على امتداد منطقة الشرق الأوسط، تآكلت شرعية القادة السلطويين بسبب فشل سياساتهم على توفير ما تحتاجه وتريده شعوبهم. فقد أخذت الانتفاضة التي اندلعت في تونس منذ سنة واجتاحت المنطقة معظم الحكومات والخبراء والمنظمات الدولية على حين غرّة. وتمّ خلع حكام تونس ومصر وليبيا السابقين، فيما يبدو أن حكام  سورية واليمن فقدوا شرعيتهم على رغم مقاومتهم العنيفة للاحتجاجات الشعبية التى استمرت على مدى عشرة أشهر. أما بقيّة البلدان العربية، وفي سياق الرد على الاحتجاجات الجماهيرية ومشاعر عدم الرضا، وعلى أمل تجنّب الرياح الثورية، فإنها تقدم تنازلات سياسية وتوفّر المنح والمعونات لشعوبها.
 
كل هذا التحوُّل في البلدان العربية يعكس انهياراً جوهرياً للنموذج السلطوي. ولذا فإنه يتعيّن على الحكام العرب تجديد مصدر شرعيتهم إذا كانوا يأملون في النجاة بأنفسهم. .
 
لفترة طويلة من الزمن، فسّر نموذج الصفقة الاستبدادية الديناميكيات القائمة في المنطقة، وأسباب مقاومة هذا النموذج للتغيير. ووفقاً لهذا النموذج، توزع  الأنظمة الاستبدادية موارد الدولة بين قمع المعارضين ومكافأة المؤيدين. وقد طبّقت تلك الأنظمة سياسات اقتصادية واجتماعية وجّهت من خلالها المكاسب إلى دوائرها الانتخابية. وكان الناس يتقبلون الاستبداد في مقابل الاستقرار السياسي والرفاه الاقتصادي والاجتماعي.
 
أدّت بعض السياسات، مثل الإصلاح الزراعي وتأميم الممتلكات الخاصة، أو خصخصة الأصول المملوكة للدولة، إلى تغيير التوازن الاجتماعي للسلطة عن طريق تغيير هيكل حقوق الملكية. ومنحت سياسات أخرى تدفقات متكرّرة من المكاسب لجميع السكان (مثل دعم الاستهلاك الشامل، وخدمات الصحة العامة والتعليم المجانية) أو لقطاعات محدّدة (من خلال برامج الرعاية والحماية التجارية، والوظائف المضمونة مدى الحياة لموظفي الحكومات والشركات العامة ، والائتمانات بأسعار فائدة تفاضلية للصناعات، والإعانات السخية المقدمة لكبار المزارعين). ومن أجل تقديم مكاسب للنخبة المتعلمة وسكان المدن، وضمان ولائهم للحكام المتسلطين، أنشأت الأنظمة دولة بيروقراطية كبيرة، واعتمدت  تعاقدات صريحة أو ضمنية لضمان العمل بأجور سخية ومزايا  أخرى غير الأجور. وقد أدّى هذا إلى توسّع كبير في التوظيف في القطاع العام.
 
وفّرت هذه السياسات، ولفترة طويلة، قاعدة اجتماعية قوية لدعم الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية. وفي كل مرة كانت تظهر فيها قيود على الميزانية لتمويل هذه السياسات، سعت الأنظمة إلى عقد مقايضات حذرة للحفاظ على مستوى التأييد الضروري لاستمرارها . واستهدفت تدابير التقشّف قطاعات معينة من السكان، كانت على العموم هي  الأضعف اقتصادياً والأقل قدرة على اسماع مطالبها ً. كما اضطرت بعض الأنظمة الاستبدادية، بين الحين والآخر، لمنح درجة محدودة من الحرية والحقوق السياسية لتجنّب الانتفاضات الراديكالية وضمان بقائها على قيد الحياة.
 
مع ذلك، واجهت الصفقة السلطوية داخل الدول العربية معارضة منذ أيامها الأولى. تمّ تحدّيها من قبل أولئك الذين لم يقبلوا قطّ بنود "الصفقة" ورفضوا مقايضة الحرية بالخبز، ومن قبل الحشود التي نزلت في بعض الأحيان إلى الشوارع للتعبير عن غضبها واستيائها من حكومتها. ردّاً على ذلك، وضع الحكام السلطويون استراتيجيات قمعية لردع المعارضين المحتملين، واحتواء نفوذهم ومعاقبتهم. وقد استخدموا إجراءات استثنائية وأحكاماً قانونية نصّت عليها قوانين ولوائح الطوارئ ومكافحة الإرهاب.
 
