يبدو أن جميع القوى السياسية في مصر متّفقة على ضرورة جعل المؤسسة الدينية الرئيسة في البلاد، أي الأزهر، أكثر استقلالاً عن النظام. لكن هذا الاتفاق مضلّل جداً، فهو يخفي صراعاً داخل الأزهر وبين القوى السياسية الرئيسة على دوره في المجتمع المصري. فالأزهر الذي هو في جزء منه مسجد وجامعة ومركز للبحوث الدينية والمعرفة، قد يكون العنصر الرئيس - وبالتأكيد الأهمّ - في مجمّع الدولة والدين في مصر.

تمتلك مصر أجهزة بيروقراطية كبيرة جداً تشابك بين الدين والدولة. لا أحد في مصر يجادل للفصل بين الدين والدولة، والخلاف هو حول الشروط والوسائل التي سوف يتفاعلان من خلالها. الجميع في الأزهر يريد له أن يصبح أكثر موثوقية واحتراماً، ومستقلاً بذاته، لكن ثمّة خلافات حادة حول كيفية تحقيق ذلك ومدى نطاق نفوذه. وثمة مناقشة مماثلة خارج أسوار الأزهر، حيث يتم التعبير على نطاق واسع عن الدعوة إلى جعل المؤسسة أكثر استقلالاً، ولكن لأسباب مختلفة جداً.

النتيجة الأكثر ترجيحاً لهذا الصراع ما بعد الثورة هي وجود دولة متأثّرة بالدين، ولكنها ليست دولة دينية على النمط الإيراني. وتؤدّي الرؤى المتباينة لما يعنيه ذلك إلى معركة سياسية، لا يتم خوضها على مستوى الجدال الفلسفي المجرّد، بل على الخلفية المسهبة جداً للصياغة القانونية. وقد بدأت هذه العملية بالفعل، وستُطرَح بقوة على أجندة البرلمان الجديد.