أثار مقتل حوالى ثمانين مواطناً مصرياً في استاد كرة القدم في مدينة بورسعيد المصرية، قبل أسبوع، سلسلة من الإتهامات من جهات مختلفة للشرطة وللمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، وحتى من الرئيس الأميركي باراك أوباما ووكالة الإستخبارات المركزية (CIA)، بالتخطيط للأحداث الدامية. واتفق رئيس المجلس الأعلى المشير حسين طنطاوي، على ما يبدو، مع وجهة النظر القائلة بوجود مؤامرة مُدبّرة، متهماً جهات مجهولة تهدف الى زعزعة استقرار مصر، متوعداً كشفها ومعاقبتها. وقد سبق أن وعد المجلس الأعلى مراراً بمعاقبة مرتكبي العنف خلال السنة الماضية، من دون أن يفي بذلك.

ما جعل ردود الفعل على سيل الدماء مشحونة سياسياً هو الصراع المتواصل بين المجلس العسكري وبين بعض الأحزاب والحركات السياسية للسيطرة على كيفية صياغة الدستور الجديد، ولتحديد التوازن المستقبلي بين سلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية، شبه المطلقة حتى الآن، مقابل البرلمان المهمَّش حتى الآن. وسوف يتحدد بذلك مدى احتفاظ المجلس الأعلى بسيطرته الحصرية على ميزانية الدفاع ومشاريع الجيش الإقتصادية والتعيينات القيادية العليا، وكذلك على حق النقض في ما يتصل بسياسة الدفاع الوطني، وبخاصة على حصانة العسكريين الدائمة، داخل وخارج الخدمة، من المثول أمام المحاكم المدنية أو الخضوع للقانون المدني.

يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.
More >

وتتوقف النتيجة، الى حد كبير، على جماعة «الإخوان المسلمين». وصحيح أن التظاهرات الحاشدة التي نظمها «ثوار ميدان التحرير» في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي هي التي أجهضت محاولة المجلس العسكري تجسيد وضمان تلك الصلاحيات والإستثناءات والحصانات على شكل «مبادئ فوق دستورية»، إلا أن «الإخوان المسلمين» الذين فازوا بحصة 43.3 في المئة من المقاعد في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، والذين يتمتعون بالقدرات التنظيمية المُجرَّبة وبتأييد العدد الكبير من الأعضاء المُنضَبطين، بوسعهم أن يُرجِّحوا كفَّة الميزان باتجاه أو بآخر.

بل أن هذه المزايا والقدرات التي تجعل من جماعة «الإخوان» لاعباً مركزياً، هي نفسها التي تثير مخاوف منتقديها الثوريين من أنها سوف تتوصل الى اتفاق بالسر مع المجلس الأعلى، يتيح لهذا الأخير الإحتفاظ بالصلاحيات التي يريدها، في مقابل السماح لـ «الأخوان» بترؤّس البرلمان، ولاحقاً بتشكيل الحكومة بعد إنتهاء المرحلة الإنتقالية برمتها. وقد راودت مثل هذه الشكوك الناشطين السياسيين طيلة العام الماضي، الذين توقعوا نشوء تحالف بين «الأئمة والجنرالات» كذلك الذي يحكم باكستان ضمناً منذ عقود.

مما لا شك فيه أن جماعة «الإخوان المسلمين» تتطلع الى ممارسة السلطة، وهذا ما تتطلع إليه كافة الأحزاب البرلمانية. ولكن الإفتراض بأن هذا سيؤدي بالجماعة، بالضرورة، الى مساومات إنتهازية، يفوته أمران:

الأول، أن قادة الجماعة قد أطلقوا تصريحات واضحة حيال مستقبل العلاقات العسكرية – المدنية. فأكد المرشد الأعلى، محمد بديع، في أواخر كانون الثاني (يناير)، ان للبرلمان الحق بمساءلة كافة أجهزة الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة. كما أشار الى حقه أيضاً بتحديد، وحتى بتقليص، موازنة الدفاع. أما محمد جمال حشمت، عضو الهيئة القيادية لحزب «الحرية والعدالة» التابع لـ «الإخوان المسلمين»، فقد صرح بوجوب وقف «أي عمليات نهب» في جميع مؤسسات الدولة، بما فيها القوات المسلحة.

الثاني، ثمة اختلاف أساسي بين «الإخوان المسلمين» وبين المجلس الأعلى حول المراحل المقبلة للعملية الإنتقالية. فلم يتخلَّ المجلس الأعلى حتى الآن عن محاولته توجيه صياغة الدستور الجديد، ما يعتبره «الإخوان» صلاحية برلمانية. والقضية الشائكة الأهم هي إصرار المجلس الأعلى على إبقاء النظام الرئاسي، اعتقاداً منه بإمكانية استمالة الرئيس القادم والتأثير عليه لاستخدام صلاحياته الفائقة لغرض حماية وضمان مصالح وحصانة القوات المسلحة على عهدها السابق. ومهما كانت رؤية جماعة «الإخوان» تجاه المستقبل المنشود للعلاقات العسكرية - المدنية، إلا أن الجماعة تعارض بشدة تهميش البرلمان.

تمحور الكثير من الانتقاد الأشدّ لجماعة «الإخوان» حول عرضها «مخرجاً آمناً» للمجلس الأعلى: أي ضمان عدم تقديم أفراده أو غيرهم من العسكريين للمحاكمة على الأخطاء أو الأعمال الجنائية التي ربما ارتكبوها خلال فترة تولّي الحكم، مقابل التسليم الكامل وغير المتنازع عليه للسلطة. إلا أن هذا الانتقاد، هو الآخر، يتجاهل الوقائع السياسية، وليس أقلها أن القوى المدنية في مصر لا تشكّل جبهة واحدة متّحدة.

كما ان المجلس الأعلى لم يفقد أنيابه. فاعتقال 44 ناشطاً، بينهم 19 أميركياً، وتقديمهم الى المحاكمة بتهمة توزيع الأموال الأجنبية غير المشروعة بهدف «زعزعة استقرار مصر»، ليس افتعالاً أهوج للصدام مع الولايات المتحدة، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل خطوة محسوبة غرضها استبعاد السياسة الأميركية كعامل مؤثر في الميزان الداخلي، من شأنه تشجيع القوى المحلية المعارضة، وترجيح كفتها على إثر فتح الحوار بين إدارة الرئيس أوباما و «الإخوان المسلمين»، وتكرار دعوات الإدارة الأميركية للإنتقال المبكر والكامل للسلطة في مصر الى المدنيين.

فلا بد لجماعة «الإخوان المسلمين»، ومعها سائر القوى السياسية، عدم المساومة على المبادئ الأساسية للإشراف المدني وللسيطرة الديموقراطية على القوات المسلحة، ولكن لا بد لها أيضاً أن تسير بحذر شديد.

تمّ نشر هذا المقال في جريدة الحياة.