حتى وقت قريب، نجح هذا النظام السلطوي إلى حد كبير. وبدا أن الأنظمة العربية تحافظ على مستوى كبير من الاستقرار السياسي وتؤمّن الدعم الكافي لاستمراريتها. وعلى مدى السنوات الست الماضية، توسّعت اقتصاداتها بمعدلات نمو اقتصادي أعلى نسبياً بالمقارنة مع سنوات التسعينات، وبدا أن معظمها تمكّن من الحد من تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية.
 
مع ذلك، أظهرت الانتفاضات الأخيرة أن الاستقرار هو مجرّد واجهة، وشكّكت في أسس الصفقة السلطوية السائدة. ويبدو أن هناك حجتين غير حصريتين تفسّران هذا التحول التاريخي. 
 
أولاً، خرقت الأنظمة السلطوية شروط الصفقة القديمة ولم تقدّم أي بديل موثوق أو مستدام . بدأ كل شيء عندما خفض الحكام المستبدّون، أو توقفوا عن، تقديم المكاسب الاقتصادية لشرائح كبيرة من مؤيديهم التقليديين. فقد حوّلت الأنظمة قاعدتها الاجتماعية الأساسية تدريجياً من جماهير العمال والفلاحين وموظفي الخدمة المدنية إلى أقليّة برجوازية ريعيّة مؤثّرة في المناطق الحضرية ونخبة ريفية من كبار مالكي الأراضي الزراعية. كما قامت ببناء شبكات جديدة للرعاية من خلال الخصخصة وغيرها من السياسات المرتبطة بتحفيز القطاع الخاص.
 
لقد طرح النمو الديموغرافي السريع الذي شهدته الدول العربية خلال عقود الثلاثة الأخيرة والزيادة الهائلة في أعداد المتعلمين العاطلين عن العمل على مدى العقد الماضي معضلات خطيرة على الأنظمة. وعلى رغم أن الحكام نجحوا في تحقيق بعض النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة، فقد استمر التفاوت والإقصاء الاجتماعي في الارتفاع.
 
أدى عجز الأنظمة السلطوية عن شراء الولاء والطاعة لقطاعات كبيرة من السكان، أو تقديم أي بديل عملي إلى تآكل شرعيتها. وفي نهاية المطاف، اختارت حشود الجماهير من مختلف الفئات الاجتماعية  أن تتمرّد على الوضع القائم.
 
تمثّل أول رد فعل من جانب الأنظمة في جميع بلدان المنطقة، بعد بدء الانتفاضات الشعبية، في زيادة الأجور في القطاع العام وتوسيع نطاق الدعم والتحويلات الاجتماعية الأخرى لإعادة الحياة للصفقة القديمة ووضع حدّ للمطالب السياسية الأساسية. وقد تمكنت دولة منتجة للنفط مثل الجزائر، حتى الآن، من ضخّ كمية كبيرة من المال العام في شكل منح اجتماعية وزيادات في الأجور للإبقاء على حياة النظام. وقدّم المغرب، الذي يتمتع بموارد مالية محدودة جداً، بدلاً من ذلك، تنازلات سياسية من خلال إصلاح الدستور والتعجيل بالانتخابات البرلمانية. في مصر وتونس، جرّب الحكام مزيجاً من القمع والمكاسب الاقتصادية والتنازلات السياسية. لكن كلا البلدين فشلا في الصمود في وجه العاصفة، وانهار النظام السلطوي في كل منهما.
 
