حين قام الجيش المصري بإطاحة الرئيس حسني مبارك في 11 شباط/فبراير 2011، أثنى معظم المصريين عليه بصفته منقذ الأمّة الذي وقف إلى جانب الشعب ضد الديكتاتورية، والذي سيقود البلاد في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية. وبعدها بعشرة أشهر، لايزال الجيش يتمتع بشعبية مُعتبرة، كما تشير استطلاعات الرأي الأخيرة. بيد أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهي الهيئة العسكرية التي تسلّمت وظائف الرئيس وكذلك مهام البرلمان الذي تم حلُّه،أصبح مدعاة للإنقسام والجدل البالغين، بعد أن بدأ ينحاز علناً بمواقفه السياسية في البلاد، وبات على مايبدو أكثر سلطوية وتقلّباً في سياساته.

ثمة تطوّران أخيران غيّرا على وجه الخصوص صورة المجلس اللأعلى للقوات المسلحة بالنسبة إلى العديد من المصريين: الأول، هو إصدار مايُسمى "وثيقة السلمي". والثاني، هو الإعلان، غداة نجاح حزب الحرية والعدالة المنبثق عن الإخوان المسلمين وأيضاً (على نحو غير متوقّع) حزب النور السلفي في الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، عن أن البرلمان المنتخب العتيد لن يمثِّل كل الشعب المصري بكافة فئاته، وبأن المؤسسة العسكرية لاتستطيع أن تأتمنه بالتالي على صياغة الدستور الجديد للبلاد.

وثيقة السلمي

في 1 تشرين الثاني/نوفمبر، أصدر علي السلمي، نائب رئيس الوزراء آنذاك، "إعلان المبادئ الأساسية للدولة المصرية الجديدة"، على أن يكون هذا الإعلان السياق الذي يصاغ في إطاره الدستور الجديد، مبدئياً في النصف الثاني من العام 2012. هذه المبادئ "فوق- الدستورية" كُتِبَت بشكل مؤكد تقريباً عبر تشاور مباشر مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وهي تشكِّل، على الرغم من التعديلات المقترحة على المسودات اللاحقة، البلورة الأكثر وضوحاً حتى اليوم للسلطات والصلاحيات التي يريدها الجيش المصري في حقبة مابعد المرحلة الانتقالية.

الأمر الأكثر إثارةً للجدل هنا كان المادة التاسعة في وثيقة السلمي، التي أوكلت إلى القوات المسلحة "حماية الشرعية الدستورية" ونصّت على أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة "يختصّ دون غيره بالنظر فى كل مايتعلّق بالشؤون الخاصة بالقوات المسلحة ومناقشة بنود ميزانيتها على أن يتم إدراجها رقماً واحداً فى موازنة الدولة". كما تطلبت المادة أن يحظى أي تشريع يتعلّق بالقوات المسلحة بمصادقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي يستطيع أن يمارس كذلك حق النقض (الفيتو) ضد السلطة الدستورية لرئيس الجمهورية الخاصة بإعلان الحرب.

وهناك قسم منفصل ضمن وثيقة السلمي يعطي المجلس الأعلى للقوات المسلحة نفوذاً واسعاً في مجال صياغة الدستور الجديد. والأكثر أهميةً هنا أن المجلس العسكري يمكنه رفض أي نص "يتعارض مع المقوّمات الأساسية للدولة والمجتمع المصرى والحقوق والحريات العامة التى استقرت عليها الدساتير المصرية المتعاقبة، بما فيها الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011 والإعلانات الدستورية التالية له". ثم أن البرلمان لن يكون هو مَن يشكِّل لجنة وضع الدستور، وهي خطوة تناقض "الإعلان الدستوري". بدلاً من ذلك، يسمّي البرلمان 20 شخصاً فقط للجنة التي تتكوّن من 100 عضو. ويتعيّن على مجالس الإدارة أو الهيئات المشرفة على 17 قطاعاً مهنياً واجتماعياً - العديد منها يمتثل إلى الحكومة أو يرأسه أشخاص عيَّنَهم النظام السابق - اقتراح 160 اسماً ستقوم سلطة لم يتم تحديدها، لكن يفترض أنها الحكومة التي عيّنها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بانتقاء الأعضاء الثمانين الأخيرين من أعضاء اللجنة الدستورية.

