على مدى الأسابيع القليلة الماضية، حقّقت جهود المصالحة الفلسطينية تقدّماً بطيئاً، حيث أثار بعض قادة حركة حماس الاهتمام من خلال تبنّي مواقف جديدة. فهم لم يوافقوا فقط على الدخول في عضوية منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي المشاركة في الهيئة التي وقّعت اتفاقات أوسلو مع إسرائيل (وهو الاتفاق الذي عارضته الجماعة منذ فترة طويلة)، لكنهم التزموا أيضاً بـ"المقاومة الشعبية"، التي تمثّل بديلاً للنشاط المسلّح الذي اكتسبت الجماعة من خلاله سمعة غير جيدة على الصعيد الدولي. لكن في مقابل كل خطوة مبدئية من قبل أحد القادة، كان ثمّة تكرار للمواقف السابقة، وأحياناً في شكل مشاكس جداً، من قبل قائد آخر. فما الذي يحدث في الحركة؟ وهل بدأت حماس تنضج؟
 
لا، أو على الأقل ليس بعد.
 
لايزال شطرا السلطة الفلسطينية - أحدهما في الضفة الغربية بزعامة حركة فتح والآخر في غزة بزعامة حركة حماس - منقسمَيْن بشدّة، لكن يبدو أن الحركات السياسية التي تسيطر على كل شطر تأخذ جهود المصالحة على محمل الجدّ. وما من شك في أنهما جرّبتا مختلف أنواع الجهود لسنوات، لكن على مدى الأشهر القليلة الماضية ثمّة مؤشّرات توحي بأن القادة الرئيسيين في الحركتين يحاولون وضع المصالحة على رأس قائمة الأولويات.
 
تبدو النجاحات الملموسة التي تم تحقيقها على صعيد المصالحة الفلسطينية حتى الآن ضئيلة بالفعل، بيد أن لهجة المناقشات الفلسطينية العامة شهدت تحوّلاً ملحوظاً، على الرغم من أنه يبدو أنها تتقلّب من يوم لآخر بين الكلام المهدئ عن الوحدة وبين الاتهامات الغاضبة بالازدواجية والنفاق. ومهما تكن نتائج هذه الجولة من جهود الوحدة، فمن غير المرجّح أن تنتهي صلاحية فكرة المصالحة في وقت قريب، لأن البدائل الوحيدة المتوفّرة (استمرار دبلوماسية حلّ الدولتين بالنسبة إلى حركة فتح و"المقاومة" والتخندق في غزة بالنسبة إلى حماس) قد أخذت مجراها في الوقت الحاضر.
 
وبالتالي، وعلى الرغم من أن الخطوات الأخيرة التي قامت بها حماس تبدو هامة، فإنها لاتمثّل أي التزام واضح بمسار مختلف، حيث أن كل خطوة تركت بوابة الهروب مفتوحة على مصراعيها. بيد أن قادة حماس بدأوا بإشراك الحركة في سلسلة من العمليات لايسيطرون عليها بشكل كامل، حيث إن إدماج حماس في الدبلوماسية الإقليمية نتيجة منطقية ومرغوبة (على الرغم من أنها لاتزال محفوفة بالمخاطر).
 
ما التدابير التي اتخذتها حركة حماس الآن، وكيف تُلزِم الحركة بتغيير لارجعة فيه؟
 

الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية

أولاً، اتّفقت حركة حماس مع حركة فتح على الدخول في عضوية منظمة التحرير الفلسطينية، وهي الهيئة التي تمثّل - في نظر كثير من الفلسطينيين فضلاً عن العديد من الإعلانات الدولية – الممثل "الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني". فمنظمة التحرير الفلسطينية هي الجهة التي وقّعت اتفاقات أوسلو، وهي التي تتصرف على المستوى الدبلوماسي نيابة عن الفلسطينيين. ويترأس المنظمة حالياً محمود عباس زعيم حركة فتح. ومن خلال دخولها في عضوية منظمة التحرير الفلسطينية، هل تعطي حماس إشارة على قبولها لاتفاقات أوسلو وزعامة عباس؟
 
