الثورة في تونس انتهت، وكما علمتُ من أحاديث ومقابلات أجريتُها خلال زيارة قمت بها مؤخراً للبلاد، معظم التونسيين يريدون أن تجري الأمور على هذا النحو. فالاحتجاجات أصبحت هامشيةً شيئاً فشيئاً، إذا كان ثمة احتجاجات تجري أصلاً، إذ أن المجموعات الصغيرة التي تحمل لافتات وتردّد شعارات في شارع بورقيبة، الذي كان مسرحاً لتظاهرات الاحتجاج الجماهيرية التي أسقطت الرئيس زين العابدين بن علي، بالكاد تحظى بنظرة خاطفة من المارّة الذين يمضون في حياتهم العادية. 

تمثّل نهاية المرحلة الثورية من التحوّل التونسي تطوراً حتمياً وإيجابياً بشكلٍ عام. فاحتجاجات الشارع يمكن أن تكون أداةً ناجحةً لهدم القديم في البلدان ذات الأنظمة السلطوية، وقد تكون الوسيلة الوحيدة للتغيير السياسي. بيد أن احتجاجات الشارع لايمكن أن تبني مؤسسات جديدة وتطوّر نظاماً ديمقراطياً. في مرحلة ما، يجب أن تفسح الثورة المجال للإصلاح. والسؤال المطروح في تونس الآن هو: هل يمكن أن تكتسب عملية الإصلاح زخماً، أم أن البلاد ستغرق في حالة من الفراغ السياسي، بعد أن تخلّصت من بن علي والطبقة العليا من نظامه، لكنها لاتزال غير قادرة على التحرّك إلى الأمام. 

الجواب على السؤال ليس نتيجةً متوقّعةً سلفاً. فالتوترات والانقسامات بين القوى السياسية التي تبدو واضحة على الفور للزائر قد تعرقل عملية الإصلاح. والهوّة التي تفصل التنظيمات الإسلامية عن بقية التنظيمات هي في لبّ التوتر. ثمّة خوف حقيقي من هيمنة الإسلاميين في تونس، ولاسيما من جانب شريحة من السكان الحضريين الذين اعتادوا منذ فترة طويلة على نمط حياة حرة يمثّل فيها الدين خياراً شخصياً. لكن ثمّة خشية حقيقية أيضاً تبديها المنظمات الإسلامية إزاء شيء يسمّى بصورة غامضة "اليسار"، وهو مصطلح يبدو أنه يشير إلى معظم التنظيمات من يمين الوسط المعتدل إلى اليسار المتطرّف. ومايزيد الطين بلة هو أن كلا الجانبين يبدو مصاباً بالارتياب في تعبيره عن مخاوفه، ويقدّم حججاً تبدو غير منطقية للمراقب الخارجي. 

مشكلة الإسلام 

رَسَمَ كلٌّ من الاحتلال الفرنسي وسياسات الرئيس التونسي الأول الحبيب بورقيبة الذي عاش طويلاً، صورةً لتونس تظهر فيها كبلد علماني غربي في عيون الغرباء وعيون نخبته الحضرية. في الواقع، اعتمدت تونس قانون أحوال شخصية ليبرالياً في خمسينيات القرن الماضي، بعد وقت قصير من الاستقلال. وتعتقد المنظمات النسوية أن هذا القانون يحتاج إلى تحسين (على سبيل المثال، قوانين الميراث لاتزال تميّز ضدّ المرأة)، وأن وضع المرأة أفضل كثيراً في تونس مما هو عليه في أي بلد عربي آخر، وهي مقتنعة بأن الأداء الانتخابي القوي للنهضة، الحزب الإسلامي الرئيس، سيشكّل نكسة. 

لكن صورة تونس كبلد علماني تختلف عن الواقع على الأرض، حتى في المدن. ففي حين أن النقاب نادر للغاية، فإن ارتداء الحجاب موجود في كل مكان (وفقاً للتقديرات غير العلمية لكاتبة هذا التعليق، أكثر من 50 في المئة من النساء يغطّين رؤوسهن، حتى في وسط مدينة تونس)، والعديد من النساء يرتدين الشادور. ليست كل النساء اللاتي يرتدين الحجاب إسلاميات سيتخلّين بسهولة عن الحرية التي يتمتّعن بها ويقبلن تطبيق الشريعة من دون شكوى، لكن من الواضح أن البلاد منقسمة ثقافياً واجتماعياً. وعلى غرار تركيا، كانت تونس علمانية في الماضي فقط لأن ذلك كان خيار النخبة الحاكمة، وليس خيار السكان كلهم. 