بيد أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وبعد أن واجهه مئات آلاف المتظاهرين المندّدين بوثيقة السلمي، والذين تصدّوا بشجاعة للعنف الكاسح والوحشية اللذين مارستهما الشرطة، تراجع عن الوثيقة، ولو كان تراجعه جزئياً فقط ومؤقتاً. فهو قَبِل، من جهة باستقالة الحكومة المدنية المؤقتة برئاسة عصام شرف، لكنه من جهة أخرى، عيَّن كمال الجنزوري البالغ الثامنة والسبعين، وهو رئيس وزراء سابق، ليشكِّل "حكومة إنقاذ وطني"، على الرغم من المطالبات واسعة النطاق بضرورة تعيين شخص لم يكن وثيق الارتباط بحقبة مبارك. علاوة على ذلك، خضع المجلس الأعلى إلى الضغط، فوعد أيضاً بتقريب انتخابات الرئاسة من نيسان/إبريل 2013 إلى حزيران/يونيو 2012، بيد أنه لم يسحب رسمياً وثيقة السلمي من التداول. والواقع أنه بات واضحاً منذ الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية أنه حتى مع الصولات والجولات التي قام بها المجلس العسكري لتنفيس حركة المعارضة، إلا أنه سيقاتل للحفاظ على مضمون البنود الأهم في وثيقة السلمي.

 

رسم خطوط المعركة

الواقع أن مقاومة المجلس الأعلى للقوات المسلحة لنقل السلطة فوراً إلى سلطة مدنية انتقالية (سواء أكانت "حكومة إنقاذ وطني لها كل الصلاحيات" لإدارة البلاد، أو "مجلس رئاسي مدني") تصلّبت بوضوح عشية الانتخابات. فالرضوخ إلى مثل هذه المطالب، كما قال نائب وزير الدفاع وعضو المجلس الأعلى اللواء مختار الملا، "سيكون بمثابة خيانة للأمة". وفيما كانت "قوى التحرير" تعبّئ نفسها لتظاهرة "مليونية" جديدة في 27 تشرين الثاني/نوفمبر لدعم مطالب نقل السلطة، حذَّر بشدة وزير الدفاع ورئيس المجلس الأعلى المشير محمد حسين طنطاوي من أنه "لا أحد يستطيع الضغط على القوات المسلحة".

يبدو أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة استغل ارتفاع شعبيته في أعقاب استبدال حكومة شرف كي يشنّ حملة تعبئة مضادة. فقد بَرّأَ علناً قوات الأمن المركزي والشرطة من أي مسؤولية في إطلاق النار على المتظاهرين أو استخدام الذخيرة الحيّة ضدّهم في ميدان التحرير في القاهرة وفي المدن الأخرى، وأنحى بدلاً من ذلك باللائمة لاندلاع أعمال العنف التي أزهقت أرواح 43 شخصاً وجرحت أكثر من 2000 على البلطجية الذين موّلتهم "أياد خفيّة" تعود إلى "طرف ثالث". والحال أن هذا الجهد للعب ورقة "المؤامرة"، تزامن وتطابق مع ظهور مجموعات تدّعي أنها تمثِّل "الأغلبية الصامتة" من المصريين عمدت إلى التنديد بالمظاهرات بكونها تهدّد أمن البلاد واستقرارها، وقامت بمسيرة منافسة في 27 تشرين الثاني/نوفمبر دعماً لاستمرار حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية.

هذه المخاطر استعرّت غداة الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية. إذ كان متوقعاً أصلاً أن يُبلي حزب الحرية والعدالة بلاء حسناً، بيد أنه فاق كل التوقعات من خلال حصده 46 في المئة من أصوات الدوائر الفردية التي تمّ التنافس عليها و37 في المئة من أصوات اللوائح الحزبية؛ هذا في حين حقق حزب النور مفاجأة أعظم حين حصد 21 في المئة من أصوات الدوائر الفردية، و24 في المئة من أصوات اللوائح الحزبية. وقد ذهبت مقاعد إضافية إلى أحزاب متحالفة مع حزب الحرية والعدالة أو إلى أحزاب إسلامية أصغر مثل حزب الوسط. ويحتمل أن يحصد هؤلاء نتائج مماثلة على الأقل في الجولتين التاليتين من الانتخابات التي ستجري في المحافظان الريفية، حيث يميل الناخبون إلى أن يكونوا أكثر محافظةً. وعلى أي حال، فقد ضمن حزب الحرية والعدالة أن يحتلّ موقعاً مُهيمِناً في البرلمان المقبل.