في الواقع لا. إذ اتفقت حماس وخصومها دائماً على ضرورة أن تكون حماس جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية من حيث المبدأ، على الرغم من أنهم لم يواجهوا قطّ الجوانب العملية لمثل هذه الخطوة وجهاً لوجه. لم تكن حماس ترغب في الانصياع لقرارات منظمة التحرير الفلسطينية، وظلت الفصائل المهيمنة في منظمة التحرير الفلسطينية تشعر بالقلق إزاء احتمال أن تتفوّق حماس عليها. وبالتالي، فقد كانت المحادثات الدورية حول كيفية دمج حماس قوية بشأن اتفاقات غامضة، لكنها تعثّرت دائماً بشأن التفاصيل. في العام 2005، وكجزء من اتفاق أشرك حماس في الانتخابات البرلمانية، وافقت الفصائل الفصائل السياسية الفلسطينية (بما في ذلك فتح وحماس) في القاهرة على وضع خطوات لإدخال حماس في عضوية منظمة التحرير الفلسطينية، لكن هذا الاتفاق لم ينفّذ أبداً. ومنذ الحرب الأهلية التي جرت بين حماس وفتح في العام 2007، أشارت مقترحات المصالحة المختلفة إلى اتفاق القاهرة، بيد أن أياً منها لم يُضْفِ قيمةً على تعهّد لم يُنفَّذ.
 
دفع إحياء جهود المصالحة في العام 2011 الأمور قدماً أكثر قليلاً. إذ اتفقت الفصائل الفلسطينية على تشكيل هيئة مخصّصة تضمّ جميع الفصائل لتنسيق الشؤون الفلسطينية واتخاذ القرارات بصورة مشتركة، في حين تعمل الفصائل سويّة على بناء منظمة تحرير معدّلة وشاملة. وهي تدّعي أن الهدف هو إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، المجلس الذي صُمِّم لتمثيل الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم، وهيئة الرقابة الخاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية. غير أنه من غير الواضح كيف سيتم بناء منظمة تحرير شاملة، كما أن إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، في حين لايمكن تعويضه سياسياً، مستحيل من الناحية العملية. على سبيل المثال، بدأ المسؤولون الفلسطينيون يتأقلمون للتو مع واقع أن الفلسطينيين الذين هم من مواطني إسرائيل أو الأردن لن يسمح لهم - أو يجرؤوا على ذلك - بالتصويت من دون المساس بمواطنتهم المحلية.
 
في هذه الأثناء، وهذه فترة يمكن أن تكون طويلة جداً في الواقع، اتفقت الفصائل فقط على صيغة لصنع القرار الجماعي يتمتع جميع الممثلين البارزين فيها بحق النقض (الفيتو). كما أن تفعيل هذه الهياكل لايتطلّب قبول اتفاقات اوسلو أو حتى سلطة عباس، كما أوضحت حماس عندما انتقدت قرار عباس، النابع من إحساسه بالواجب، الخاص بحضور اجتماع مع مفاوضين إسرائيليين في الأردن برعاية اللجنة الرباعية الدولية في مطلع كانون الثاني/يناير الجاري.
 