لم يكن الانقسام ذي أهمية تُذكَر طالما أن البلاد كانت تُحكَم من أعلى، وأن الانقسامات الاجتماعية لم تُترجَم إلى طعن في السلطة السياسية. حالت سياسة الحزب الواحد التي انتهجها بورقيبة دون أن يصبح الإسلام عاملاً سياسياً، حتى عندما بدأت الصحوة الإسلامية تظهر للعيان في العالم العربي خلال سبعينيات القرن الماضي. بدأت محاولات إطلاق حزب إسلامي في العام 1981، لكنها لم تحرز أي نجاح. وعندما أجريت أول انتخابات متعددة الأحزاب في العام 1989، أي بعد عامين من صعود زين العابدين بن علي إلى السلطة، حاول حزب إسلامي مرة أخرى التسجّل تحت اسم حزب النهضة. وعلى الرغم من رفض الاعتراف به، تمكّن من الفوز بنحو 17 في المئة من الأصوات عن طريق طرح قوائم مرشحين مستقلين. وقد جعلت هذه النتيجة الحزب غير المسجّل يحتلّ المركز الثاني بعد حزب التجمّع الدستوري الديمقراطي الحاكم. ولايمكن للمرء إلا أن يتكهّن بشأن عدد الأصوات التي لربما كان الإسلاميون سيحصلون عليها في انتخابات حرة حقاً، وكحزب سياسي مرخّص له قانوناً. لم تكن القوة الانتخابية الحقيقية لحزب النهضة قد اختُبِرَت قطّ، لأن زين العابدين بن علي لم يخاطر، لكنه حظر التنظيم الإسلامي، وسجن زعماءه أو أجبرهم على الذهاب إلى المنفى. 

مع اندلاع الانتفاضة وإطاحة بن علي، عاد حزب النهضة إلى الظهور كتنظيم قانوني، وعاد زعماؤه من المنفى، وأصبح الإسلام المشكلة السياسية المركزية التي يمكن أن تعرقل العملية الانتقالية. ولأن الحزب حُظِّر لعقدين من الزمن، فمن المستحيل التنبّؤ بقوّته، مايثير خوفاً حقيقياً من المجهول في أوساط العلمانيين التونسيين. ولأن المخاوف كبيرة جداً، لايبدو أن أحداً مهتمّ بإجراء تقييم عقلاني لما يمثّله الحزب، سواء كان حزباً معتدلاً من طراز حزب العدالة والتنمية في المغرب، أو حزب العدالة والتنمية في تركيا، أم تنظيماً متطرّفاً من شأنه إعادة تونس إلى العصور الوسطى. كما أن التنظيمات العلمانية ترفض على الفور التصريحات المعتدلة لزعماء النهضة، على أساس أن حزب النهضة ذو وجهين، إذ لديه خطاب لعامة الناس، وآخر لأتباعه مختلف جداً. 

تتراوح تقديرات قوة الحزب من 20-25 في المئة (التقديرات الأكثر شيوعاً) إلى 40 في المئة، ولم تسمع كاتبة هذا التعليق أي تكهنات بأن حزب االنهضة سيحصل على أغلبية مطلقة من الأصوات. وبغض النظر عمّا إذا كانت التقديرات مرتفعة أو منخفضة، لايبدو أنها تستند إلى أي بيانات محددة. فيبدو أنه حتى الأشخاص الذين يعلنون أنهم على يقين من أن الحزب لن يفوز بأكثر من 20 في المئة من الأصوات، يخشون من أنه سيسيطر بشكل ما على السياسة. 

فما هو حال حزب النهضة اليوم؟ يصرّ قادته على اعتداله ويشيرون إلى كتابات راشد الغنوشي، أحد مؤسّسيه ومنظّريه الكبار، ويؤكّدون على التوافق بين الإسلام والديمقراطية والتعددية ويتبنّون اللاعنف. لقد عاد الغنوشي الآن إلى تونس، بعد نفيه في ظلّ حكم بن علي، ما أثار ذعر خصوم النهضة. والغنوشي لايزال شخصية مثيرةً للجدل إلى أبعد الحدود: يبيّن استطلاع للرأي، أجراه المعهد الجمهوري الدولي في أيار/مايو 2011، أن 44 في المئة من التونسيين يوافقون عليه، وأن 37 في المئة لايوافقون عليه - وهي أعلى نسبة من الموافقة وعدم الموافقة حصل عليها أي سياسي تونسي آخر سأل عنه منظّمو الاستطلاع. 