لقد ردّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة على هذه المحصلات عبر السعي إلى تقليص الدور الدستوري للبرلمان العتيد. ويبدو أن المساعد القانوني لطنطاوي، اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس الأعلى، قد توقّع أداءً قوياً للإسلاميين حين شدّد في 27 تشرين الثاني/نوفمبر، إذ صرّح أنه لن يكون في وسع البرلمان الجديد حلّ الحكومة المؤقّتة أو تشكيل حكومة جديدة، لأن صلاحية القيام بذلك تعود إلى الرئيس، مايعني، إلى حين انتخاب رئيس، أن يبقى هذا من صلاحية المجلس الأعلى. وقد عاد طنطاوي إلى هذه الفكرة بعد الانتخابات، فوصف مصر بأنها "دولة رئاسية لابرلمانية"، مضيفاً أنه "حتى لو فاز الإخوان المسلمون، فهذا لايعني أن الشعب كله قد اختارهم". وهذا الرأي كرره اللواء الملا، الذي أصرّ على أن الانتخابات "لاتمثِّل بالتأكيد كل قطاعات المجتمع".

ويبدو أن التشديد على تفوُّق الصلاحيات الرئاسية هي خطوة تحوّطية، في حال فشلت محاولات المجلس الأعلى المتواصلة لتقليص دور البرلمان العتيد في مجال وضع الدستور الجديد. وقد صرَّح اللواء الملا لمراسلي الصحف الأجنبية في 7 كانون الأول/ديسمبر أن أعضاء "لجنة المئة" الذين سيضعون مسودة الدستور، يجب أن يحظوا بموافقة الحكومة المؤقتة و"المجلس الاستشاري" المدني الذي شُكِّل حديثاً، واللذين قد أدّيا اليمين أمام المجلس الأعلى في 7 و8 كانون الأول/ديسمبر على التوالي. وقد أثارت الإشارة إلى أن ثمة هيئة أخرى غير البرلمان ستحدّد تركيبة لجنة الصياغة الشكوك بأن الهدف الرئيس من تشكيل المجلس الاستشاري هو إحياء وثيقة السلمي والبصم على مراسيم المجلس الأعلى. كما أن ذلك حفّز حزب الحرية والعدالة على سحب ممثله من المجلس احتجاجا.

تراجع شاهين لاحقاً عن بيان الملا وأعاد التأكيد على أن البرلمان وحده سيختار أعضاء لجنة صياغة الدستور، إلا أن تطمينه هذا لايسعه أن يبدِّد الشكوك نظراً إلى تعدُّد وتناقض البيانات الدستورية المُربِكة والمُحيِّرة التي يدلي بها المجلس الأعلى. والملفت أنه حين أكّد شاهين في الشهر الفائت على أن البرلمان المقبل لايستطيع تشكيل حكومة جديدة، أسند حججه إلى الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس الأعلى في 30 آذار/مارس. بيد أن بيان الملا في 7 كانون الأول/ديسمبر أنكر صلاحية البرلمان في تعيين لجنة الصياغة الدستورية، فناقض بذلك مباشرة الإعلان نفسه. ولم يتأخّر المجلس الأعلى حتى أظهر مجدداً قدرته على إسناد السلطة التي يريد لنفسه إذ قام بتعديل الدستور المؤقت - بشكل منفرد مجدداً - في سبيل منح حكومة الجنزوري بعض السلطات الرئاسية.

مثل هذه المناورات تُعمِّق الانطباع بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يسعى إلى الحفاظ على سيطرته على المسارَين السياسي والدستوري خلال المرحلة الانتقالية وبعدها، ممهّداً بذلك الطريق أمام إقامة "ديمقراطية مُدارة" في مصر.

