على مدى العام الماضي، كانت طريق مصر نحو التحوّل السياسي وعرة ومربكة وتسترشد بخريطة الطريق التي وضعها االمجلس الأعلى للقوات المسلحة في الدستور المؤقت الذي أعلنه من جانب واحد يوم 30 آذار/مارس من العام الماضي. لكن يبدو أن الجنرالات الذين يتولون قيادة البلاد وصلوا يوم 18 كانون الثاني/يناير، إلى عقبة من سخريات القدر أنه تم تثبيتها في الإطار القانوني المؤقت الذي وضعوه هم أنفسهم. ففي حكم أوّلي مستغرب - يُتوقّع أن يتم الانتهاء منه بحلول نهاية الأسبوع - أبطلت المحكمة الدستورية العليا أجزاء من قانون الانتخابات الرئاسية الذي كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة على وشك إصداره بمرسوم.

فما الذي فعلته المحكمة الدستورية العليا عندما أصدرت حكمها ضد قانون لم يصدر بعد؟ وإلى أي مدى يمكن أن يشكّل هذا الحكم عقبة في طريق أجندة الجيش؟

أخذت المحكمة الدستورية العليا على عاتقها دوراً استثنائياً من نواح عدة، لكنه ليس متطفّلاً. فبطريقة خفيّة، ربما تكون المحكمة قد أوضحت بالفعل بعض الالتباسات العالقة حول الإطار القانوني المؤقت في مصر، والتي تركت من دون حلّ في الإعلان الدستوري العام الماضي. ولكي نفهم لماذا تم ذلك، يتعيّن علينا التمحيص قليلاً في الحكم وفي السياق القانوني الذي صدر فيه.

في إطار مراجعتها لدستورية مشروع القانون الذي ينظّم إجراءات ومتطلبات أهليّة المرشح للانتخابات الرئاسية، الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كانت اعتراضات المحكمة فنية أكثر منها موضوعية. فالقانون المقترح من المجلس الأعلى للقوات المسلحة يعدّل 15 مادة من القانون الرقم 174/2005 الذي ينظّم الانتخابات الرئاسية. وقد تم انتقاد هذا القانون بصورة مبرّرة بسبب توطيده سلطة حسني مبارك وفرص إعادة انتخابه من خلال تشكيل لجنة للانتخابات الرئاسية مليئة بالموالين للحكومة وبمنأى عن رقابة السلطة التشريعية أو القضائية. ووفقاً لتقارير صحافية واسعة، فإن المحكمة الدستورية العليا، ومن خلال حكمها الذي صدر في 18 يناير/كانون الثاني، طعنت في صلاحية مشروع القانون الذي اقترحه المجلس الأعلى للقوات المسلحة استناداً إلى قاعدتين فنيتين:

الأولى، أن المحكمة رفضت ما نصّ عليه مشروع القانون من أن رئاسة لجنة الانتخابات الرئاسية، التي ترأسها في البداية رئيس المحكمة الدستورية العليا، يجب أن تنتقل إلى رئيس محكمة استئناف القاهرة إذا كان يتعيّن استبدال رئيس المحكمة الدستورية العليا. وقالت المحكمة الدستورية العليا في حكمها أن هذا الحكم يخالف مواد الإعلان الدستوري في 30 آذار/مارس، الذي أشار إلى أن رئاسة اللجنة يجب أن تؤول الى أكبر نواب رئيس المحكمة الدستورية العليا سناً.

الثانية، وجدت المحكمة أن مشروع قانون المجلس الأعلى للقوات المسلحة تجاوز صلاحيات لجنة الانتخابات الرئاسية أو غامر بما يتجاوز نص الدستور المؤقت في مجالات عدة: التوسّع في شروط أهليّة المرشح المحدّدة سلفاً بواسطة إعلان 30 مارس، وفرض توثيق الـ 30.000 توقيع المطلوبة لاستيفاء شروط الأهليّة، ووضع تعريف أكثر تقييداً للجنسية المصرية، والموافقة على فترة تصويت مدتها يومان (الأمر الذي كان ينبغي أن يُترَكَ للجنة الانتخابات الرئاسية).