جميع قادة النهضة، وأوّلهم الأمين العام حمدي الجبالي، يعلنون الالتزام بالديمقراطية في دولة مدنية يتمتّع فيها المواطنون كافة بحقوق متساوية. وإدراكاً منهم للشبهات التي ينظر العلمانيون التونسيون من خلالها إليهم، فإنهم يسعون إلى تشكيل تحالفات انتخابية من أجل خوض الانتخابات وفقاً لبرنامج مشترك مع الأحزاب العلمانية، لكنهم لم يجدوا حتى الآن أي شركاء مستعدّين لذلك. 

يرسم خصوم عن النهضة صورة مختلفة جداً. وهم يزعمون أنه لايمكن الوثوق بشيء يقوله زعماء النهضة أو يكتبونه، لأن التنظيم ليس صادقاً. وهم يجادلون بأن رسالتهم إلى أنصارهم مختلفة تماماً عن موقفهم الرسمي، فهم يقولون، على سبيل المثال، إن قادة الحزب يؤيّدون تعدّد الزوجات علناًويعلنون وجوب منح الوظائف للرجال وليس للنساء. ويبدو دعاة حرية المرأة، ولاسيما العلمانيون منهم، مقتنعين بأن النهضة سيسارع إلى عكس التقدّم في وضع المرأة الذي تم إحرازه خلال نصف قرن مضى. فكما خَبِرَت كاتبة هذه السطور، يتم رفض الإيحاء بأن هناك مدافعين شرسين عن حقوق المرأة في قيادة النهضة، بالحجة المعتادة التي تقول بأن التنظيم ذو وجهين. 

مشكلة اليسار 

الارتياب الذي تبديه الأحزاب العلمانية تجاه النهضة له مايوازيه في موقف النهضة من "اليسار". في الواقع، هذا الخوف من اليسار ينمو، وقد تسبّب في انسحاب النهضة من المجلس الأعلى لتحقيق أهداف الثورة، والإصلاح السياسي، والتحوّل الديمقراطي، ماقَوَّض أكثر إمكانية أن يشكّل النهضة تحالفاً انتخابياً مع أحزاب أخرى. ويضمّ المجلس الأعلى ممثلين من اثني عشر حزباً سياسياً؛ وثماني عشرة منظمة مجتمع مدني، بما فيها النقابات والاتحادات المهنية والمنظمات غير الحكومية في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة؛ و"شخصيات وطنية" يتم اختيارها على أساس معايير غير واضحة، وذلك في مامجموعه 155 شخصاً. تم إنشاء المجلس رسمياً في 5 نيسان/أبريل، حيث وافق على قائمة عضويته رئيس الوزراء الجديد، الباجي قائد السبسي. 

يضطّلع المجلس الآن بدور مركزي في تحديد الخطوات التي ستحقّق الانتقال من الوضع الحالي ذي الترتيبات المؤقّتة والمؤسسات التي أنشئت بعد سقوط نظام الرئيس بن علي، إلى نظام سياسي جديد وشرعي. وقد وضع المجلس القانون الانتخابي، وشكّل لجنة الانتخابات الجديدة، وربما يتّخذ تدابير أخرى قبل إجراءِ الانتخابات ووضعِ المؤسسات الجديدة في مكانها. وعبر الانسحاب من المجلس، وضعت النهضة نفسها على هامش العملية الانتقالية الجارية، وهي قد تخسر سياسياً نتيجةً لذلك. 

وكما أوضح منذر بن عايد، وهو رجل أعمال تونسي مقرّب من النهضة، انسحب الحزب من المجلس الأعلى لسببين رئيسَين. الأول هو أن المجلس ليس مؤسسة شرعية، وبالتالي، عليه أن يؤدّي فقط المهام الضرورية بشكل دقيق للسماح بإجراء الانتخابات. والثاني هو أن "اليسار" يسيطر عليه. ليس ثمة شك في أن المجلس الأعلى ليس مؤسسة شرعية بالمعنى الضيّق للمصطلح لأن تونس لاتزال في حالة مابعد الثورة. ومع حلّ حكومة بن علي والبرلمان، لايوجد في البلاد مسؤولون منتخبون ولامؤسسة قانونية، بل يُعتمَد، عوض ذلك، على ترتيبات انتقالية تنطوي على درجة من الشرعية الثورية على أساس توافق آراء الجماعات السياسية الرئيسة. وتدرك حركة النهضة بأن تشكيل المجلس الأعلى كان ضرورياً، لكنها تعتقد أن عليه فقط تنفيذ مهمّتين: إعادة صياغة قانون الانتخابات وتشكيل لجنة انتخابية مستقلة، وبذلك يمهّد الطريق أمام انتخابات من شأنها استعادة الشرعية من خلال اعتماد دستور جديد.