وبالتالي، فإن الموافقة على الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية يُبقي على ثغرات هائلة ولايلزم حماس بالكثير من الأشياء. وفي الواقع، أصرّ قادة حماس على أنهم لم يقبلوا اتفاقات أوسلو ولن يقبلوا بشرعية إسرائيل.
ومع ذلك، سمحت حماس لنفسها بأن تُوَجَّه في اتجاه واضح لاتخاذ القرارات بتوافق الآراء. إصرار الحركة على أنها لن تعترف بإسرائيل ينطوي على ثغرات، لأن الأحزاب والحركات السياسية ليست هي الجهات الفاعلة ذات الصلة بالنسبة إلى الاتفاقات الدولية أو للاعتراف بالدول، وهي نقطة يتم طرحها في كثير من الأحيان في المناقشات الداخلية الفلسطينية من قبل مَن يسعون إلى إقناع حماس بالعودة إلى الحظيرة. ويقول هؤلاء إن حماس ليست بحاجة إلى التخلّي عن مبادئها، بل عليها فقط قبول سلطة المؤسسات الفلسطينية التي ستوقّع الاتفاقات ذات الصلة واتخاذ الخطوات اللازمة. ولايُطلَب من حماس في هذا الصدد أكثر مما طُلِب من حركة فتح عندما تم التوقيع على اتفاقات أوسلو، إذ لم تنقّح فتح وثائقها على الفور لتعكس دعمها للاتفاقات مع إسرائيل عندما وقّع قادة منظمة التحرير الفلسطينية من الحركة الاتفاقات. ولم يُطلَب من حزب ليكود بشأن هذه المسألة تغيير برنامجه من معارضة الاتفاقات إلى دعمها أو توضيح التصريحات المراوغة التي أدلى بها قادته قبل خوضهم الانتخابات في مرحلة مابعد أوسلو.
 
باختصار، شرع قادة حماس ممَّن قادوا الحركة في جهود المصالحة في عملية من شأنها أن تسمح بإدراج حماس كجهة دبلوماسية فاعلة تخضع إلى الهياكل الفلسطينية الرسمية. في المقابل، سيكون للحركة رأي في تلك الدبلوماسية ودور في تلك الهياكل. وقد أكّد القادة التزامهم بالعملية بشدة وبإصرار (حيث أشار خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس، إلى ذلك مؤخراً بوصفه "ولادة ثالثة" لمنظمة التحرير الفلسطينية في أعقاب تأسيسها أصلاً من قبل جامعة الدول العربية في العام 1964 واستيلاء فصائل فلسطينية محلية على المنظمة في العام 1969) إلى درجة يصعب معها تناسي إخلاصهم الجديد للمنظمة.
 

احتضان المقاومة الشعبية

تتمثّل الخطوة الثانية لحماس في قبول "المقاومة الشعبية" ووقف إطلاق النار مع إسرائيل من جانب واحد. هذه الخطوة هامة في الواقع، ولكن لجهة الإمكانية التي توفّرها لحماس كي تتطور في المستقبل أكثر من أي إشارة إلى أن الحركة قد اتّخذت أي خطوات لارجعة فيها.
 
إن الحديث عن المقاومة الشعبية ليس دليلاً على أن قادة حماس قد قرأوا غاندي. فأولاً، أوضح قادة حماس أنهم مازالوا يعتبرون العمل المسلّح وسيلة شرعية، لابل ألمحوا إلى أن وقف إطلاق النار لايعني نهاية المحاولات المبذولة لخطف جنود إسرائيليين من أجل فرض تبادل لسجناء فلسطينيين جرى استبعادهم من الصفقة الأخيرة لإطلاق جلعاد شاليط. يومها، أفرجت إسرائيل عن أكثر من 1000 سجين فلسطيني في مقابل شاليط، الجندي الإسرائيلي الذي كانت حماس تحتجزه منذ أكثر من خمس سنوات.
 
ثانياً، هذه الخطوة في الابتعاد عن العنف لاتفتح الكثير من الآفاق الإيديولوجية الجديدة. فقادة حماس لم يرفضوا أبداً فكرة وقف من نوع ما للعمل المسلّح من حيث المبدأ، وتوقّفوا عن إطلاق النار لفترة طويلة.
 
