تمكَّن حزب العدالة والتنمية في المغرب من احتلال الصدارة خلال الانتخابات التشريعية التي جرت نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ما أهَّله لقيادة الحكومة للسنوات الخمس المقبلة. ويعود فوز الحزب، إضافةً إلى السياق الإقليمي الذي يتميَّز بصعود الأحزاب الإسلامية في تونس ومصر، إلى أسباب أخرى يمكن إيجازها في نقاط ثلاث:
أولاً، عدم مشاركة حزب العدالة والتنمية في أي حكومة من قبل، ما جعله يشكل بديلاً عن الأحزاب الأخرى سواء كانت من اليمين أو الوسط أو اليسار.
ثانياً، الدور المتميَّز الذي لعبه الحزب في المعارضة خلال الولايات النيابية الماضية، إذ اتّسمت مشاركته داخل البرلمان بالجدَّية والفاعلية عبر مواظبة نوابه على حضور جلسات البرلمان، ومساهمتهم البارزة في مناقشة مشاريع القوانين وفي توجيه الأسئلة إلى الوزراء.
ثالثاً، البرنامج اقتصادي والاجتماعي الطموح والمدعَّم بمجموعة من الأرقام، والأهداف المحدّدة التي قدّمها الحزب خلال الانتخابات للحصول على ثقة الناخبين.
إذا كانت سمتا الطموح والوضوح اللتان تميَّز بهما البرنامج الانتخابي للحزب عاملين أساسيين في استمالة فئات عريضة من الناخبين، فإن البرنامج بعدما حصل الحزب على مقعد رئاسة الحكومة، أصبح التزامات ستصبح المرجعية الأساسية لتقويم تجربته في الحكم، ومدى صدقيته وقدرته على الوفاء بوعوده.
فما هي الأهداف الكبرى للبرنامج الاقتصادي للحزب، وما مدى واقعية هذه الأهداف وقابليتها للتنفيذ؟
أي قراءة متأنّية للبرنامج توحي بغياب الانسجام والتماسك الضروريّين بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المرسومة وبين الإمكانات المرصودة لبلوغها.
أولاً، يضع حزب العدالة والتنمية نصب عينيه تحقيق نسبة نمو اقتصادي تصل إلى سبعة في المئة سنوياً، وهو مستوى استثنائي نظراً إلى تاريخ النمو الاقتصادي في المغرب، فنسبة النمو كانت أقل من خمسة في المئة خلال الفترة الممتدة بين 2007 و2011، على رغم الحجم الكبير للاستثمارات الحكومية والخاصة. ويُعَدّ هذا الرقم مبالغاً فيه أيضاً مقارنةً بتوقعات النمو التي تشير إلى معدلات تتأرجح بين 4.5 و5.5 في المئة، في أحسن الأحوال، بحسب التقرير الأخير الصادر عن صندوق النقد الدولي.
وثمة عاملان إضافيان يعزّزان الشكوك حول عدم واقعية هدف سبعة في المئة، هما الظروف الاقتصادية المتعثّرة التي يشهدها الاتحاد الأوروبي، الشريك الاقتصادي والمالي الأساسي للمغرب، إذ أن 60 في المئة من صادرات المغرب، و80 في المئة من إيرادات قطاعه السياحي، و90 في المئة من تحويلات مهاجريه، تتمُّ مع الاتحاد الأوروبي. وتُجمع تقديرات النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة على اختلاف مصادرها، على ضعف وتيرة النمو المرتقب داخل مجموعة الاتحاد الأوروبي، إذ يُرجّح ألاَّ تزيد على متوسط اثنين في المئة خلال السنوات الخمس المقبلة، ما قد يؤثّر سلباً في الطلب الأوروبي على السلع والخدمات المغربية ويضعف من وتيرة النمو المرتقب. ويتمثّل العامل الثاني في أن النمو الاقتصادي في المغرب لا يزال يرتبط في شكل قوي بالقطاع الزراعي، الذي يؤمّن 40 في المئة من الوظائف، ويساهم بما لا يقلّ عن 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويتميّز هذا القطاع بتقلّبه الشديد، وارتباطه المفرط بالظروف المناخية.
