بعد انقضاء نحو العام على اندلاع الاحتجاجات في سوريا، أثبت رئيسها بشار الأسد الرافض لأيّ تسوية، عدم استعداده لتنفيذ أي إصلاحات سياسية أو التخلّي عن السلطة. وقد ناقش مجلس الأمن الدولي الأزمة، إلا أنّ مسوّدة قرار تدين العنف وتدعم خطة جامعة الدول العربية لانتقال السلطة ووجِهَت بحق النقض (الفيتو) من جانب الصين وروسيا. ويتعرّض المتظاهرون إلى قمع عنيف قيل أنه أسفر حتى الآن عن سقوط خمسة آلاف قتيل. وبيّنت الهجومات الانتحارية الأخيرة في كانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير، والمتزامنة مع مساعي بعثة المراقبة العربية لإقناع النظام السوري بضرورة التحلّي بالعقلانية، أن النظام والمقاومة كليهما لن يتنازلا قيد أنملة عن مواقفهما المتشدّدة، مايعني تصاعد دورة العنف أكثر من أي وقت مضى.

ومع تصاعد حصيلة القتلى يومياً في سوريا، تشتدّ الضغوط من أجل تدخّل دوليّ، مايضع تركيا، الجارة الشمالية لسوريا، في موقف حرج. فمهما تكنْ طبيعة التدخّل الخارجي، ستكون تركيا حُكماً في الواجهة بسبب موقعها وعلاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية التاريخية مع سوريا. ثم إن الغرب لايريد قيادة التدخّل، فالولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية تواجهان راهناً صعوبات اقتصادية قاسية وهما قاب قوسين من انتخابات كبرى حاسمة. وبالتالي، أي منهما ليست مستعدةً لخوض غمار حرب في الخارج. والعديد من الدول المجاورة لسوريا هي أيضاً إمّا ليست في وضع يخوّلها لعب دور في عملية التدخّل، أو أنها تنأى بنفسها عن التدخّل. فالسلطات العراقية، على سبيل المثال، لزمت الحياد منذ اندلاع الأزمة في سوريا، ولبنان الذي سيخسر كثيراً في حال تزعزع الاستقرار الإقليمي، هو في حالة ضعف شديد تمنعه من القيام بأي تحرّك. من جهته، يجهد الأردن حالياً لابقاء اقتصاده متوازناً (أدّت الأزمة في سوريا أصلاً  الى أضرار اقتصادية هناك) ولديه الكثير ليخسره اذا ماتغيّر النظام في سوريا.

على الرغم من أن تركيا تبدو في أفضل موقع للتأثير في سوريا، إلا أنها لن تقوم  بأي عمل بمفردها، ذلك أنّ أي تحرّك أحادي أو عملية فاشلة يهدّدان صورة تركيا التي صاغها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كنموذج يُحتَذى للعالم العربي. وثمة ماهو أخطر هنا، وهو أن أي تدخّل تركي في سوريا قد يشعل المشكلة الحادة والمزمنة الخاصة بالسكان الأكراد في تركيا.

ولهذا لم تَقُمْ تركيا بأي تحرّك بعد، وهي تنتظر دعماً قوياً من المجتمع الدولي بما في ذلك جيرانها العرب. وفي هذه الأثناء، يتواصل القمع والعنف في سوريا. 

الضغط على سوريا

الواقع أن معضلة تركيا تبدو متفاقمة حين نضع في الاعتبار الحقيقة بأن جميع محاولات الضغط على النظام السوري فشلت حتى الآن. ففي تشرين الثاني/نوفمبر، فرضت الجامعة العربية على سوريا عقوبات اقتصادية لاسابق لها؛ وفي 26 كانون الأول/ديسمبر المنصرم، أرسلت الجامعة بعثة مراقبة إلى سوريا ضمّت 165 مندوباً، غير أنّ وجود المراقبين الرسميين العرب لم يكن له سوى تأثير ضئيل على عنف النظام السوري ضدّ المتظاهرين، ما أدّى تالياً الى مغادرتهم في 26 كانون الثاني/يناير.

ثمّ أن الأسد رفض حتى الآن قبول عملية انتقال السلطة المقترحة من الجامعة العربية، والتي تتضمّن وقف عمليات القمع ضدّ المتظاهرين، وقبول وقف إطلاق النار، وإطلاق السجناء، والقيام بإصلاحات سياسية ديمقراطية. لكن الجامعة العربية لم تتخلَّ عن مطالبتها النظام السوري بالتراجع. وقد تولّى رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم آل ثاني زمام المبادرة في الإصرار على أن يقوم بشار الأسد بتسليم السلطة إلى نائبه فاروق الشرع، السياسي والدبلوماسي ذي الخبرة والعضو في الحرس القديم في حزب البعث.

في هذه الأثناء، تولّى مجلس الأمن الدولي درس اقتراح الجامعة العربية، وناقش الخطوات التي يمكنه اتّخاذها لتشديد الضغوط على دمشق. إلا أنّ روسيا والصين اعترضتا على قرار الأمم المتحدة داعيتين الى عملية انتقال للسلطة يقودها النظام. وقد تمّت مناقشة سيناريوات عدة لتدخّل دولي هدفه مساعدة المعارضة السورية وتسهيل إطاحة نظام الأسد. وينطوي أحد الاقتراحات الذي تقدّمت بها تركيا على إقامة منطقة عازلة على الأراضي السورية على غرار المنطقة العازلة في العراق العام 1991 لحماية المدنيين الأكراد من هجومات قوات صدام حسين المسلّحة آنذاك. والخيار الثاني الذي طرحته فرنسا، في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، يدعو الى إقامة ممرات إنسانية محميّة للمساعدة على تأمين حاجات السكان الحيوية في سوريا. ولايستوجب تنفيذ كلا الاقتراحين موافقة النظام السوري بل تفويضاً دولياً. كما تقدّم خبراء عسكريون يدعمهم قادة المعارضة السورية بسيناريو آخر: إنشاء منطقة حظر جوي في سوريا لحماية مجموعات المعارضة المنخرطة في المقاومة. 

يحتّم تنفيذ أي من هذه العمليات الدولية تعاوناً ميدانياً من جانب تركيا. صحيح أن لهذه الأخيرة نفوذاً كبيراً في عملية اتخاذ القرارات، لكن ثمة عوامل عدة تدخل في هذه العملية، وبالتالي ليس من السهل على تركيا اتخاذ الخيارات.

القطيعة بين الأسد وأردوغان

بيد أن المؤشر على الدرجة التي تحدّت فيها الانتفاضات العربية الأمر الواقع في المنطقة وأجبرت تركيا على إعادة النظر في سياستها الخارجية، تمثَّل في أن رئيس الوزراء أردوغان بات يفكر بالمشاركة في أي من عمليات التدخّل المحتملة الواردة آنفاً. 

حتى ماقبل بدء التظاهرات في سوريا، تمتّعت هذه الأخيرة بعلاقات ممتازة مع تركيا، وتعاونت الدولتان منذ العام 1998 في برامج وخطط عديدة في مجالات السياسة والتجارة والأمن. وفي هذا الإطار، أنشأ البلدان في العام 2004 سوقاً اقتصادية مندمجة، ومكتباً مشتركاً للتجارة الثنائية في العام 2007، ما أدّى تدريجياً إلى انتعاش اقتصادي في هذا الإقليم الفرعي. وقد ألغى البلدان متطلّبات تأشيرات السفر في مابينهما، وأجريا تدريبات عسكرية مشتركة، كما وقّعا اتفاقات في مجال التعاون الفني العسكري. ومثل هذه العلاقات الحارة لم يكن لها مثيل بالنسبة إلى تركيا، نظراً إلى أن أنقرة كانت تقليدياً على علاقة وثيقة فقط مع إسرائيل في المنطقة.

تلك العلاقات الوثيقة مع سوريا، شكّلت جزءاً من السياسة الجديدة التي وضعها وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو وشعارها "المشاكل صفر مع الجيران". وقضت هذه الفكرة بتعزيز الموقع الإقليمي لتركيا من خلال بناء علاقات سياسية واقتصادية قوية مع الدول المجاورة، على الرغم من الطبيعة الاستبدادية لأنظمتها. لابل أفلحت تركيا في التواصل مع من كانوا خصومها لقرون عدة، فأقامت علاقات دبلوماسية مع دول كاليونان وأرمينيا.

بيد أنّ الاحتجاجات التي اكتسحت العالم العربي جعلت تركيا تلزم نفسها بتغيير مقاربتها، ولاسيما بعد أن أدركت أن جموح الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي على الرغم من معاناة شعوبها، محكوم بالفشل برأيها. ومع ذلك، استغرق التغيير في السياسة التركية الخارجية بعض الوقت.

لقد بقيت أنقرة صامتة في شكل ملحوظ حين سقط أوّل زعيم استبدادي في تونس في كانون الثاني/يناير 2011. لكن بعدها تمّت أيضاً إطاحة الرئيس المصري حسني مبارك، وبدأ الربيع العربي ينتشر في ليبيا وسوريا. وحينها غيّر رئيس الوزراء أردوغان رأيه ودعا، في أيار/مايو، الرئيس الليبي معمّر القذافي إلى التنحّي.

وفي آب/أغسطس، كانت سياسة "المشاكل صفر"، مع جميع أهدافها ونواياها، تموت وتدفن حين باشرت تركيا تأمين ملجأ آمن لعناصر المعارضة السورية بغية تنظيم صفوفها. وفي منتصف أيلول/سبتمبر، زار أردوغان مصر وتونس وليبيا، وازدادت شعبيته حين بدأ يخاطب الشارع العربي، حتى أنّ الرئيس الأميركي باراك أوباما أثنى عليه قائلاً "إنّ رئيس الوزراء أردوغان أظهر مستوى عالياً من القيادة العظيمة في جملة مواضيع وفي مجال تشجيع الديمقراطية".

لكن فيما كانت جامعة الدول العربية تكثّف جهودها في شأن الوضع السوري، دفع أردوغان قطيعته الدبلوماسية مع دمشق إلى مستوى جديد تماماً. ففي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وبعد يوم على إطلاق النظام السوري حملة قمع عنيفة ضدّ المتظاهرين في حماه، حضّ بشار الأسد على الاستقالة وانتقده علناً لعناده وجبنه متوجهاً إليه بالقول: "لابطولة في محاربة شعبك".

في أي موقع تقف تركيا اليوم؟

تبدو تركيا شريكاً مثالياً راهناً في مقاربة الوضع السوري. فهي بحدودها المشتركة التي تبلغ 600 ميل مع سوريا، وبالقواعد العسكرية التابعة للناتو الموجودة على أراضيها التي يمكن منها إطلاق العمليات، تُعتَبَر ذخراً لأي عملية محتملة. في العام 1991، على سبيل المثال، تم استخدام قاعدة إنجيرليك، التي تبعد ستة أميال عن أضنه في جنوب شرق تركيا، كمنصة تُطلِق منها القوات الجوية الأميركية دورياتها في منطقة حظر الطيران العراقي. ويمكن بسهولة توفير دعم جوي دولي للمقاومة السورية انطلاقاً من هذا الموقع العسكري المُدار دولياً.

إن تركيا، مثلها مثل سائر الدول في المنطقة، تخشى تدهور وضع سوريا وتفتّتها على أُسُس إثنية ودينية، إذ حينها يمكن أن تصبح الدول المجاورة منغمسة في الصراع عبر الانحيار إلى أيّ من المجموعات الطائفية أو الإثنية. وإذا ماتذكّرنا الأحداث التي شهدها قبل زمن غير بعيد كل من لبنان والعراق، فإن السلطات التركية تبدو محقّة في مخاوفها. إن صراعاً مفتوحاً في سوريا تتدخّل فيه قوى أجنبية، قد تكون له عواقب خطيرة على الأمن الإقليمي. بالفعل، باشرت تركيا لعب دور نشط في دعم المعارضة السورية. ونيابةً عن الحكومة التركية، تضطلع منظمات تركية غير حكومية مثل "مؤسسة حقوق الانسان والحريات والإغاثة الإنسانية" ومنظمة "مازلومدر" بمسؤولية الوساطة وجهود التعاون والتنسيق مع مجموعات المعارضة واللاجئين السوريين. هذه الحركات منظّمة إلى حدّ كبير من جانب الحكومة التركية. ويشير واقع أنّ هذه المنظمات تنشط في دعم مجموعات المعارضة السورية واللاجئين السوريين إلى أن حكومة أردوغان، على الأقلّ على المستوى غير الرسمي، قلقة للغاية وتميل إلى مساندة المقاومة السورية. وهي أمّنت لقياديي المعارضة السورية طيلة الأشهر القليلة الماضية فرص تنظيم لقاءات دولية في أنطاليا واسطنبول.

كذلك، الجيش السوري الحر الضعيف بقيادة العقيد رياض الأسعد، والمكوّن من ضباط منشقّين، يتّخذ من تركيا مقرّاً له، ويرجَّح أنه خاضع إلى التأثير المباشر للجيش التركي. لكن لايعرف سوى القليل عن هذه القوات المنشقّة، والمسؤولون الأتراك متكتّمون جداً حيال هذا الموضوع، ولايسمحون للمراقبين ووسائل الاعلام بالاتصال بهذه القوات المنتشرة في منطقة حدودية محظورة.

مع ذلك، حظيت عقوبات الجامعة العربية ضدّ سوريا باستقبال فاتر في تركيا. ويبدي الكثيرون في تركيا قلقاً في شأن المفاعيل الضارّة وغير المتوقّعة التي بدأوا يعانون منها أصلاً، ومن ضمنها التأثير السلبي على سير عمل الشركات التركية وعلى السكان الذين لهم ارتباطات وثيقة بسوريا. فضلاً عن ذلك، قد تضرّ العقوبات بالسكان المدنيين في سوريا لكون اقتصاد البلاد والوضع الاجتماعي فيها ضعيف وهشّ للغاية. كما قد تُضرّ العقوبات بالحياة اليومية للمدنيين وقدرتهم على الاستمرار أكثر مما ستؤثّر على تصلّب الأسد. لكن على الرغم من تردّد تركيا في تبنّي العقوبات فإنها في النهاية امتثلت للأمر.

عموماً، تثبت السلطات التركية أنها متردّدة أكثر من كونها استباقية في شأن سوريا. فلديها خشية على أمنها القومي، وهي قلقة في شأن تأثيرات التحرّك على صورتها الدولية ومكانتها كزعيمة إقليمية. إن لدى تركيا أردوغان الكثير لتخسره في مجال القيادة الإقليمية، إذا ماجازفت قواتها العسكرية في عملية لاتحظى بالشعبية. لهذا تتردّد في القيام بخطوة حاسمة. ومن الواضح أنّ القوات العسكرية التركية لن تدخل بمفردها الى سوريا. فقبل التدخّل، سواء لإقامة ممرّ انساني، أو منطقة حظر جوي، أو منطقة عازلة، ستطلب تركيا تفويضاً دولياً من حلف شمال الأطلسي الناتو أو من الأمم المتحدة، وبمشاركة فاعلة من الدول العربية. لاتريد أنقرة أن تظهر، خاصةً في العالم العربي في صورة إمبريالي جديد، أو قوة عثمانية في الشرق الأوسط، ولا في مظهر الخادم المخلص للغرب. إنّ صورة تركيا كدولة علمانية وحديثة لم تكن يوماً أفضل مما هي عليه حاضراً في نظر الشعوب العربية، ولاسيما في بلدان كمصر وتونس، حيث أعربت النخب السياسية الجديدة علناً عن اعجابها بما يسمّى النموذج التركي.

المسألة الكردية

بيد أن القلق المحوري لدى تركيا هو تأثير أي تدخّل (أو لاتدخّل)، على المسألة الكردية. فمنذ إنشاء الجمهورية التركية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك في العام 1923، حُرِم الشعب الكردي من الاعتراف الرسمي به كأقلية، ولم تكن له وضعية رسمية. وفي العام 1984، برزت القضية الكردية واكتسبت مزيداً من الأهمية حين صعّد حزب العمال الكردستاني، الذي تأسّس بهدف الكفاح من أجل حكم ذاتي وحقوق أكثر، من وتيرة حملاته على الحكومة التركية. ومنذ اندلاع حركة "حرب الغوار" الانفصالية العنيفة، سقط من الجانبين العديد من الضحايا، وتخلّلتها جهود عسكرية ومالية لـ"حلّ المشكلة" فضلاً عن مناقشات لانهاية لها وجمود سياسي، ماساهم في زعزعة السياسات التركية. وفي الواقع، كانت المسألة الكردية على رأس أولويات الأجندة السياسية لجميع الحكومات التركية المتعاقبة منذ العام 1984.

لقد لعبت سوريا دوراً أساسياً في تطور حزب العمال الكردستاني. فبين العامين 1984 و1998 كانت الداعم الأهم لمقاتلي حزب العمال الكردستاني وزعيمهم عبد الله أوجلان.