أخيراً، المقاومة الشعبية ليست مثل اللاعنف تماماً، على الرغم من وجود تداخل كبير بين الإثنين. وعندما يتحدث الفلسطينيون عن المقاومة الشعبية فإنهم غالباً مايفعلون ذلك لتمييزها عمّا يسمونها "عسكرة" الانتفاضة الثانية. وأحياناً يفعلون ذلك ليتذكّروا بحنين الانتفاضة الأولى، والتي تميّزت بالإضرابات والتظاهرات وتأسيس المنظمات الشعبية، واقتصرت إلى حدّ كبير على مستوى منخفض نوعاً ما من العنف، مثل إلقاء الحجارة. المقاومة الشعبية تشمل المجتمع بأسره بالمشاركة في الجهد بدلاً من السماح لعدد قليل من المقاتلين الأشدّاء بالسيطرة على المجال السياسي.
 
تلك خطوة أيّدتها حماس الآن. وهي تحظى بصدى واسع داخل المجتمع الفلسطيني الذي لايزال مصدوماً ومنهكاً من الانتفاضة الثانية، ولدى الجمهور العربي الأوسع الذي لايزال مذهولاً بسبب إنجازات الحشود الجماهيرية التونسية والمصرية في مواجهة الطغاة. هذه المقاربة تعزف أيضاً على وتر ماترى حماس أنه مصدر قوتها: انخراطها العميق مع المجتمع الفلسطيني.
 
من غير الواضح ماهو الشكل الذي ستتّخذه المقاومة الشعبية أو حتى ما إذا كان سيكون هناك أي تصعيد للنشاط السياسي الجماعي من جانب الفلسطينيين بأي حال من الأحوال. وقد شهدت محاولات جرت خلال العام الماضي لإنطلاق موجة جديدة إنجاز نجاحات متقطّعة، لكنها غير مستمرّة. ماهو أكثر وضوحاً حتى الآن هو أن الشعار أصبح واحداً وتودّ جميع الجهات السياسية الفلسطينية الفاعلة تقريباً في أن تدعيه لنفسها.
 
ومن ثم فإن تبنّي حماس المقاومة الشعبية لايلزم الحركة بإجراء أي تغيير دائم في تنظيمها أو إيديولوجيتها، لكنه يسمح لها بالاستفادة من تيارات أوسع في الرأي العام الفلسطيني والعربي. وكما هو الحال مع انضمامها إلى منظمة التحرير الفلسطينية، فقد أدى هذا التبني إلى تغير ملحوظ في لهجة الخطاب، لكنه لم يرتبط بعد بأي خطوات ملموسة، إما بالنسبة إلى الحركة أو بالنسبة إلى الأشخاص الذين يفترض الآن أنهم يتولّون القيام بدورهم المباشر في النضال الوطني.
 

خلافات لا انقسامات

أربكت تحركات حماس في كل من هذه المجالات مراقبي الحركة، لأنه يبدو أن قادتها يُطلِقون رسائل متناقضة. فحماس ترغب في الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وهي تعتبر المصالحة مع حركة فتح "خياراً استراتيجياً" وليست مجرد مناورة على المدى القصير، ويؤكّد قادتها على ضرورة أن تضع الفصائل الفلسطينية المختلفة برنامجاً سياسياً مشتركاً، وهم يدّعون أن المقاومة تحتاج إلى التأكيد على المشاركة الشعبية والتقليل من أهمية العمل المسلّح، ولكن حماس لن تغيّر رؤيتها أو تتخلّى عن الكفاح المسلّح.
 
