الدور الذي ستضطّلع به السعودية؟

أحد الأسباب التي تبرّر الوضع الهادئ في لبنان اليوم هو العلاقات المتحسّنة بين السعودية وسوريا. فالسعودية ممتنّة لسوريا على كيفية تغطيتها الطريقة التي تعاملت بها الرياض مع الاضطرابات في البحرين. كما أنها أبدت تسامحاً ودعماً لسير الأمور في سوريا، وهي ليست متحمّسةً لحدوث ثورة في سوريا لأنها لاتريد أن ترى النهضة العربية تنتشر في أرجاء المنطقة.

وفيما أبدت السعودية استياءها حيال سقوط حكومة الحريري في وقت سابق من هذا العام، أخذت الرياض تتّكل بوضوح على حلفائها في لبنان من أجل عدم تصعيد الأمور مع سوريا عندما بدأت وتيرة الربيع العربي تتسارع. والحال هذه لاتزال على ما هي عليه إلى حدّ ما.

وهذا أحد الأسباب الأساسية لعدم استغلال الاتهامات في الوقت الراهن. لكن ثمة مخاوف مشروعة من أن تُستَخدَم نتائج المحكمة، في ظلّ ظروف سياسية مختلفة، كسلاح قوي إذا ما أراد أحد ذلك، الأمر الذي قد يؤدّي إلى إسقاط الحكومة في نهاية المطاف إذا تحالفت القوى للقيام بخطوات في المستقبل. 

ما الخطوات التي يجب أن يقوم بها المجتمع الدولي؟

الخطوة الأولى هي أن يصرّ المجتمع الدولي على الحكومة اللبنانية من أجل التعاون مع المحكمة. وهذا مايفعله لبنان تحديداً بإصداره مذكّرات التوقيف. لكن إذا لم يوقَف أيّ من المتّهمين، فعندئذ ستصبح الأمور أقلّ وضوحاً، ولن تبقى العملية مجرّد عملية قانونية بل ستدخل في إطار السياسة.

إذا تأكّد أن حزب الله متورّط في الاغتيال، وإذا لم يتمّ العثور على هؤلاء الأفراد أو إلقاء القبض عليهم، فلايمكن أن تتوقّف الأمور عند هذا الحدّ. حزب الله قوة لايستهان بها، وسيكون لابدّ من بذل جهد فعلي بغية العثور على الرجال الأربعة، ومن الضغط على حزب الله وسوريا والحكومة اللبنانية لتحمّل المسؤولية وتسليم المشتبه بهم. كما أنه يقع على عاتق سوريا وحزب الله، اللذين كانا يسيطران على زمام الأمور عندما اغتيل الحريري، أن يقرّا بالمسؤولية العامة، وعندئذ يمكن التباحث مجدداً في الترتيبات السياسية.

من الناحية القضائية، إنها لخطوة إيجابية أن يتمّ تحقيق العدالة في لبنان للمرة الأولى في مايتعلّق باغتيالات سياسية. غير أنه لابد من إيجاد سبيل للتقدّم على المستوى السياسي، فلا أحد يرغب في اندلاع حرب طائفية، ويجب تحمُّل المسؤولية في ما يتعلّق بعمليات الاغتيال التي ارتُكِبَت في العام 2005. سبق للبنان أن خاض حرباً أهليةً، وقد وجد سبيلاً لتخطّيها عندما تمّ الاعتراف بقدر من الذنب المُرتَكَب.  

هذا أحد الأسباب الأساسية لعدم استغلال الاتهامات إلى الآن، لكن ثمة مخاوف مشروعة من أن تُستَخدَم نتائج المحكمة، في ظلّ ظروف سياسية مختلفة، كسلاح قوي إذا ما أراد أحد ذلك، الأمر الذي قد يؤدّي إلى إسقاط الحكومة في نهاية المطاف إذا تحالفت القوى على القيام بخطوات في المستقبل.

هل سيكون للاتهامات أي تأثير على الربيع العربي؟

في حين يرسم العديد من الدول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مستقبلاً جديداً له، لايزال لبنان يواجه عواقب سلسلةٍ من عمليات الاغتيال التي وقعت منذ ستة أعوام. والتباين هذا مثير للاهتمام إذ يبدو أن لبنان لايزال يتخبّط في صراعه الداخلي السابق. 

لكن لاشك في أن المرحلة الراهنة هي مرحلة جديدة في السياسة اللبنانية. فلبنان انتظر القرار الاتهامي منذ سنوات، وهو الآن في مرحلة حيث عليه التعامل مع النتائج التي تمّ التوصّل إليها. لانزال نجهل ماسيكون عليه لبنان في مرحلة ما بعد القرار الاتهامي.