ماجعل المجلس الأعلى غير شرعي في نظر النهضة هي القرارات التي اتّخذها إلى جانب مجلس الوزراء بتأجيل الانتخابات من تموز/يوليو إلى تشرين الأول/أكتوبر. كان الإعلان عن تأجيل الانتخابات يوم 8 حزيران/يونيو قراراً تقنياً أسفر عن تداعيات سياسية كبيرة. وعلى الرغم من تحديد 24 تموز/يوليو موعداً للانتخابات منذ 25 شباط/فبراير، إلا أن الاستعدادات للانتخابات لم تبدأ، والسبب يعود جزئياً إلى أن لجنة الانتخابات نفسها شُكِّلَت في وقت متأخر. وبحلول أوائل حزيران/يونيو، أصبح واضحاً أنه لايمكن استكمال الاستعدادات للانتخابات في الوقت المناسب قبل الموعد الأصلي لإجرائها، وأن ثمّة حاجة إلى التأجيل. 

وفي حين كان قرار تأجيل الانتخابات مُبرَّراً من الناحية التقنية، لابل حتمياً، إلا أنه لم يكن محايداً من الناحية السياسية. فالنهضة يُعتَبَر الحزبَ السياسي الأكثر تنظيماً، وبالتالي الحزب الذي سيحقّق المكسب الأكبر من مشاركته في انتخابات مبكرة. وحده الحزب الديمقراطي التقدّمي الوسطي، من بين الأحزاب "المدنية"، يعلن استعداده لإجراء الانتخابات في أي وقت. وبالتالي، رأى حزب النهضة في قرار تأجيل الانتخابات خطوة موجّهة ضدّه. علاوة على ذلك، زاد التأجيل من اقتناع النهضة بأنه تشكيل المجلس صبّ عمداً في مصلحة اليسار بسبب وجود العديد من الشخصيات التي تسمّى مستقلة، والتي تم اختيارها لضمان أن يتم رفض حزب النهضة دائماً بغالبية الأصوات. وفي الواقع، يجادل بن عايد بأن بعض المسؤولين في النهضة قلقون من أن اليسار يمكن أن يستفيد من موقعه المُهيمِن في المجلس الأعلى كي يؤجّل الانتخابات إلى أَجَل غير مسمّى، خشية أن تأتي النتائج لصالح النهضة. 

وفي حين يبدو أن لا أساس للقلق من تأجيل الانتخابات إلى أَجَل غير مسمّى، مامِن شكّ في أن أصواتاً كثيرة تدعو الآن إلى تأجيل الانتخابات حتى يتم سنّ دستور جديد. وتدعو الخطة الحالية إلى انتخابات في تشرين الأول/أكتوبر لجمعية تأسيسية مهمّتها صياغة الدستور الجديد، فيما يرى المتخوّفون من هيمنة النهضة أن هذه العملية تفتح الباب أمام وضع دستور إسلامي.

المجلس الأعلى: نظرة من خارجه

بالكاد يبدو المجلس الأعلى، المعروف أيضاً باسم لجنة بن عاشور تيمّناً برئيسه، مؤسسةً يسيطر عليها "اليسار" بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، فكيف بالأحرى اليسار المتطرّف. وفي الواقع، تم تشكيل المجلس الأعلى كترياق وردٍّ على لجنة شُكِّلت في نهاية كانون الثاني/يناير من قبل منظمات أرادت دفع العملية الانتقالية التونسية في اتّجاه أكثر راديكالية. في ذلك الوقت، كانت الحكومة كلها تقريباً لاتزال في أيدي مسؤولين من النظام القديم، حيث أصبح رئيس البرلمان السابق فؤاد المبزع رئيساً، وبقي محمد الغنوشي رئيساً للوزراء. 