فما الذي دفع المحكمة الدستورية العليا إلى مراجعة قانون لم يصدر بعد؟ المحكمة لم تمارس أبداً تقريباً مراجعة مسبقة، حيث كان عملها الدستوري يقتصر إلى حد كبير على مراجعة القوانين بعد صدورها. لكن هذا لم يكن انتزاعاً للسلطة من قبل المحكمة، بل العكس تماماً. إذ كُلّفت المحكمة الدستورية العليا تحديداً، بواسطة الإعلان الدستوري في البلاد، بإعادة النظر في مشروع القانون قبل أن يصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وتم منحها دوراً مماثلاً في العام 2007، عندما طُلِبَ إليها مراجعة مشروع القانون بشأن الموضوع نفسه. فلماذا تنازل الرئيس المصري المخلوع وجنرالاتها الحاكمون عن مثل هذا الواجب الهام لمحكمة ليست تحت سيطرتهم الكاملة؟

على الرغم من أن الأمر قد يبدو وكأنه تنازل للسلطة القضائية، فإن منح المحكمة الدستورية العليا السلطة لاستخدام حق النقض الاستباقي ضد مشروع القانون، سوف يحول بالفعل دون شن هجوم أكثر ضرراً على شرعية السلطة التنفيذية في المستقبل. وكما فعل مبارك سابقاً، فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يريد، وبأي ثمن، تجنّب قيام المحكمة الدستورية العليا بإلغاء مثل هذا القانون بعد انتخاب الرئيس. ومثل هذا الحكم بعد وقوعه سوف يخلق على الفور بلبلة وفراغاً في القيادة. وقد كان ثمّة سبب للاعتقاد بأن المحكمة الدستورية العليا قادرة على القيام بمثل هذه الخطوة، لأنها ألغت في وقت سابق القوانين التي تم بموجبها انتخاب البرلمانات الحالية، ما اضطر السلطات إلى أن تضع قوانين جديدة وبالتالي انتخاب برلمانات جديدة فوراً.

لذلك فإن ما قد تبدو وكأنها لعبة سلطة وقائية من قبل السلطة القضائية، كانت في الواقع نتيجة لمناورة مدبّرة من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة لمنع حصول طعن أكثر خطورة في الصلاحيات القانونية في المستقبل.

على الرغم من حقيقة أنه تم التنبؤ بحكم المحكمة الدستورية العليا، وبتفويض من الدستور المؤقت للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، فقد كان القرار، مع ذلك، محرجاً لكلا الطرفين. فعلى مدى السنة الماضية، تم التشاور مع أعضاء المحكمة بصورة واسعة بشأن المسائل القانونية والدستورية المرتبطة بالعملية الانتقالية. والأدلة على حصول مشاورات واسعة بين السلطة القضائية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة كثيرة. فقد تورط بعض أعضاء المحكمة الدستورية العليا في مساعدة المجلس الأعلى للقوات المسلحة في صياغة إعلاناته الدستورية، وأشار جنرالات المجلس الأعلى للقوات المسلحة في بعض الأحيان إلى النصائح التي تلقوها من قضاة المحكمة الدستورية العليا لإضفاء الشرعية على ممارساتهم، واتّخذ بعض القضاة مواقف علنية تساند تعامل الجيش مع المرحلة الانتقالية. وبما أن بعض القضاة يمثّلون طرفاً لاعباً بشكل جزئي، ولكن ليس المحكمة بكامل هيئتها، يصبح غريباً بعض الشيء أن تكون المحكمة الدستورية العليا هي الجهة التي تحكم في القضايا التي تورّط فيها بعض أعضائها.

مهما يكن الموقف الذي اتخذه القضاة الأفراد، ومهما تكن التعقيدات التي قد تكون المحكمة الدستورية العليا تسببت فيها للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بإرغامه على إعادة النظر في القانون، ربما يكون الحكم الذي صدر يوم 18 يناير/كانون الثاني نعمة حقيقية بالنسبة للجنرالات. فحتى الآن، كان سلوكهم الدستوري مربكاً، بحيث خاطر بترك مصر في نوع من الفراغ. وعندما أكّد الجنرالات سيطرتهم عليها في شباط/فبراير، فإن أول ما قاموا به هو تعليق الدستور، وتركوا البلاد في منطقة فارغة دستورياً. ومن ثَمّ طلبوا من إحدى اللجان وضع عدد محدود من التعديلات على دستور العام 1971؛ وقيل لأعضائها بألا يحاولوا إعادة كتابة الوثيقة بأكملها. بعدها قُدّمت التعديلات المقترحة في استفتاء في مارس/آذار الماضي. وبعد موافقة الناخبين بأغلبية ساحقة على حزمة التعديلات، بدلاً من إعادة دستور 1971 وتعديلاته إلى ما كان عليه، قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بما منع اللجنة من القيام به. فقد وضع "إعلاناً دستورياً" شاملاً (ولو أنه مؤقت) لحكم البلاد. غير أنه أنه امتنع عن تقديم هذه الوثيقة للشعب.