لماذا يتم إطلاق مثل هذه الإشارات المربكة؟ بالنسبة إلى حركة لديها العديد من الفصائل مثل حماس، لاينبغي أن تكون هذه الإشارات المتضاربة مفاجئة. ويبدو أن القيادة الخارجية بصفة عامة كانت القوة الدافعة وراء بعض التحركات الجديدة، حيث يلعب خالد مشعل على وجه التحديد دوراً قيادياً. ينبغي أن يكون هذا متوقّعاً. فمنظمة حماس مبعثرة جغرافياً، حيث يوجد مقرّ أعلى هيئة فيها لاتخاذ القرارات في غزة وفي دمشق – على الرغم من أن الأحداث الأخيرة هناك ترغمها على البحث عن أماكن بديلة – وهناك زعماء آخرون في الضفة الغربية، وفي السجون الإسرائيلية، وأماكن في جميع أنحاء العالم العربي. من وجهة نظر هذه القيادة الخارجية، تشير التحدّيات الإقليمية، مثل عدم استقرار النظام السوري، والفرص المتاحة، بما فيها صعود الإسلاميين في مصر، بل في جميع أنحاء شمال أفريقيا، إلى أن هذا قد يكون الوقت المناسب للتشكيك في الجمود الذي ساد على مدى السنوات القليلة الماضية.
 
ثمّة آخرون، مثل عناصر الجناح العسكري، يرجّح أن يكونوا متشكّكين في محاولات الابتعاد عن العمل المسلح وحذرين من احتمال أن يتم توريطهم في العمليات الدبلوماسية. وترى الحكومة في غزة الآن أنها تتحمّل مسؤولية (ينبغي أن يضاف أنها تقول ذلك بحبور) إدارة شؤون أكثر من مليون فلسطيني، وهي ربما تخشى بأن يتم إعطاء مشاغلها الاهتمام الكافي.
 
حماس ليست جديدة على تجربة التوتّرات الداخلية والخلافات؛ حيث لاحظ المراقبون حالات سابقة أطلق فيها مختلف القادة رسائل بلهجات ومحتوى مختلف بشكل لافت للنظر. ومع ذلك لم يؤدّ هذا في أي مناسبة إلى مايشبه الانشقاق في الحركة، حيث يظل القادة دائماً ضمن حدود مواقف حماس المعلنة، التي تدفعهم في الاتجاه الذي يرغبون فيه من دون كسر انضباط الحركة. وغالباً ماتُظهِر حركات الإخوان المسلمين في جميع أنحاء المنطقة (تعود جذور حماس إلى العناصر الفلسطينية في جماعة الإخوان) نمطاً مماثلاً في وضع الخطوط التوجيهية العامة للسياسة التي تتفرّع في اتجاهات متعددة ومن ثمّ تسمح للنزعات المختلفة داخل التنظيم بسلوك صيغ مختلفة قليلاً عن الأجندة المشتركة.
 
ربّما سيكتشف الذين ينتظرون أن تتّخذ حماس خطوات رسمية وغير قابلة للتغيير لقبول إسرائيل أو التخلّي عن العنف (إشارة إيديولوجية نهائية) أن ذلك سيحدث فقط في وقت ما (على الأرجح بعد سنوات عدة) بعد حدوث تحوّل حقيقي في سلوك الجماعة. وبالنسبة إلى حركة مثل حماس، وهي التي تفخر بالتمسّك بالمبادئ العامة الثابتة، في حين أنها أيضاً عملية جداً ومرنة في تطبيق تلك المبادئ، غالباً ماتكون التنازلات الإيديولوجية الرسمية المرحلة الأخيرة من تطور الحركة. بهذه الطريقة، فإن الجماعة مشابهة للحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني (الذي ألغى الماركسية من برنامجه في العام 1959، بعد مرور عشر سنوات على بدء الحرب الباردة) أو الحركة التصحيحية في إسرائيل (التي كان النسيان قد طوى مطالباتها بالأردن منذ فترة طويلة عندما تم التخلّي عنها رسمياً).
 