ضمّت اللجنة، التي شُكِّلَت في كانون الثاني/يناير، الاتحاد التونسي العام للشغل، وهو نقابة العمال الرسمية التي تسيطر عليها الحكومة، والتي كانت تحاول إعادة صياغة نفسها باعتبارها مؤيّدة للثورة؛ ونقابة المحامين؛ والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي منظمة لحقوق الإنسان تشتهر باستقلاليتها؛ وجبهة 14 يناير (التي ضمّت أحزاب اليسار المتطرّف). طالبت اللجنة بالإشراف على الإجراءات كافة التي اتّخذتها الحكومة، بما في ذلك الحقّ في الموافقة على المراسيم التي كانت تصدرها الحكومة في غياب البرلمان، وكذلك فحص جميع تعيينات الوزارء والسفراء وغيرها من التعيينات رفيعة المستوى. والردّ الإيجابي على هذه المطالب كان ليضع كل السلطة في يد لجنة عيّنت نفسَها بنفسها، ولايمكنها الزعم بأنها تمثّل البلاد. 

كانت لدى رئيس الوزراء محمد الغنوشي فكرة مختلفة جداً عن كيفية سير العملية الانتقالية، وهذا ما اعترضت عليه لجنة حماية الثورة. وبعد إطاحة الرئيس بن علي مباشرة، شكّل الغنوشي لجنةً من الخبراء، تحت إشرافه، لإعداد المرحلة الانتقالية. وإذا كانت لجنة حماية الثورة قد مثّلت اليسار، فإن اللجنة التي شكّلها الغنوشي مثّلت المؤسسة الليبرالية، المكوّنة من مجموعة من المحامين والأساتذة من ذوي التعليم العالي الذين آمنوا بعملية انتقالية مراقبة بعناية من شأنها أن تضع في الوقت نفسه حدّاً لحالة عدم اليقين الخطيرة التي أوجدتها الانتفاضة، وتنتقل بتونس إلى ديمقراطية ليبرالية. 

لم ينجح الغنوشي في التوفيق بين رؤيته للعملية الانتقالية وبين رؤية المتظاهرين، فاضطر في نهاية المطاف إلى الاستقالة. فَهِمَ السبسي، الذي خلفه في 27 شباط/فبراير، الاستحالة السياسية لحدوث عملية انتقالية يسيطر عليها عدد قليل من الخبراء، إلا أنه لم يرغب في أن يذعن إلى مطالب لجنة حماية الثورة غير التمثيلية هي الأخرى. وتمثَّل الحلُّ الوسط في تشكيل المجلس الأعلى لتحقيق أهداف الثورة، والإصلاحات السياسية، والتحوّل الديمقراطي، الذي وسّع المشاركة في تحديد العملية الانتقالية ولكن خفّف أيضاً المطالب التي وضعتها اللجنة الأولى للدفاع عن الثورة. 

وبالتالي، تصوير المجلس الأعلى بوصفه خاضعاً إلى هيمنة اليمين، كما فعل حزب النهضة، غير دقيق للغاية. في الوقت نفسه، يمكن فهمُ الإحباط الذي يشعر به حزب النهضة. فعلى غرار كل الأحزاب الأخرى، لديه ثلاثة مقاعد في المجلس، وعلى الرغم من وجود بعض الإسلاميين الآخرين في المجلس، لاشكّ في أن العناصر العلمانية تُهَيمِن عليه. 

المضي قدماً 

معظم العوامل التي ستؤثّر على نتائج العملية الانتقالية في تونس إيجابية إلى حدٍّ ما. فتونس لاتعاني من انقسامات طائفية أو عرقية كبيرة، وهي بلد صغير، الأمر الذي يساعد في الحدّ من تعقيد المشاكل نوعاً ما. وعلى الرغم من مشكلة البطالة الخطيرة فيها، ولاسيما في المناطق الداخلية، إلا أنها لاتعاني من فقر مدقع. وسكان تونس يتمتّعون بتعليم عالٍ مقبول، ودخل الفرد في البلاد يبلغ حوالى 3700 دولار أميركي. والأهم من ذلك أن اقتصادها ينمو، على الرغم من أن الفساد مستشرٍ والتفاوت في الدخل يمثّل مشكلة متنامية. وفي حين لايشكّل أيٌّ من هذه العوامل الإيجابية ضمانةً بأنّ البلاد ستشهد تحوّلاً ديمقراطياً، إلا أنه يشير إلى أن لدى تونس فرصة لتجنّب فترة مديدة من الأزمات. 

