لقد حظي الرئيس الفلسطيني محمود عباس والوفد المرافق له بلحظة عزّ في تاريخ الأمم المتحدة. وبرأي الكثير من المراقبين والمواكبين، فقد أبلوا بلاءً حسناً، واستعاد عباس الكثير من مكانته بفضل الظهور كقائد حازم. لكن القيادة الفلسطينية ستواجه، من الآن فصاعداً، المزيد من التحديات التي ستزداد كلفتها مهما كان الاتجاه الذي يختارونه قُدُماً.

قد تُحقِّق القيادة الفلسطينية فوزاً ما، إن استطاعت الحصول على تأييد الأكثرية في مجلس الأمن الدولي، إذا ما تمّ التصويت في نهاية المطاف على الطلب الفلسطيني بنيل العضوية الكاملة كدولة في الأمم المتحدة. والمفهوم طبعاً أن "الفوز" يعني هنا إرغام الولايات المتحدة على اللجوء إلى "الفيتو"، أي نقض الطلب الفلسطيني. أما إذا لم يتمّ ذلك، فقد يتحوّل الرهان الفلسطيني إلى نكسات متعاقبة، مهما كانت مسوّغاته وحججه السياسية والقانونية.

شكّل القرار الفلسطيني بالمضي بالطلب، وما يعني من اصطدام مؤكَّد بالإدارة الأميركية، خياراً جائزاً لتغيير "قواعد اللعبة" التفاوضية، بعد مرور 20 عاماً على انطلاق العملية السلمية. وكان من المشروع أيضاً أن تصرّ القيادة الفلسطينية على إرغام الإدارة الأميركية على كشف مدى انحيازها وازدواجية معاييرها ومواقفها بهذا الجلاء. غير أن في ذلك المزيد من المخاطر. فإن انحياز الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه "الليكودي" – كما لقّبه العديد نظراً إلى تبنّيه أطروحات اليمين الإسرائيلي وشعاراته – إنما يقدّم الدليل الأول على العواقب الآتية على القرار الفلسطيني، ومن المؤكَّد أنه لن يكون الأخير.

استوجب الإقدام على مثل هذا الرهان المحفوف بالمخاطر وضع استراتيجية مدروسة، لها أهداف واضحة وتستند إلى الإعداد القانوني والسياسي الوافي. إلا أن القيادة الفلسطينية لم تكن قد قامت بالواجب حتى شهر حزيران/يونيو الفائت: أي دراسة جميع السبل والخيارات الإجرائية المتعلقة بكيفية صياغة وتقديم طلب الانضمام إلى الأمم المتحدة، واستشراف المكاسب والعواقب المترتّبة على كل منها. بل ذهبت القيادة الفسلطينية علناً، ولو بصورة غير رسمية، إلى تأكيد نيّتها التقدّم من الأمم المتحدة قبل أن تستكمل دراسة خياراتها وإمكانياتها. 

وقد استوجب المضي بالرهان كذلك تكريس الجهود الرئيسة لحشد التأييد الدبلوماسي العالمي. وبالفعل، ترأّس وزير خارجية السلطة الفلسطينية حملة مؤثّرة وناجحة في نهاية العام 2010 ومطلع العام 2011، ما ضَمَنَ اعتراف عدد من دول أميركا اللاتينية بالدولة الفلسطينية، لكن ذلك الجهد لم يتكرّر بالأقاليم الأخرى. ومثال على ذلك، لا يوجد ما يدلّ على جهد فلسطيني للاتصال بالدول الممثَّلة في مجلس الأمن الدولي عدا الأعضاء الخمسة الدائمين– وهكذا نشهد التنافس والتجاذب الفسلطيني-الأميركي الحامي على كسب أصوات الغابون ونيجيريا والبوسنة¬-الهرسك الآن فقط، أي في اللحظة الأخيرة، وهو الأمر الذي كان يترتّب على القيادة الفلسطينية أن تنجزه أو تسعى إليه منذ مطلع العام. كما أن التأخّر بإقرار المسعى الفسلطيني أضعف إمكانية التنسيق مع الشركاء العرب الرئيسيين – وفي مقدّمتهم المملكة العربية السعودية والأردن (نظراً إلى تغييب الدور المصري) – خاصة للتأثير على مواقف الدول الأوروبية المتردّدة.