وحتى إذا اتّخذت حماس خطوات الآن، فمن المرجّح أن تكون غامضة ويمكن التراجع عنها، وإنكارها إيديولوجياً. فهل تتّخذ الحركة أي خطوات من هذا القبيل بأي حال من الأحوال؟
 

رحلة غامضة

تتّخذ حماس خطوات واضحة ملمّحةً إلى حدوث تغييرات في مواقفها ومكانتها في الحياة السياسية الفلسطينية، لكن من المبكّر جداً القول إنها تدابير لارجعة فيها. فالحركة لازالت تحاول أن تكون الحكومة والمقاومة، ووكيل الإصلاح، وحتى المعارضة الموالية في بعض الأحيان، كل ذلك في الوقت نفسه، من دون إيجاد حلّ للتأثيرات المتناقضة لهذه المهمات. غير أن تحركاتها في الآونة الأخيرة قد تطلق عمليات، تؤدّي على المدى الطويل، إلى إيقاع الحركة - عن طيب خاطر ولكن بشكل لالبس فيه - في شرك قرارات وهياكل من شأنها إعادة تكوينها.
عملية المصالحة، على سبيل المثال، قد تجعل من الممكن إحياء سلطة فلسطينية أكثر وحدة، وإن أقلّ تماسكاً. لن يكون تأثير مثل هذه الخطوة كبيراً على المدى القصير: من المرجّح أن تواصل حماس السيطرة على قطاع غزة وتسيطر فتح على الضفة الغربية. لكن قد يتم تعيين حكومة جديدة من التكنوقراط سيضطر كلا الجانبين إلى الاعتراف بها.
 
من الممكن، وإن لم يكن من المحتّم، أن يستأنف المجلس التشريعي الفلسطيني اجتماعاته، وهو البرلمان الذي انتخب في العام 2006 ولم يجتمع منذ نحو خمس سنوات. ومن شأن مثل هذه الخطوة أن يكون لها بعض التأثير على حماس. فنوابها يملكون غالبية واضحة في المجلس، ولكن قسماً كبيراً من القيادات البرلمانية يضغط في اتجاهات مختلفة عن بقية الحركة. على سبيل المثال، الضفة الغربية ممثّلة في المجلس بشكل أكثر وضوحاً، وأظهر رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، عزيز الدويك، نوعاً من الاستقلالية، ملمّحاً إلى أنه في بعض الأحيان يعتقد أن مسؤولياته بصفته رئيس المجلس تفوق انتماءه الحزبي. ومع إحياء هيئة تشريعية موحّدة، لن يعود بمقدور حماس الحكم بموجب المراسيم بشكل كامل في غزة.
 
تمّ بالفعل تعيين لجنة انتخابات جديدة. بالطبع، لاتزال تلك الانتخابات تواجه عقبات كثيرة، حيث يورد شطرا السلطة الفلسطينية قوانين انتخابية مختلفة، ويدعو اتفاق المصالحة لأن تتزامن انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني مع انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني غير العملّية؛ ويمكن لإسرائيل أن تمنع التصويت بصفة عامة وتمنعه تماماً في القدس.  لكن حركتي فتح وحماس قد تجدان أن ملاحظاتهما الساخرة المستمرة واتّهامات إحداهما للأخرى بأنها تخشى الانتخابات قد تؤدّي فعلاً إلى الاقتراع في يوم من الأيام إن لم تكونا أكثر حذراً.
 
أخيراً، وفي سياق مزاج أثار الفضول والاستغراب في بعض الأوساط العربية، ولكنه لم يحظَ عملياً بأي اهتمام عالمي، قرّرت حماس بناء تنظيم كامل لجماعة الإخوان المسلمين. كانت حماس تقدّم نفسها دائماً على أنها من أصول إخوانية. ولكن من وجهة نظر التنظيم الدولي الضعيف - في الواقع لاصلة له بالموضوع تقريباً - لجماعة الإخوان، كان هناك تنظيم واحد هو الذي امتدّ فوق ضفتي نهر الأردن. بعد وقت قصير من انتصار حماس الانتخابي في العام 2006، بدأت قيادة حماس الخارجية خطوة فكّ الارتباط رسمياً بين الحركتين الأردنية والفلسطينية، وهي عملية معقّدة تم إكمالها أخيراً. والآن تريد حماس التحرك خطوة إضافية عن طريق إنشاء جماعة إخوان فلسطينية بصورة رسمية.
 
