على مدى العقود الماضية كانت هناك توصيات لا تنقطع في نهاية التقارير الاقتصادية التي تعدها المؤسسات المحلية أو الدولية مفادها ضرورة تنويع الاقتصادات العربية والانتقال بها إلى مراحل متطورة تحقق قيمة مضافة عالية. فماذا كانت نتيجة التوصيات؟ لم يتغير كثير، إذ بقيت تركيبة الاقتصادات العربية خلال العقدين الماضيين شبه مستقرة.

في البداية لا بد من الاعتراف بأن كثيراً من الدول العربية نجح في تطوير البنية التحتية والبيئة التشريعية المناسبة مع بدايات جهود التنمية خلال الستينات والسبعينات، وخلال تلك الفترة أيضاً طوِّرت نظم الصحة والتعليم، وكانت الإنجازات حتى ذلك الحين إيجابية، فالبداية كانت تقريباً من الصفر، وكانت الاستثمارات المنفذة والخطط الموضوعة تظهر تغييرات جدية على الأرض، لكن مع نهاية فترة التأسيس، إن جاز تسميتها كذلك، بات تحقيق تقدم نوعي يشكل هو التحدي.

كانت إدامة سوية البنية التحتية المؤسِّسة تتطلب موارد مالية لم تكن تتوافر أحياناً كثيرة، كذلك وبات تعقد العمليات المطلوبة يتطلب أكثر من مجرد النوايا الحسنة، وبرزت حاجة إلى مؤسسات وقوانين تساعد على مراقبة النوعية، والبحث عن كيفية تحقيق التقدم ومنافسة الدول الكبرى. لكن هذا لم يحصل لأسباب أهمها أن آليات الرقابة كانت ضعيفة للغاية وتغيرت أولويات القادة السياسيين عما كانت عليه خلال مراحل التأسيس الذي كانت تظهر آثاره في سرعة.

وكانت لهذا التغيير أيضاً صلة بتوزيع الموارد الاقتصادية داخل الدول، فبدلاً من تخصيص الموارد لأغراض تعزيز الوضع التنافسي والتنويع والبحث والتطوير، باتت موارد اقتصادية كثيرة تذهب داخل بعض الدول إلى المؤسسات الأمنية. وتحت مسميات الأمن الوطني، تعطل العديد من الاستثمارات إلى درجة أن فتح ورشة عمل صغيرة في دولة مثل مصر كان يتطلب إلى وقت قريب تصريحاً أمنياً. وفي ظل هيمنة الجهات الأمنية في بعض الدول، نأى رجال الأعمال المستقلون بأنفسهم عن الخوض في مبادرات جديدة لأن الشريك الأمني كان في انتظار حصته، فسادت حال من عدم اليقين دفعت بالنشاطات إلى اتجاهات أخرى بعيدة من تلك التي كان يمكن أن تساهم في الانتقال إلى مراحل جديدة على سلم التنمية الاقتصادية.

ودفعت إشارات خاطئة القطاع الخاص إلى توثيق علاقاته بالساسة، وباتت السياسات التنموية والصناعية في كثير من الدول العربية أسيرة لواقع من الصعب الفكاك منه، فتأسس مزيج من رجال الأمن ورجال الأعمال ممن لا يفكرون في تنويع الاقتصاد بل يهتمون بتحقيق أرباح سريعة، لم تجد طريقها إلى الاستثمار في الدول المعنية بل كان يتهم تهريبها إلى الخارج.

بذلك صح مصطلح رأس المال المتطفل، وبات هذا النوع من «المستثمرين» عبئاً على الاقتصاد بدلاً من أن يكونوا هم المبادرين إلى البحث في الآفاق الجديدة للاقتصاد. ومن هنا تطور وضع تماهى فيه القطاعان العام والخاص بعدم الاهتمام بتنويع الاقتصاد أو إيجاد فرص عمل في قطاعات جديدة، أو حتى التكيف مع مستجدات الاقتصاد العالمي، مثل التوجه نحو التعاقدات الخارجية أو القطاعات الناشئة ذات القيمة المضافة المرتفعة حول العالم.

ورافق هذا الاختلال ضعف المؤسسات التنموية التي أصبحت هياكل فارغة، ولم تعد قادرة على فرض رؤيتها التنموية. وأصبحت مهمـــة الحكومــــات رعائية. ولم تسعَ المؤسسات الدوليــــة حينما طُلبت مساعدتها إلى تغيير الوضع القائم، بل ذهبت نصائحها باتجاه إدامة الوضع القائم، وقلّما ركزت على البعد المؤسسي، وخلال ما عرف ببرامج الإصلاح الاقتصادي، انصب التركيز على حالات العجز في الموازنة وميـــزان المدفوعات وسبل التسريع في تخصيص مؤسسات الدولة. ومع الضعف القائم فـــي البنية التشريعية وهيمنة فئة من رجال الأعمال، بات الأمـــــر يتمثل بنقل ملكيات القطاع العام إلى الخاص. وعلى مدى عقدين من الإصلاحات لم تختــــلف التركيبة والهيكلية في تلك الاقتصادات.

يشكل الربيع العربي فرصة ليس للإصلاح السياسي فحسب، بل فرصة أيضاً لمقاربة جديدة تعيد الاعتبار لأهمية صنع السياسات الاقتصادية بحيث يركَّز على الأبعاد التصنيعية والزراعية. ولنا أن نتساءل مثلاً أين نحن من الصناعات الحيوية القائمة على التكنولوجيا؟ وأين نحن من الصناعات القائمة على البحوث المتطورة، في شكل يحاكي ما حدث في دول مثل كوريا الجنوبية وماليزيا؟ المطلوب ليس قفزة في الهواء بل رصد للمتغيرات على المستوى الجزئي، وفهم لكيفية محافظة الدولة على دورها المركزي في تقديم الخدمات ووضع الإطار التشريعي في وقت سمحت لصغار رجال الأعمال وكبارهم بتشكيل تحالفات وتعاقدات مجدية، ونجحت في تطوير صناعاتها وقطاعاتها الزراعية وزيادة الإنتاجية وبالتالي الصادرات، وفقاً لبرامج زمنية واضحة اتسمت بالشفافية، وهي لا تزال تشهد تحديات، لكنها نجحت في كسر حلقة ما يعرف بفخ الدول متوسطة الدخل.