ثانياً، يَعِد حزب العدالة والتنمية بزيادة الحدّ الأدنى للأجور بما يزيد على 25 في المئة إلى ما يعادل 370 دولاراً. وإذا كانت الزيادة في الأجور تساهم في تحسين مستويات المعيشة لدى فئات عريضة من العاملين في القطاع الخاص، إلا أنها لا يمكن أن تتم في معزل عن تحسين مستوى الإنتاجية الضروري للمحافظة على قدرة الشركات على مواجهة المنافسة، خصوصاً أن الحدّ الأدنى للأجور سجَّل زيادة بلغت 10 في المئة خلال السنة الحالية. وعلى معالجة الضعف الذي تعرفه القدرة الشرائية للأجور في المغرب أن تأخذ في الاعتبار جانبين أساسيّين: الأول، ضرورة تحسين مؤهلات اليد العاملة بهدف رفع مستوى إنتاجيتها، إذ أن ثلثي العمال المغربيين لا يملكون أي شهادة تعليمية، والثاني، ضرورة إخضاع الأسواق، خصوصاً أسواق الخضار والفواكه والأسواق العقارية، إلى قواعد المنافسة والحدّ من الممارسات الاحتكارية التي تؤدّي إلى تضخيم تكاليف المعيشة.
ثالثاً، يلتزم حزب العدالة والتنمية بعجز في الموازنة الحكومية لا يتجاوز ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، علماً أن النسبة تقارب ستة في المئة حالياً. ويشكَّل هذا الالتزام في المنطق الاقتصادي تناقضاً مع الأهداف الطموحة التي يعد الحزب ببلوغها لتحسين مؤشرات التنمية الإنسانية. وفي ظل الصلابة التي يتميَّز بها الإنفاق الحكومي الجاري، والتكلفة السياسية المرتفعة للحدّ من نفقات الدعم، خصوصاً في الأمد القصير، يبدو تحديد عجز الموازنة عند ثلاثة في المئة أمراً صعب المنال وقد يصبح مستحيلاً إذا أقدمت الحكومة التي يقودها الحزب على خفض نسبة الضرائب على أرباح الشركات من 30 إلى 25 في المئة، وفق وعد من الحزب لأصحاب العمل.
ويوحي المنطق الاقتصادي السليم بأن تحقيق الأهداف الطموحة لبرنامج حزب العدالة والتنمية، يستدعي زيادة الإنفاق الحكومي في ميادين التعليم، والصحة، ومكافحة الفقر، والإقصاء الاجتماعي. لذا، من غير الواضح كيف يمكن في الوقت ذاته خفض الضرائب وتحديد سقف العجز في حدود ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
يبدو جلياً أن مبدأ إرضاء كل الأطراف الاجتماعية، الذي اعتمده حزب العدالة والتنمية في صياغة برنامجه الانتخابي، أفقده ذلك التوازن والتماسك الضروريّين ليتحوَّل إلى برنامج حكومي قابل للتنفيذ. صحيح أن البرنامج الاقتصادي للحزب يؤكّد على دور الحوكمة الاقتصادية الرشيدة، وإرساء قواعد المنافسة والشفافية في سبيل إدراك أهداف النمو وتحسين المؤشرات الاجتماعية، إلا أنه يتعيَّن الاعتراف بأن تحسين الحوكمة وإصلاح البيروقراطية، ومحاربة الفساد، وتفعيل قوانين المنافسة داخل الأسواق، يتطلّب إصلاحات سياسية ومؤسساتية عميقة قد تستغرق سنوات.
على حزب العدالة والتنمية، وهو الآن يقود الحكومة، أن يستثمر رصيد الثقة التي يتمتّع به اليوم من أجل الحديث في شكل مسؤول وصريح مع مكوّنات المجتمع المغربي كلها عن الممكن وعن غير الممكن، والقيام بخيارات واقعية وجريئة قد لا تنال رضى الجميع، إلا أنها تحقّق مصلحة البلد وتحافظ على استقراره. والأهم هو تفادي الوعود البراقة التي توجد كثير من الآمال والتوقعات ثم تؤدّي إلى الإحباط وربما إلى الخيبة.
End of document
