إذ يواجه ائتلاف دولة القانون وائتلاف العراقية طريقًا مسدودًا ما زال يشلّ الحكومة المركزية العراقية، يوجّه رئيس الوزراء نوري المالكي أنظاره إلى المحافظات لترجيح كفة الميزان السياسي لمصلحته. 

في جنوب العراق، يحاول المالكي أن يحصّن قاعدته الشعبية من ازدياد شعبية التيار الصدري. وفي معقل ائتلاف العراقية شمالاً في الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى، ينظم رئيس الوزراء حملةً طموحة لإحكام قبضته على العراق. وإذ يحاول كسر الحلقة التي تربط ما بين قادة المحافظات وائتلاف العراقية – وهو خصمه البرلماني الأول – يسعى المالكي إلى ربط المحافظات ببغداد. 

لقد أدت الاحتجاجات الشعبية وتدهور الوضع الأمني في تلك المحافظات حتى الآن إلى تقويض مصداقية الزعماء السياسيين المحليين، الذين دخلوا السلطة بعد انتخابات مجالس المحافظات في العام 2009.  ولقد واجه المحتجون مرارًا وتكرارًا المحافظين ونواب المحافظين ورؤساء المجالس في المحافظات الشمالية الأربعة مطالبين بتحسين الخدمات. ولقد أثارت الاعتداءات الأخيرة التي استهدفت مكاتب المحافظات في صلاح الدين وديالى الشك في كفاءة مسؤولي الشرطة والأمن المحلي.  

فللحكومة المركزية بقيادة المالكي الفرصة اليوم للاضطلاع بدورٍ أكبر في في شؤون المحافظات.

في نينوى، لقد استغل مبعوثو الحكومة المركزية موجة السخط الشعبي للمطالبة باستقالة السلطات المحلية. ولقد قدّمت قيادة عمليات نينوى بقيادة الجيش دعمها علنًا إلى الاحتجاجات ضد المحافظ الحالي آثيل النجيفي.  

وفي ديالى، تهدد قيادة العمليات المدعومة من الحكومة بأن تحلّ مكان الشرطة المحلية في تولي الملفات الأمنية. وفي صلاح الدين، أحيلت التحقيقات بشأن الاعتداءات الأخيرة من المحافظة إلى بغداد. في بعض الحالات أيضًا، فرضت قيادة العمليات حظر التجول، وطالت سلسلة من الاعتقالات بعض أعضاء مجالس المحافظات والقضاة وزعماء العشائر والقادة الدينيين. 

تزعزعت المؤسسة السياسية في المحافظات كافةً، وإن بمستويات مختلفة. فالتحالفات التي نُسجت في الدورة الانتخابية الأخيرة بين القوى السياسية وزعماء العشائر تتشتت اليوم وتتخذ أشكالاً أخرى. على سبيل المثال، لقد انقسمت قائمة الهدبة التي حصدت أغلبية الأصوات في محافظة نينوى في العام 2009 إلى فصيلتين متخاصمتين. ويطالب اليوم زعيم عشائر الشمر وأحد مناصري المالكي فواز الجربا باستقالة النجيفي فيما ما زال أعضاء عشائر الجبور يقدمون دعمهم له. 

استفزّ تدخل الحكومة هذا بعض الزعماء المحليين الذين ذهبوا حتى للمطالبة بأن تكون كل من المناطق مستقلّة ذاتيًا. لكن نظرًا إلى الافتقار إلى التمويل وتزايد التحديات الأمنية، قد تجد سلطات المحافظات أن الخيار الوحيد المتاح أمامها هو التفاوض مباشرةً مع المالكي، ما يتطلب التنازل عن نفوذها لصالح الحكومة المركزية. 

قد تعتمد سلطات المحافظات أكثر فأكثر على العاصمة بغداد لإعادة بناء مصداقيتها أمام ناخبيها من خلال تحسين الخدمات والأمن. في الحمدانية في محافظة نينوى، على سبيل المثال، ما زالت مشاريع البناء تنتظر الحصول على التمويل الفدرالي، إذ أن المحافظة لم تحصل بعد على استقلالها الذاتي المالي على الرغم من الأحكام التي نص عليها قانون سلطات المحافظات للعام 2009. في محافظة ديالى، كان الاعتداء على مبنى مجلس المحافظة متوقعًا لكن المساعي للحؤول دون وقوعه لم تنجح على الأرجح بسبب الافتقار إلى التعاون ما بين الجيش وقوات الشرطة المحلية.

ولقد أدّت الاضطرابات الأخيرة إلى عزل القادة المحليين من ائتلاف العراقية، ما أظهر هشاشته كتجمع للقادة السياسيين وليس ائتلافًا متماسكًا. ولقد دفع ازدياد عدم الاستقرار في الشمال إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بتحسين إدارة الأمن وإلى قيام نائب الرئيس طارق الهاشمي بزيارات رسمية إلى صلاح الدين. وتبدو علامات الوهن على الائتلاف في بغداد أيضًا حيث فشل في تحقيق أي مكاسب في المفاوضات الحكومية الأخيرة ويكافح للتمسك بنوابه، إذ أن البعض منهم قد انشق لينضم إلى فصيلة "العراقية البيضاء".

ويشكك اليوم القادة المحليون بقدرة ائتلاف العراقية على تمثيلهم وحماية مصالحهم والدفاع عن شرعيتهم في البرلمان الوطني، فكان الالتفاف على العراقية كاملاً. ولقد سبق أن عقد زعماء محافظة الأنبار محادثات مباشرة مع المالكي بشأن انسحاب الجيش من الرمادي على سبيل المثال. 

إذا ما فشلت العراقية في إعادة بسط سلطتها في المحافظات وفي البرلمان الوطني، كثيرة هي الأمور على المحكّ. إذا ما نجح المالكي في تفكيك العراقية على مستوى المحافظات، لن تميل كفة الميزان السياسي لمصلحته فحسب لكن الأهم أن الآثار قد تظهر على هيكلية العراق الفدرالية، إذ تقوم علاقة تبعية وثيقة ما بين هذه المحافظات وبغداد.

في الأشهر القادمة، قد يشهد اصطفاف السلطات السياسية والأمنية في المحافظات إعادة تشكيل وفق الشروط التي تمليها بغداد. إذا ما قبلت بهذه الشروط، من المرجح أن يتلقى زعماء المحافظات المزيد من التمويل لخدمات هم بأمس الحاجة إليها وقد تتلقى الشرطة دعمًا من الجيش للحفاظ على الأمن. إلا أن لهذه التغييرات ثمنًا تدفعه المحافظات من خلال التخلي عن جزء من استقلالها الذاتي واعتمادها أكثر فأكثر على بغداد. 

من جهةٍ أخرى، إذا ما لم تتوصل المحافظات إلى اتفاق مع رئيس الوزراء، قد تجد السلطات المحلية نفسها في مأزق نتيجة الافتقار إلى التمويل والتأخير في الحصول على موافقة الحكومة الفدرالية على مشاريع البنى التحتية والصناعة وتزايد الانتهاكات الأمنية نتيجة ضعف التعاون ما بين الجيش والشرطة المحلية.

تكشف التطورات الأخيرة عن سعي العراق إلى التوصل إلى صيغة قد تعزز سلطة الحكومة المركزية ولا ترعى التسلط، وتمكّن المحافظات ولا ترعى النزعة الانفصالية. وبعد أن بات انسحاب القوات الأميركية وشيكًا، من المرجح أن يسلك العراق الدرب الأقصر نحو الاستقرار الذي يصب في مصلحة نوري المالكي.