لاتزال الآثار المترتّبة على مثل هذه الخطوة غير واضحة تماماً. حتى الآن، تم فقط الإعلان عن القرار بحدّ ذاته، بيد أن لها ثمّة ثلاثة ارتدادات هامة على المدى الطويل: أولاً، يمكن أن تؤدّي الخطوة إلى تحويل التركيز بين الإسلاميين الفلسطينيين. فهويّة حماس - بل اسمها في حدّ ذاته – أكّدت على "المقاومة". لكن تنظيمات الإخوان تصوّر نفسها على أنها شاملة، وذات أبعاد دينية وشخصية واجتماعية وتعليمية وخيرية وسياسية. ثانياً، يمكن لسلسلة القيادة داخل التنظيم أن تتحوّل. فقد ينتقل خالد مشعل، على سبيل المثال، من كونه رئيساً للمكتب السياسى للحركة ليصبح "المشرف العام" على جماعة الإخوان الفلسطينية، وهو منصب قد يكون أكثر سيطرة. وثالثاً، قد تسعى جماعة الإخوان الفلسطينية لا إلى مجرّد تشكيل الهيكل ولكن أيضاً إلى تقليد سلوك الحركات الإسلامية الناجحة في شمال أفريقيا، التي حقّقت نجاحاً انتخابياً كبيراً من خلال التأكيد على الإصلاح السياسي التدريجي والخطاب المهدّئ.
 

دوافع حماس واستجابات الآخرين

بينما لاتزال وجهة حماس ملتبسة إلى حدّ كبير، يبدو دافع قادتها للإقدام على المضي في هذا المسار أكثر وضوحاً. فهم يسعون إلى وضع الحركة إقليمياً في موضع تكون قادرة فيه على الاستفادة الكاملة من التغييرات في مصر وصعود الإسلاميين بشكل عام، وكذلك التعامل مع تفكّك النظام السوري الذي استضافهم لفترة طويلة. كما توفّر المصالحة إمكانية معاودة الظهور في الضفة الغربية حيث اضطر جزء كبير من الحركة - بقسوة أحياناً – إلى الدخول في سبات منذ العام 2007.
 
قد تكون حكومة الحركة في غزة - والتي تمارس السلطة على نحو فعّال للغاية على أرض الواقع لكنها لاتزال معزولة دولياً - قادرة على مواصلة عملية فتح النوافذ الدبلوماسية والاقتصادية التي ظلت مواربة على مدى العام الماضي. كما ستحصل حماس على صوت في عملية صنع القرار الفلسطيني، وعلى ماقد يصل إلى حدّ التمتّع بحق الاعتراض (الفيتو) على الدبلوماسية الدولية إلى جانب الإنكار. وبعبارة أخرى، فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيكون قادراً على مواصلة جهوده الدبلوماسية إما فموافقة حماس الضمنية أو المخاطرة بأن يعتبر مسؤولاً عن كسر برنامج الإجماع الوطني. وإذا ماكانت حماس ترغب (ومن المؤكّد أنها ترغب)، فإن في وسعها السماح لعباس بمواصلة جهوده الدبلوماسية مع عدم ارتباطها مباشرة بتلك الجهود.
 
هل هذا شيء يتعيّن تشجيعه دولياً؟ مامن شك في أن هناك تكاليف كبيرة. أولاً، سيكون من الصعب الاستمرار في دبلوماسية جدّية تنهي النزاع، في محيط مُنِحت فيه حماس صوتاً قوياً. لكن لن تتم إزالة أساس حلّ الدولتين تماماً. من جانبها تركت حماس الباب مفتوحا قليلاً من خلال الإشارة إلى استعدادها لقبول قيام دولة على أساس حدود العام 1967. إنها رفضت فكرة أنها ستعترف بإسرائيل، لكن، كما سبق القول، فإن السؤال المناسب هنا هو ما إذا كانت الحركة ستقبل قراراً فلسطينياً بالاعتراف بإسرائيل باعتباره ملزماً، وليس عما إذا كانت ستغيّر إيديولوجيتها. وبالمثل أظهرت إسرائيل أحياناً استعدادها للتفاوض بشكل غير مباشر مع حماس.
 
