هناك عدد من الانطباعات السائدة حول طبيعة القطاع الخاص في الدول العربية وتركيبته، وبات التعامل مع هذه الانطباعات أكثر أهمية من خلال فترات التحول السياسي والاقتصادي الذي تمر به الدول العربية والدور المنتظر من قبل القطاع الخاص خلال الفترات الانتقالية الحرجة.

ويمكن تلخيص الانطباعات، بغض النظر عن صحتها من عدمها، في عدد من النقاط، أبرزها أن القطاع الخاص، أو بوصف آخر، «رأس المال» العربي، جبان ولا يعنيه سوى جني الأرباح السريعة، وهو بذلك غير معني بتنويع الاقتصاد وإيجاد فرص عمل إنتاجية، أو مهتم بما يُعرف بالمسؤولية الاجتماعية للشركات.

كذاك يضمن القطاع الخاص مصالحه من خلال علاقات غير رسمية مع الأجهزة البيروقراطية الحاكمة في الدول العربية، لذلك يكون القطاع الخاص غير ظاهر للعلن، ويكون كثير من الصفقات والأرباح التي يحققها ثماراً لتحالفات غير شرعية أتاحتها علاقات ملتبسة بين القطاعين وسادت لفترات طويلة في الظل.

كانت تلك العلاقات جزءاً من عقد غير مكتوب بين البيروقراطية الفاسدة وبين رجال أعمال لا يقلون فساداً، وقاد هذا إلى تركيبة في الأسواق تضمن وجود عدد محدود من المنتجين القادرين على استغلال الأسواق وفرض هوامش ربحية مرتفعة. ويعزز هذا الانطباع ارتفاع نسبة الأرباح من مجمل الدخل في العديد من الدول العربية خلال العقد الأخير، ما يعني أن المسألة تتعدى الانطباعات إلى عدد من الحقائق التي تظهرها بيانات دول مثل مصر والأردن وتونس. كذلك فإن مساهمة القطاعات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصادات محدودة بسبب عدم قدرتها على منافسة الكبار.

وتقود الصفات أعلاه إلى أن القطاع الخاص العربي معني بالتحرير الاقتصادي وليس السياسي، إذ تعني الديموقراطية والشفافية زوال المكاسب التي يتحصن بها هذا القطاع، ويجعل مزيد من الانفتاح السياسي عمل «الرأسمالية الزبائنية» صعباً، لذلك بُنيت التحالفات بين شريحة واسعة من رجال الأعمال والمؤسسات الأمنية بحجة الحفاظ على الاستقرار وتحقيق النمو الاقتصادي، قبل البدء بعملية التحرير السياسي.

وما تغيّر في المنطقة العربية هو أن هذا النمط من العلاقات لم يعد ممكناً، فنتائجه تجلت في مصر وتونس، وتمتد لتظهر آثار فشل هذا النموذج من العلاقات في المغرب والأردن من بين دول المنطقة، لذلك بات من المهم البحث عن صيغة جديدة لهذه العلاقة.

وقبل طرح الصيغة الجديدة التي من شأنها تبديد الانطباعات، يجب التنبيه إلى ضرورة التمييز بين الأنواع المختلفة للقطاع الخاص، فهناك قطاع خاص مستقل استثمر وجاهد ولم يراكم ثروته من خلال علاقته غير الشرعية بالحكومات الفاسدة، والحقيقة أن هذا الجزء من القطاع الخاص، أي المستقل والمغامر بكل ما تعني الكلمة هو الذي يُتوقع أن يقود عملية التنمية خلال المرحلة المقبلة.

وتخطئ الدول ومنظمات المجتمع المدني إذا استمرت في تعميم الانطباعات المذكورة أعلاه على كافة قيادات القطاع الخاص أو رأس المال الخاص العربي، فمن سينفذ الاستثمارات الجديدة ليس الحكومات، على رغم أن هناك مطالب شعبوية تذهب في هذا الاتجاه، إلا أن هذا يجب ألا ينسينا النتائج السلبية لتجارب الحكومات عندما كانت تعمل في قطاع الأعمال، وما هو حاصل الآن في العديد من الدول العربية، وأبرزها مصر، هو حملة لـ «أبلسة القطاع الخاص» بمجمله، وهذا خطأ، فالحاجة إلى رسائل طمأنة لا تعني التهاون في محاربة الفساد.

ومما لا شك فيه أن تجارب عقدين من الزمان في ما عُرف بالإصلاح الاقتصادي لا تخدم التوجه الأخير، فعمليات تخصيص مؤسسات القطاع العام جاءت كارثية، وعمقت من فجوات الدخل ونقلت الاحتكارات العامة إلى الخاصة، وهي تُعتبر السبب الرئيس للانطباعات السلبية التي أوردنا بعضها.

وللانتقال إلى مرحلة جديدة هناك عدد من الأدوار التي يجب العمل عليها، أولها أن على القطاع الخاص أن يعزز شبكة العلاقات الرسمية مع الحكومات وأن يلجأ إلى العلنية في تنظيم علاقاته من خلال مؤسساته الرسمية، وللدفاع عن مصالحه في شكل واضح. ويمكن للقطاع الخاص تأسيس أحزاب سياسية تعبّر بوضوح عن همومه ومشكلاته التي ينبغي للحكومات التعامل معها، كذلك يجب عليه إظهار التزامه بمسؤوليته الاجتماعية على غرار ما يحدث في الدول المتقدمة التي باتت تولي هذا الموضوع أهمية قصوى.

ولا يضر القطاع الخاص فتح ملفات حساسة مثل الضريبة والتفاوت في المداخيل والحوافز المالية للمديرين والمبادئ التي تحكم عمله، فالوضع السياسي الجديد في المنطقة العربية يحتمل النقاش، لكنه لا يحتمل التأجيل كثيراً.

أما الحكومات ووسائل الإعلام المحلية في الدول العربية، فعليها تجنب التعميم في الانطباعات السائدة وطرح حلول عملية لكيفية رسم الحدود بين قطاع خاص فاعل ومنتج ويحقق الربح وبين مصالح المجتمع وأعبائه التي لم تعد الدول وحدها قادرة على الوفاء بها. كل هذا يشكل معالم عقد جديد بين قطاع خاص مستقل وحكومات تنفذ دورها الرقابي ولا تعيق الاستثمار وتضع العراقيل لإفادة مجموعة قليلة من البيروقراطيين الذين احتكروا القرارات الاقتصادية من دون شرعية حقيقية لفترات طويلة، وكانوا جزءاً من منظومة الفساد باسم الدفاع عن المصلحة العامة. وهذا تحد لن يكون سهلاً، فالبيروقراطية تمتاز بالتنظيم وتعرف تماماً كيف يمكن أن تتضرر مصالحها ما يعني أن الإصلاح في هذه الحال لن يأتي إلا من الأعلى.