منذ آذار/مارس يتظاهر أكراد سوريا في شوارع المدن الشمالية، في القامشلي والعامودة ورأس العين وعين العرب، ملوّحين بالعلَمَين السوري والكردي ومُنادين بكلمة "حرية" باللغتين الكردية والعربية. إنهم يطالبون بإسقاط النظام السوري وإعطاء الأكراد حقوقهم الوطنية. مع ذلك، لم تجد الأحزاب السورية الكردية موقعها بعد في هذه الثورة. الامتيازات المتزايدة التي يعرضها النظام السوري تغريها، بيد أنها تأمل أن يكون لها صوت في اجتماعات المعارضة السورية في تركيا، فيما يعيق حركتها ولاؤها لأحزاب كردية أخرى في المنطقة.

عندما بدأت الاحتجاجات تزداد زخماً، لم تشارك معظم الأحزاب الكردية في التظاهرات. الأمر نفسه حدث في العام 2004 حينما اختار الحزب الديمقراطي التقدّمي الكردي والحزب الديمقراطي الكردي في سوريا المسار الذي طرحته دمشق والمساومةَ مع النظام، عوضاً عن دعم آلاف المتظاهرين في القامشلي. أما هذا العام، فحين انطلقت التظاهرات في القامشلي وامتدّت إلى محافظة الحسكة المأهولة بالأكراد في شرق سوريا، ندّد الحزبان بالردّ العنيف لقوات الأمن السورية وبرّرا التظاهرات من دون دعوة أعضائهما إلى المشاركة فيها. وقد ذهب حزب الاتحاد الديمقراطي بدوره إلى حدِّ إثناء ناشطيه عن النزول إلى الشارع في منطقة عفرين الشرقية في محافظة حلب. في المقابل، أعرب حزبا آزادي ويكيتي عن دعمهما للتظاهرات، إلا أن تيار المستقبل الكردي كان الوحيد الذي دعا صراحةً إلى إسقاط النظام. واغتيالُ زعيمه مشعل التمو مؤخّراً إنما يعكس طبيعة هذه الصراعات  داخل الساحة السياسية السورية الكردية. 

أحزاب مترددة ومنقسمة

تُعرَف الأحزاب الكردية في سوريا على أنها المعارَضة الأكثر تنظيماً في وجه النظام. وعلى الرغم من ذلك لا يزال تجذُّرها في نسيج مجتمعها ضعيفاً. فتَراها منقسمةً حول الترويج للأجندة السورية الكردية أو اتّباع أوامر زعمائها في الخارج. بعض هذه الأحزاب يعمل داخل سوريا كتابِعٍ لأحزاب كردية أخرى في المنطقة. مثال على ذلك الحزبُ الديمقراطي التقدّمي الكردي والحزب الديمقراطي الكردي اللذان يتبعان مباشرةً حزبَي مسعود البرزاني وجلال طلباني في كردستان العراق، وحزبُ الاتحاد الديمقراطي الذي يُعتَبَر الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا. وقد تنقّلت معظم الأحزاب السورية الكردية، في الأشهر الماضية، بشكل متواصل ما بين النظام والمعارضة في موقف يقوم على التريّث وتحيّن العرض الذي يناسبها أكثر. وعوض أن تعبّر هذه الأحزاب عن مطالب المتظاهرين ومصالحهم، تكاد تصبح أدوات في يد الأجندات المحلية والخارجية.

لقد جرت محاولة في آذار/مارس للانضواء تحت لواء الحركة الوطنية الكردية في سوريا، التي تضمّ الأحزاب الـ11 جميعها، إلا أن المحاولة باءت بالفشل. فانخرطت أحزاب الديمقراطي التقدمي الكردي، والديمقراطي الكردي، والاتحاد الديمقراطي، في محادثات مع دمشق ثم دخلت في مفاوضات مع المعارضة عبر الاتحاد الوطني للتغيير الديمقراطي. ورفضت أحزاب آزادي ويكيتي وتيار المستقبل الكردي المشاركة في المحادثات مع دمشق، فيما كان تيار المستقبل الوحيد من بينها الذي انضمّ إلى المفاوضات مع المعارضة في مؤتمر الإنقاذ الوطني الذي عُقِد في اسطنبول في تموز/يوليو. أما مطالب الأحزاب فتبدّلت بتبدّل مواقفها: في حين طالب بعضها بالحقوق الثقافية للأكراد والاعتراف بهم كأمة ضمن سوريا موحّدة، اقترح بعضها الآخر إنشاء إدارة ذاتية، أو حكم ذاتي في أقصى الحالات.

النظام السوري قادر على أن يحدث انشقاقاً أكبر في صفوف الأحزاب الكردية السياسية لصون حكمه. ففي الأشهر الأخيرة، عرض مزيداً ومزيداً من الامتيازات لتهدئة المتظاهرين واستمالة أحزاب الديمقراطي التقدمي الكردي، والديمقراطي الكردي، والاتحاد الديمقراطي، دافعاً بها إلى التنافس مع أحزاب أقرب إلى المعارضة. وهكذا، وللمرة الأولى منذ العام 1972، حصل أكثر من 50 ألف كردي على الجنسية السورية، ما أتاح لهم الوصول إلى الوظائف الحكومية، والاستفادة من إعانات الدولة، والتمتّع بحقّ تسجيل أملاكهم. وبفضل مرسوم يسهّل عملية تسجيل الأراضي في المناطق الحدودية ومحافظة الحسكة، تشهد هذه المناطق اليوم فورة عمرانية. ومن المرجح أن يتزايد التجنيس، كما قد تُقدَّم امتيازات إضافية مرتبطة بمشاريع البنية التحتية والمشاريع الزراعية الملحّة. وإذا ما تزايدت التظاهرات، فلن يتوانى النظام عن استخدام الأحزاب الأقرب إليه للقضاء على تلك التي عارضته جهاراً. 