لكن إذا كانت دبلوماسية حلّ الدولتين ممكنة من الناحية النظرية، فإنها لن تكون مرجّحة. إذ غالباً ماتكون عملية اتخاذ القرارات بتوافق الآراء، كما يقترح الفلسطينيون، وصفة للشّلل. من جانبها، أبدت الحكومة الإسرائيلية الحالية كل الاهتمام في الحفاظ على علاقات سليمة مع الولايات المتحدة، لكنها لم تظهر اهتماماً في التوصّل إلى حلّ الدولتين على النحو المتوخّى دولياً على مدى العقد الماضي. وحتى لو كان الفلسطينيون والإسرائيليون قادرين وعلى استعداد لذلك، يبدو من الصعب أن تكون الولايات المتحدة، التي تعرقلها تشريعاتها، وسياسة سنة الانتخابات، ولهجة الصّمَم الصادمة إزاء السياسة الداخلية الفلسطينية، في وضع يمكّنها من رعاية مفاوضات قابلة للحياة.
التكلفة الثانية ستتمثّل في تخندق حركة حماس. فمنذ انتصار الإسلاميين في الانتخابات العام 2006، قادت الولايات المتحدة الجهود الدولية الرامية إلى تهميش وطرد وعزل وهزيمة الحركة. ولذا فإن قبول المصالحة الفلسطينية سيكون بمثابة اعتراف بالفشل.
 
مع ذلك، ينبغي النظر إلى الاعتراف بأن "عملية السلام" وصلت إلى طريق مسدود في شكلها الحالي وأن حماس لاعب سياسي لامفرّ منه، باعتباره اعترافاً طال انتظاره بالحقائق السياسية الصعبة لابصفنه تكاليف باهظة يتعيّن دفعها. إذ ليس لدى حكومة الولايات المتحدة أي حماسة أو أدوات لازمة لمعالجة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في الوقت الحاضر. ومن ثمّ فإن المردود المحتمل بالنسبة إلى واشنطن، هو أن هذا التحوّل سيشمل تلقائياً جزءاً من إدارة الصراع، ونظاماً سياسياً فلسطينياً تهيمن عليه حركتان ترغبان في الوقت الحالي في تجنّب نشوب صراع مع إسرائيل؛ وهذا قد يعطي الولايات المتحدة المهلة التي تحتاجها.
 
تمثّل استعادة هيكلية صنع القرار الفلسطيني، وعلى الرغم من أنها لايرجّح أن تؤدّي إلى أي انفراج في المدى القصير، شرطاً ضرورياً لأي دبلوماسية قابلة للحياة في المستقبل.
 
في أحاديث لي مع بعض المسؤولين الذين انخرطوا في الدبلوماسية الإسرائيلية - الفلسطينية في عامي 2005 و2006، أدهشني العدد الكبير - خصوصاً على الجانب الأوروبي، ولكن حتى بين بعض المسؤولين الأميركيين - ممَّن يرون ردّ الفعل على فوز حماس بمثابة خطأ تكتيكي. فبدلاً من ردّ فعل يأتي عن طريق الضغط على الحركة في لحظة أصبحت تمتلك فيها، للمرة الأولى، نصيباً من المسؤولية السياسية وشيئاً تخسره، تمثّل ردّ الفعل الدولي في سحقها. 
 
إن اتّخاذ موقف حذر بدلاً من موقف عدائي عندما يتعلّق الأمر بالمصالحة الفلسطينية وخطوات حماس الصغيرة نحو التغير التطوّري لن يمحو أخطاء العقد الماضي. إلا أن ذلك قد يضع الأساس للتعافي منها في نهاية المطاف.