هذا إلا إذا أدّى التوتر الواضح بين الإسلاميين والمنظمات الأخرى إلى عرقلة هذه العملية. وفي هذا الصدد، دخلت تونس في مرحلة خطيرة ستستمر، حتى في أفضل السيناريوهات، إلى أن تُجرى الانتخابات ويصبح توازن القوى في البلد أكثر وضوحاً. عند تلك النقطة فقط يمكن لتونس أن تخرج من المرحلة الثورية الحالية، حيث تشكّل السلطة محور الاهتمام الرئيس القوى السياسية كافة، وتدخل فترة من الإصلاح عندما تستطيع الجهات السياسية الفاعلة إعادة التركيز على معالجة مشاكل البلاد. 

لهذا السبب، من الهام إجراء الانتخابات في موعدها الذي تم تحديده الآن في 23 تشرين الأول/أكتوبر. ويمكن للمنظمات الدولية المساهمة في ذلك من خلال دعم لجنة الانتخابات ومساعدتها على وضع سلسلة من المواعيد النهائية، لضمان بقاء الاستعدادات صحيحة واستكمالها في الوقت المحدد. ويمكنها أن تساعد أيضاً من خلال عدم محاولة الإفراط في فرض معايير ملحّة للممارسات الانتخابية الجيدة على البلاد، مايوفّر الذرائع لتأجيل آخر. فاحترام الموعد النهائي سيضمن شرعية الانتخابات أفضل من عملية لاتشوبها شائبة. 

وبغية عقد الانتخابات في موعدها، على جميع الأحزاب أن تتقبّل أن الديمقراطية غير مضمونة، وتكفّ عن محاولة الحصول على ضمانات مُسبَقة بأن تتم تلبية شواغلها الرئيسة. إن اعتماد "ميثاق جمهوري" يؤيد المبادئ الديمقراطية الأساسية التي تعهّدت جميع الأحزاب بالالتزام بها هو خطوة إيجابية، على الرغم من أن الاتفاق غير قابل للتنفيذ إذا فاز أي حزب بأغلبية ساحقة. 

لكن الخطير، في المقابل، هي المحاولات التي تقوم بها بعض الجماعات لتسوية القضايا الهامة قبل إجراء الانتخابات. البعض، وإن كانوا أقليةً حتى الآن، يشكّكون في العملية الانتقالية، خصوصاً انتخابات جمعية تأسيسية، خوفاً من أن يسيطر عليها حزب النهضة. فيدعون، بدلاً من ذلك، إلى صياغة الدستور (ليس واضحاً من قِبَل مَن) قبل إجراء أي انتخابات. وأصدرت مجموعة من الشخصيات "المستقلة" (في الواقع الكثير منها مقرّبة من النهضة) مطالبها في 10 تموز/يوليو، وهي مطالب تميل إلى الاتجاه المعاكس. ولم تَدْعُ المجموعة إلى عدم تأجيل انتخابات الجمعية التأسيسية مرة أخرى وحسب، بل أيضاً إلى وضع جدول زمني يتعيّن اعتماده لإجراء الانتخابات البرلمانية والتشريعية في إطار الدستور الجديد قبل 25 تموز/يوليو 2012. وهذا الأمر يعني في الواقع أن تونس ستضطر إلى تبنّي دستور جديد في غضون أشهر، ما لايترك وقتاً للمناقشة والتوصّل إلى توافق حول القضايا الأساسية. من دون ذلك، لن يستمر الدستور أو سيتم تجاهله. 

ومع ذلك، تتمثّل المشكلة الأكبر في الشكّ المتبادل الذي يدفع بحزب النهضة إلى الشعور بالارتياب حيال اليسار، وبالمنظمات العلمانية إلى الشعور بالارتياب حيال النهضة. التغلّب على حالة انعدام الثقة هذه لايمكن أن يتحقّق عن طريق الكلام، بل عن طريق إجراء انتخابات كي تنتقل البلاد من التكهّنات التي لاتنتهي عن القوة النسبية للمؤسسات السياسية، إلى مهمّة الحكم وتنفيذ عملية إصلاح حقيقية. تونس في حاجة إلى الانتقال من الثورة بكل شكوكها ومخاوفها إلى الإصلاح طويل الأمد، وإلا فستواجه حقبة جديدة من عدم الاستقرار بغضّ النظر عن الأحزاب الموجودة في الحكومة.