 

الديمقراطية المُدارة على الطراز المصري 

ليس من الواضح تماماً لماذا يُصِرّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة على الاحتفاظ بسلطة مُقيمة بعد أن يسلِّم الحكم رسمياً إلى قادة مدنيين. ومايبدو أكثر على المحك بالنسبة إلى المجلس العسكري هو قدرته على البقاء فوق الحدود القانونية والمساءلة الحكومية. وهذا يعود جزئياً إلى أنه يريد الحفاظ على موازنة الدفاع كما هي وإبقاء نشاطات الجيش الاقتصادية الكثيفة طيّ الكتمان الشديد، أو لضمان مواصلة تلقّيه المساعدات العسكرية الأميركية التي تبلغ 1.3 مليار دولار سنوياً والسيطرة عليها، إذ يخشى المجلس الأعلى أن تُقلَّص أو تنقطع إذا ما استلم الإخوان المسلمون أو إسلاميون آخرون السلطة، وأعادوا توجيه السياسة الخارجية المصرية.

ومما له أهمية موازية هو أن المجلس الأعلى يعتبر نفسه الهيئة الأفضل لتحديد الحاجات والطبيعة الحقيقية للدولة المصرية ولضمان المصالح القومية للبلاد. وهو يسعى إلى تبرير دوره السياسي غالباً من خلال طرح الدعاوى الوطنية، وإثارة شبح الأعداء الخارجيين، والتذكير المستمر بدور القوات المسلحة في استعادة الأراضي المصرية في حرب 1973 ضدّ إسرائيل، وأيضاً من خلال الالتزام الغامض بالإرث الشعبوي للحقبة الناصرية الذي لايزال مُتضمّناً في الدستور الذي يشير إلى واجب القوات المسلحة في "حماية المكاسب الاشتراكية للنضال الشعبي".

ويزعم المجلس الأعلى للقوات المسلحة أيضاً أن حماية الخبرة والمهنية العسكريتين، تتطلب الحفاظ على الاستقلالية الذاتية للقوات المسلحة عن الإشراف المدني. ووراء هذا يكمن "نظام الاستثناءات" الذي تراكم عبر عقود من الحكم السلطوي وهو: قانون الطوارئ الذي يسمح بالتعليق للحماية القضائية للحريات والحقوق المدنية التي كانت مطبّقة بشكل متواصل منذ العام 1981، والتي أعاد تطبيقها وتوسيعها المجلس الأعلى في أوائل أيلول/سبتمبر 2011؛ دور للقوات المسلحة في الحفاظ على الأمن الداخلي؛ تمديد صلاحيات المحاكم العسكرية على مقاضاة المدنيين المتهمين بـ"جرائم سياسية" أو "إهانة الجيش" أو الإرهاب؛ الحصانة التامة للعسكريين الحاليين والسابقين من الملاحقة في المحاكم المدنية؛ التمثيل الكثيف للقوات المسلحة، سواء بشكل رسمي أو غير رسمي، في الوزارات والمحافظات والمجالس المحلية والمؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة والهيئات التنظيمية؛ والاستقلالية الذاتية التامة في مجال موازنة الدفاع والمؤسسات الاقتصادية الخاصة غير الخاضعة حساباتها للتدقيق.

ومالَم يتم تفكيك هذه الاستثناءات بشكل منهجي، فإن الانتقال إلى مابعد حقبة مبارك سينتهي في شكل ديمقراطية مُدارة. إلا أن كل جيش يستحوذ على السلطة يُقاوِم فقدانه المتوَقَّع للصلاحيات والامتيازات المؤسسية، ناهيك عن تجنُّب مساءلته عن ممارساته السابقة.

إن مَن يتحدّى المجلس الأعلى للقوات المسلحة من القادة المدنيين والأحزاب والحركات السياسية يحتاج إلى وحدة الهدف والتصميم المتواصلَين، وبيئة خارجية ملائمة. وكلا هذين الأمرين غير متوافرين حالياً. وبالتالي، فإن الحكومة المدنية المنتخبة التي تُواجه في آن الحاجة إلى خلق الاستقرار في الاقتصاد، والتعاطي مع السخط والاستياء الشعبيّين من البطالة ومعدلات الأجور المتدنية، وانتهاج سياسات اجتماعية أكثر شمولية – فيما تضطر أيضاً وفي الوقت نفسه إلى التفاوض حول علاقة مدنية-عسكرية جديدة - ستجد نفسها على الدوام تحت رحمة الجيش.