وينطبق الكلام ذاته في ما يتعلّق بضرورة القيام بالتعبئة السياسية والإعلامية بين المنظمات والجمعيات القاعدية، والأحزاب السياسية، والبرلمانات حول العالم – في الدول والمجتمعات المتعاطفة، وأيضاً حيث يفتقر الفلسطينيون إلى النفوذ الدبلوماسي، أي في الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية. ويدلّ غياب التظاهرات والتحرّكات الشعبية حتى في الدول العربية الشقيقة ودول عدم الانحياز، ناهيك عن التجمّعات والجاليات الفسلطينية في الوطن والشتات، على ضعف العمل أو انعدام العمل التمهيدي.

ومن الملفت أيضاً أن القيادة الفلسطينية غدت غير متقبِّلة للتفكير والتخطيط لمرحلة ما بعد التقدّم إلى الأمم المتحدة، وخصوصاً لإمكانية الفشل، بعد أن حسمت أمر التوجّه إلى المنظمة الدولية. وتشير تصريحات الرئيس عباس منذ إلقائه خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة إلى أنه ينوي الإصرار على تغيير "قواعد اللعبة"، مثلاً من خلال اعتراضه على صيغة "بروتوكول باريس" الاقتصادي، وتأكيده على حدود العام 1967 ووقف الاستيطان الإسرائيلي كأسس للمفاوضات. إذا كانت هذه التصريحات تشير إلى نيّة فعلية ثابتة، فحسناً، إلا أنها تحتاج هي أيضاً إلى الدراسة والإعداد والمثابرة، وإلى الحشد والتمهيد على المستويات كافة.

فالواضح أن الرئيس الأميركي أوباما حسم أمره هو الآخر لصالح حساباته الانتخابية، إذ تبنّى لهجةً لم يسبق لأي رئيس أميركي أن تبنّاها، بل وتتجاوز يميناً مواقف الكثير من الإسرائيليين. صار إذاً شعار "يهودية دولة إسرائيل" و"ضمّ الكتل الاستيطانية"، وعدم الإشارة صراحةً إلى وقف الاستيطان، من مسلّمات السياسة الأميركية ومنطلقاتها، التي يعبّر عنها المندوبون الأميركيون إلى الأمم المتحدة والرباعية الدولية وغيرها. وسوف تطغى هذه المقولات والمواقف على الخطاب العام الأميركي حتى إتمام الانتخابات الرئاسية المقبلة في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، ما يعني انسداد الطريق أمام الجهود والمبادرات الدبلوماسية الجديدة كافة، وأيضاً أمام طَرْق باب مجلس الأمن مجدداً بخصوص انضمام فلسطين كدولة. وأخطر ما في الأمر أن سيكون من الصعب بمكان إعادة العجلة إلى الوراء لاحقاً، أو حتى وقف حدوث تراجع أو تراخٍ مماثل وتمييع في الموقف الأوروبي إلى ما بعد الانتخابات الأميركية.

يترتّب على القيادة الفلسطينية إذاً أن تعمل في آن على الاحتفاظ بمصداقية موقفها السياسي ومبادرتها الدبلوماسية، وعلى تأمين مقتضيات الإدارة والخدمات العامة والاقتصاد في مناطق السلطة الفلسطينية، وعلى ترتيب البيت الفلسطيني داخلياً، كي تصل إلى مطلع العام 2013 من دون تراجع أو تآكل يُذكَر. ولعل فكرة التصدّي للبنية التفاوضية ولآلياتها جديرة كوسيلة لتركيز الجهود وحشدها، فسلطينياً وعربياً ودولياً، لكنها سرعان ما ستتهاوى إن لم تتعدَّ لفتةً تكتيكيةً المقصود منها المناورة فقط بغية التأثير على المباحثات الجارية في كواليس مجلس الأمن الدولي، لينتهي الأمر بانتقال الطلب الفلسطيني إلى الجمعية العمومية للحصول على صفة "مراقب" لفلسطين. 

ليس المقصود مما سبق أنه لا يصحّ للقيادة الفلسطينية سوى العناد والاصطدام المباشر مع الإدارة الأميركية، بل أنه يترتّب عليها أن تقوم بجهد متواصل ومضنٍ لتأمين كل هدف تضعه لنفسها، وأن تتّخذ الاحتياطات المسبقة إزاء كل تطوّر محتمل. فلا ينبغي أن يستحوذ جدال مجلس الأمن على كل انتباهها وجهودها من دون التفكير في كيفية التعامل مع كل نتيجة محتملة، والاستعداد للبناء عليها. وإلا، ستجد القيادة الفلسطينية نفسها عاجزةً عن انتزاع الحدّ الأدنى من شروط التسوية السلمية، وفاقدةً للمصداقية الخارجية والشرعية الداخلية، عند الوصول إلى مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية.