في أول اختبار للصحوة العربية، حصل حزب إسلامي معتدل على أكبر عدد من الأصوات، وقبلت الأحزاب المدنية النتائج، ثم بدأت المناقشات بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية. هذه كلها مؤشرات تدعو للتفاؤل بتأسيس ديمقراطية جديدة في تونس. فمن خلال إجراء انتخابات سلمية إلى حد كبير بعد عشرة أشهر فقط من سقوط الديكتاتور الذي حكمها فترة طويلة، تمثّل تونس، التي يعزى إليها الفضل في إشعال موجات الاحتجاج التي اجتاحت العالم العربي، نموذجاً يحتذى لبقية بلدان المنطقة.

وبما أنني عملت كمراقب دولي في تونس خلال الانتخابات، فإنني متفائل بشأن ماتعنيه عملية التصويت بالنسبة إلى مستقبل البلاد. لقد رأيت مجتمعاً سياسياً مشاركاً ومنخرطا، يتمتع بإحساس حقيقي بالمسؤولية عما ستعنيه الانتخابات، ليس فقط بالنسبة إلى بلده، بل أيضاً بالنسبة إلى آفاق الديمقراطية في العالم العربي. وبما أن الأنظار مركّزة عليهم، فقد أظهر التونسيون للعالم أن الانتخابات الشرعية يمكن أن تتم في منطقة رزحت طويلاً تحت نير السلطوية.

تشير التجربة التونسية إلى خمسة دروس هامة يجب تذكّرها، في وقت تتجه فيه بلدان أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى انتخابات جديدة:

  •  ارتفاع نسبة المشاركة:  شارك تسعون في المئة من الناخبين المسجَّلين في تونس في عملية التصويت في انتخابات تشرين الأول/أكتوبر، وهي نسبة لم يُسمع بها من قبل في العالم العربي. شاهدت التونسيين وهم يقفون بصبر في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، وأحياناً لمدة ثلاث أو أربع ساعات، للإدلاء بأصواتهم. وهذا يتناقض بشكل مباشر مع الحجج القائلة بأن الناخبين العرب غير مبالين، ويُظهر أنه عندما يعرف  الناخبون أن العملية عادلة وشفافة، فإنهم سوف يحضرون.

  • اللجنة المستقلة للانتخابات: ينبغي الثناء على التونسيين لتأسيسهم أول هيئة مستقلة حقاً لمراقبة الانتخابات في العالم العربي، من البداية إلى النهاية. إذ يقع هذا الدور تقليدياً على عاتق وزارة الداخلية، وهي هيئة من الواضح أنها متحيّزة وتعرقل، عموماً، نزاهة الانتخابات بوسائل متنوعة. وعلى الرغم من عدم توفرها على خبرة سابقة، أدارت اللجنة العملية الانتخابية في تونس بسلاسة بشكل عام، وتمكَّنت من كسب ثقة الناس والمرشحين. وفي حين واجهت اللجنة بعض المشاكل التقنية، فليس ثمة شك في نزاهة وعدالة وفعالية الانتخابات. وهذا نموذج هام لبقية بلدان العالم العربي كي تتمثّله عندما تبدأ الانتخابات الأخرى. وفي الواقع، عيّنت مصر بالفعل لجنة مستقلة من القضاة، وهو ما يعدّ علامة إيجابية.

  • حياد الجيش: إنها لدلالة عظيمة أن أسماء المسؤولين العسكريين الكبار في تونس غير معروفة على نطاق واسع في الغرب. وهذا يشير إلى دور الجيش - أو عدمه - في الانتخابات. فقد لعب الجيش التونسي وظيفة هامة جداً في حماية مراكز الاقتراع، لكنه لم يتدخل فيها. لا بل إن الجيش، في الواقع، لم يصوّت في الانتخابات. ومن خلال لعب دور الحامي، وليس المتدخل، ساعد جيش تونس في حماية ديمقراطيتها المتفتحة.

  • الدمج السياسي: كما رأينا في انتخابات ما بعد سلطوية مشابهة، مثلما حدث في البرتغال وإسبانيا في سبعينيات القرن الماضي، كان في تونس عدد كبير من الأحزاب المسجلة. لكن لم يكن هناك سوى خمسة أو ستة أحزاب حصلت على دعم كبير. ولكي تظهر الثقافة الديمقراطية، فإن أي بلد في حاجة إلى توحيد وجهات النظر المختلفة في بوتقة معقولة ويكمن تدبُّرها من القضايا. سيكون من الهام أن نرى كيف ستتصرَّف الأحزاب السياسية في تونس، لكن الدلائل المبكرة لتشكيل الحكومة تبدو إيجابية.

  • الإسلام السياسي: حزب النهضة، الذي حصل على نحو 40 في المئة من الأصوات، هو حزب إسلامي معتدل قام بحملته الانتخابية على أساس الالتزام بالحرية الشخصية والتعددية. وبقدر ما يكون الحزب قادراً على تكريس هذه الالتزامات في الدستور الذي سيتم وضعه على مدى العام المقبل، فإنه سيقطع شوطاً طويلاً ليظهر لبقية العالم العربي والمجتمع الدولي بأن الإسلام السياسي لايعني بالضرورة اللجوء إلى العنف، وإنكار الحقوق الشخصية، أو فرض القيم الثقافية على المجتمع كله. ولذلك من الهام معاملة الإسلام السياسي كجزء شرعي من النظام السياسي لديه كل الحق في أن يتم إشراكه، طالما أنه لايهدّد الالتزام بالتعددية.

الاختبار الرئيس التالي للصحوة العربية سيكون الانتخابات البرلمانية في مصر، أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان. واستناداً إلى تجربة تونس، ثمّة أسباب كثيرة تدفعنا إلى أن نكون إيجابيين بشأن آفاق الديمقراطية في العالم العربي. بيد أن مصر مختلفة جداً، ولاسيما لجهة الدور الذي يلعبه جيشها في المرحلة الانتقالية. فالتطورات هناك ستكون موضع مراقبة شديدة. ويتمثّل التحدي الأكبر لكل العالم العربي في بناء نظم تعددية بضوابط وتوازنات يمكن أن تؤدي حقاً إلى مجتمعات مزدهرة. وقد قامت تونس بخطوتها الأولى في هذا الاتجاه.