ثانياً، لم يعد النموذج السلطوي صالحاً لأن الغالبية العظمى من المواطنين لم يعودوا يقبلون بشروط الصفقة. حدثت تغييرات جوهرية في المجتمعات العربية منذ أن استولت الأنظمة الاستبدادية على السلطة. أصبح السكان أكثر عدداً وأصغر سنّا وأكثر تعليماً وتحضّراً. وخلافاً لآبائهم، تحدّى أبناء الأجيال الجديدة، والذين يمثّلون ثلثي مجموع السكان تقريباً، شرعية حكامهم وأصبحوا أكثر راحة في الإشارة إلى إخفاقاتهم. كما أنهم يقدّرون قيمة "الحرية" و"الكرامة" و"العدالة الاجتماعية" أكثر من أي مكاسب اقتصادية يمكنهم الحصول عليها من نظام سلطوي. ولم تعد الحقوق السياسية والمكاسب الاقتصادية التي تم تقديمها في إطار الصفقة السلطوية كافية.
 
من الواضح أن الصفقة السلطوية غير مستدامة. إذ ينبغي أن يؤدّي التحوُّل من النظام السلطوي - إما بشكل منظّم أو عن طريق الاحتجاجات الجماهيرية وإسقاط الحكام الحاليين - إلى قيام نظم سياسية تعددية أكثر شمولاً، مع وجود مساحة في عملية صنع القرار للتنوّع السياسي ومشاركة المجتمع المدني من قبيل النقابات العمالية ومنظمات القطاع الخاص والمنظمات الشبابية.
 
بيد أن التغيير الحقيقي أعمق من مجرد ضمان الانفتاح السياسي. وينبغي أن يكون الهدف هو إصلاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بشكل تنساب آثاره إلى الشرائح المتوسطة والفقيرة من السكان. ومن خلال الانتقال من الاستقطاب والمحسوبية إلى آليات التعيين والترقية في القطاع العام على أساس الجدارة، ينبغي أن تتاح المزيد من الفرص للشرائح ذات التمثيل الناقص من السكان، مثل الشباب والنساء.
يجب أن يكون هناك تحوّل واضح من شرعية تستند إلى الرعاية إلى أخرى عقلانية مبنيّة على المبادئ الدستورية وعلى مؤسسات تنموية واقتصادية تعتمد على الأداء. بدلاً من تقديم مزايا اقتصادية في مقابل الدعم السياسي ، تحتاج الحكومات في المنطقة العربية إلى تصميم حوافز مناسبة على أساس الكفاءة الاقتصادية واعتبارات العدالة الاجتماعية. ولكي يكونوا فعّالين، فإن صنّاع القرار بحاجة إلى التركيز على أربعة ركائز:
 
أولاً، ينبغي أن يعيدوا النظر في سياساتهم المالية، ويستهدفوا وضع نظام أكثر إنصافاً فيه من الضرائب المباشرة أكثر من الضرائب غير المباشرة، ويشمل ضرائب تصاعدية على الدخل، ويحارب الاحتيال والتهرّب الضريبي، ويلغي الإعفاءات غير المبرّرة.
 
ثانياً، يتعيّن على صنّاع القرار وضع سياسة صناعية ملائمة ذات استراتيجية اقتصادية شاملة متوسطة إلى طويلة الأجل. وتحتاج دول المنطقة إلى إصلاح الاختلالات القائمة في سياساتها التجارية وتبسيط خططها الحافزة. وثمّة دروس يمكن أن تتعلمها من التجربة التركية والكورية الجنوبية.
 
ثالثاً، لاستيعاب اليد العاملة المتعلّمة، يجب على صنّاع القرار تصميم حوافز كافية لتوجيه الموارد نحو قطاعات مختارة ذات قيمة مضافة عالية ومعرفة مكثّفة. فقد كانت مساهمة القطاعات الموجهة أكثر نحو التصدير في النمو الاقتصادي محدودة نتيجة لانخفاض قيمتها المضافة، وضعف التكامل في بقية قطاعات الاقتصاد.
 
رابعاً، يتعيّن على صنّاع القرار في المنطقة تعزيز آليات السوق وتعزيز الشفافية من أجل تخصيص الموارد على نحو يتّسم بالكفاءة. ولتحقيق هذا الهدف، فإنهم بحاجة إلى تعزيز صلاحيات الأجهزة القائمة على المنافسة، وتطبيق الأنظمة التي تعزز  مبادئ المنافسة وتحارب الاحتكار والاقصاء من الأسواق.
 
يتعيَّن على الزعماء السياسيين الجدد في العالم العربي القيام بهذه الخطوات إذا كانوا يأملون في استعادة أي مظهر من مظاهر الشرعية في نظر شعوبهم وفي نظر المجتمع الدولي.