تركيا وأكراد سوريا

قد يطال الأحزاب التركية مزيد من الانقسام بسبب رغبة تركيا في حلّ مشاكلها المحلية العالقة مع حزب العمال الكردستاني عن طريق دعم الأحزاب الكردية التي هي على استعداد للاندماح في النظام السياسي لدُوَلِها.

وبغض النظر عما ستؤول إليه الثورة السورية، تسعى تركيا إلى إحكام سيطرتها على مطالب الأحزاب الأقرب إلى المعارضة السورية وتلك الأقرب إلى دمشق على السواء، وإلى الحفاظ على المحاوِرين الأكراد الذين يعارضون النزاع المسلّح، وتقويض إمكانية أن يصبح حزب الاتحاد الديمقراطي الحزب الأول لأكراد سوريا. 

وباستضافتها اجتماعات المعارضة السورية على أرضها، تضمن تركيا  أنّ  الأكراد المطالبين بالاعتراف الوطني المقتصر حصرياً على "الاعتراف بالحقوق الثقافية" داخل الأراضي السورية، هم فقط مَن سيجلسون إلى طاولة المفاوضات في اسطنبول. ففي مؤتمر الإنقاذ الوطني، كانت جماعة الإخوان المسلمين، وهي حليف تركيا في المعارضة، قد عارضت مطالب تيار المستقبل الكردي بألا تُعرَّف سوريا بعد الآن على أنها جمهورية عربية وجزء لا يتجزّأ من الأمة العربية.

في حال بقيت السلطة في يد النظام السوري، يمكن لتركيا أن تعتمد على حكومة إقليم كردستان العراق لدعم الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي والحزب الديمقراطي الكردي ضد حزب الاتحاد الديمقراطي كمحاوِر للنظام، والتأثير على مطالبهما في عملية التفاوض. فمع أن قادة هذه الحكومة ندّدوا بالقصف التركي على حدود الإقليم، إلا أنهم حثّوا حزب العمال الكردستاني مراراً وتكراراً على إلقاء سلاحه، وأشادوا بحزب السلام والديمقراطية الموالي للأكراد الذي وضع مؤخّراً حدّاً لمقاطعته البرلمان التركي. من مصلحة المنطقة الكردية العراقية أن تنظّف حدودها من مقاتلي حزب العمال الكردستاني، كي تحمي كلاً من وجودها ضمن النظام الحدودي القائم وشراكتها الاقتصادية مع تركيا. 

في غضون ذلك، يستطيع حزب العمال الكردستاني، الذي يتعرّض مؤخراً إلى القصف التركي والإيراني في جبال قنديل العراقية، أن يشجّع حزب الاتحاد الديمقراطي على عقد اتفاق مع أي جهة قادرة على منحه مجالاً للتحرّك في سوريا. أما إذا اتّخذت تركيا أشدّ موقف ممكن للدفع باتجاه سقوط النظام، وانتقلت الأحزاب الكردية للانضمام إلى المعارضة، فلن تتردّد سوريا في دعم حزب العمال الكردستاني في توطيد قاعدته ضمن أراضيها ضدّ تركيا وعلى حساب الأحزاب الكردية الأخرى. ويبدو أن تحالفاً مع النظام هو في طور الإبرام، إذ أن حزب الاتحاد الديمقراطي يساعد في قمع التظاهرات. وهذه الخطوة قد تكون الأولى على طريق ترسيخ الحزب كالقوة السياسية الوحيدة هناك، والتهيّؤ لبناء قاعدة استراتيجية في عفرين الواقعة على الحدود السورية الغربية مع تركيا.

هل الأحزاب قادرة على التوحّد؟

عقب اغتيال مشعل التمو، شهدت القامشلي أكبر تظاهراتها منذ آذار/مارس. الشباب الكردي السوري يتوحّد وينادي بكلمة "حرية" بالكردية والعربية من دون أن يجد تناقضاً في ذلك، فمعنى الكلمة واحد في اللغات كلها وبغض النظر عن الهوية الإثنية. 

وإزاء الانشقاقات المتواصلة، تخطّط الأحزاب الكردية السورية الآن لعقد اجتماع وطني. إنها مناسبة يجب أن تستغلّها هذه الأحزاب لتؤيّد مطالبَ الشباب المنادية بوضع استراتيجية كردية سورية، والتوصّل إلى اتفاق مشترك حول مجموعة واضحة من المطالب، حيث لا يُنظَر إلى تعزيز حقوق الأكراد الوطنية ودعم التغيير الديمقراطي في سوريا على أنهما أولويّتان متعارضتان بل هدفان يقوّي أحدهما الآخر. 

لكن، إذا ما استمرّت هذه الأحزاب في إعطاء الأولوية لتحالفاتها، فستبقى عالقةً في الألعاب الإقليمية كمجرّد أدوات لإعادة توجيه نتيجة الثورة على حساب سوريا ديمقراطية، وعلى حساب حقوق الأكراد الوطنية.