منذ ذلك الحين، تم إصدار إعلانين دستوريين تكميليين للعبث بالنص. وطيلة الوقت، كان الخبراء القانونيون مرتبكين بشأن شرعية الدستور المؤقت الذي ينحرف عن النص الأصلي المعتمد من قبل الناخبين، ويبدو في حالة تغيّر مستمر، ورهناً بالاحتياجات السياسية الآنية على النحو الذي يحدّده المجلس الأعلى للقوات المسلحة. على سبيل المثال، من الواضح أن التعديلات التي صاغتها اللجنة التي عيّنها المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مارس/آذار الماضي كانت تستند إلى افتراض مفاده أن بالإمكان انتخاب الرئيس قبل كتابة الدستور. ولكن يبدو أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة تراجع عن هذا الموقف على الفور تقريباً، وذلك لأن الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس/آذار دوّن وضع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في الإطار المنظّم لمصر، ما يسمح له صراحة بممارسة السلطة الرئاسية، حتى في الوقت الذي كانت تجري فيه صياغة الدستور، وربما حتى يتم الانتهاء منه. حتى هذه اللحظة، لايزال التسلسل الدقيق لصياغة الدستور والانتخابات الرئاسية غير واضح وموضع نزاع. 

في سياق إعادة النظر القضائية في مشروع القانون الجديد الذي طرحه المجلس الأعلى للقوات المسلحة، واجهت المحكمة الدستورية العليا مأزقاً غريباً للغاية. فقد كان من المفترض بالمحكمة أن تقارن مشروع القانون بالدستور، ولكن أي دستور؟ إذ تمت تنحية دستور العام 1971 جانباً، على نحو يتجاوز ما هو منصوص عليه في الدستور، ولا أحد يطالب ببعث الحياة فيه من جديد. من ناحية أخرى، يمكن أن ينظر إلى حزمة التعديلات التسعة التي وافق عليها الشعب - الذي هو كما يعترف الجميع، المصدر الأساسي للسيادة - على أنها شرعية تماماً، باستثناء أنه تمت الموافقة عليها بوصفها تعديلات على وثيقة العام 1971 التي تم التخلي عنها منها منذ ذلك الحين. "الإعلان الدستوري"، الذي رتّب، بصورة إشكالية، جولة إضافية من التعديلات أحادية الجانب على النص الأصلي المعتمد من قبل الناخبين، يدين بشرعيته لسلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة فقط.

من خلال تقديم حكمها أمس، لم تَخُض المحكمة الدستورية العليا في الواقع في هذه القضايا بطريقة صريحة. ولكن هذا هو بيت القصيد. فمن خلال رفضها القيام بذلك وقبولها الإعلان الدستوري باعتباره معياراً لتقدير القانون، كانت المحكمة الدستورية العليا تبارك ضمناً وثيقة يمكن بسهولة تصوير ولادتها - في بيئة قانونية غامضة من الحكم العسكري وقانون الطوارئ - على أنها غير شرعية. و

في وقت خلو منصب الرئاسة، اختارت المحكمة المكلفة حماية الدستور الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بوصفه الوثيقة الرسمية التي تتعامل معها. وبإجبارها الجنرالات على ترتيب نص القانون الخاص بتنظيم الانتخابات الرئاسية، أيّدت المحكمة ضمناً الوضع القانوني للإعلان بوصفه قانون البلاد، الذي يحلّ الآن بوضوح محلّ كل من وثيقة العام 1971، ومجموعة التعديلات التسعة التي أقرّها الاستفتاء.

فما هو الفصل التالي في هذه الدراما الدستورية؟ الآن وقد طالبت المحكمة الدستورية العليا بإجراء تعديلات على قانون الانتخابات الرئاسية، يواجه المجلس الأعلى للقوات المسلحة ضغوطاً للتوصل إلى تعديل القانون بشكل سريع جداً، وإذا كان ذلك ممكناً، قبل أن ينعقد مجلس الشعب المنتخب مؤخراً في دورته الأولى في 23 يناير. فالجنرالات الحاكمون لديهم سبب وجيه لوضع اللمسات الأخيرة على القانون قبل أن ينعقد البرلمان الجديد، وذلك لأن من المحتمل أن يتحدّى العديد من الأعضاء - خصوصاً ممثلو حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين - السلطة التشريعية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. وفي إطار التحضير للدورة البرلمانية الأولى، بدأ حزب الحرية والعدالة بالفعل باقتراح قوانين جديدة لتنظيم السلطة القضائية والأجور والمعاشات وفرض قيود على الاحتكارات. من المرجح أن يقاوم الحزب أي محاولة من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة للتدخل في، أو تجاوز، أجندته التشريعية الطموحة. بالنسبة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، قد يزيل قرار المحكمة الدستورية العليا الغموض، في إشارة إلى أن أيام الحكم بالمراسيم قد تكون اقتربت من نهايتها. لكن في حين أن البرلمان الجديد قد يكبح قدرة الجيش على إصدار تشريعات خاصة في المستقبل بصورة تعسّفية، من المرجّح أن يحمي قرار المحكمة الدستورية العليا مصالح المجلس الأعلى للقوات المسلحة من خلال إضفاء الشرعية على إعلانه الدستوري القائم باعتباره الإطار القانوني الرسمي طيلة الفترة الانتقالية.