ومنذ اعتقال الأخير العام 1998، نجحت تركيا في تقليص القوة الضاربة للحزب المذكور. لكن حين بدأ النظام السوري يتعثّر منذ آذار/مارس 2011، أصبح التخوّف التركي الأبرز هو التعزيز المحتمل لقدرات المقاتلين الأكراد في حزب العمال الكردستاني. وفي هذا السياق يندرج قلق أنقرة من إمكانية قيام النظام السوري بتشجيع الحزب الكردستاني كشكل من أشكال الانتقام من تركيا، عبر السماح لمجموعات الحزب بإعادة فتح قواعد له في سوريا وشنّ الهجمات منها على تركيا.

هذه المخاوف قد تكون جدّية. ففي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ومن معقله في جبال قنديل في العراق، وجّه مراد كاراييلان، وهو أحد أشدّ قادة حزب العمال الكردستاني نفوذاً وقوة منذ توقيف أوجلان، دعوة "رسمية" الى الأكراد للتسلّح، لكنه لم يحضّهم على أيّ تحرّك آخر. ولأن الأحزاب الكردية في سوريا تبدو مستمرة في حيادها إزاء الثورة المتواصلة، فإن أنقرة تشتبه بولاء الأكراد السوريين لبشار الأسد. وقد أشارت أخيراً تقارير إعلامية تركية عدة إلى إعادة افتتاح قاعدة دعم عسكرية لحزب العمال الكردستاني في منطقة نائية في سوريا، لكنها لم تقدّم أدلة تؤكّد ذلك.

تشكّل تكتيكات الأكراد القائمة على الانتظار والترقّب مصدر قلق كبير لأنقرة التي تتخوّف من امكانية أن يتمتّع الأكراد في سوريا قريباً بالحريات والحكم الذاتي، على غرار ماحصل للأكراد في عراق مابعد صدّام. ويؤدي هذا الى ضغوط على وحدة تركيا القومية وسلامة أراضيها وأمنها الداخلي، إذ قد تحفّز التطورات في سوريا أكراد تركيا وتدفعهم إلى تكثيف مطالبهم بالحكم الذاتي.

لقد تحرّكت السلطات التركية بالفعل لتفادي مثل هذه القلاقل، فأطلقت في تشرين الأول/أكتوبر 2011 حملة واسعة للشرطة أسفرت عن توقيف عشرات من مقاتلي ومؤيّدي حزب العمال الكردستاني وفرعه السرّي المديني، اتحاد الجاليات في كردستان، والذي تعتقد أنقرة أنه تنظيم سياسي.

إذن، تبقى المسألة الكردية نقطة محورية لسياسات تركيا الداخلية كما الخارجية، وتؤدّي إلى إضفاء الضبابية على الموقف الذي ينبغي لأنقرة اتّخاذه ضدّ النظام في سوريا. بمعنى ما، هذا التاريخ من الصراع هو مجرّد سبب آخر كي يكون لتركيا دور في أيّ عملية دولية في سوريا، وقد يمنحها هذا الأمر إمكانية السيطرة على تطور وضعية الأقلية الكردية في سوريا، وأيضاً على تطوير علاقات حسن جوار مع الأكراد السوريين، مثلما فعلت في العراق.

بيد أنّ التهديد الكردي لتركيا يؤجّج تردّدها بقدر مايؤجّج تعبئتها، عندما يتعلّق الأمر بعملية عسكرية تركية. وثمّة خشية من أن تسفر عملية عسكرية فاشلة في سوريا ضدّ الأسد عن لجوئه الى تعزيز دعمه للأكراد الانفصاليين في تركيا. كما يمكن لدمشق ضمّ مجموعات كردية من العراق وسوريا لإعادة إحياء حرب الغوار في تركيا. لكن البعض يعتقد أنّ المشاركة التركية في عملية دولية لإطاحة الأسد تكسر المطامح الكردية.

لاتزال تركيا تتأرجح بين القمع والتسامح ازاء جماعتها الكردية، مايزيد من تردّدها في المشاركة في حلّ خارجي للأزمة السورية.

التحضير للمستقبل

ثمة غموض يلفّ ماقد يحدث لاحقاً. فعلى الرغم من أنّ تركيا بلد في الخطوط الأمامية، إلا أنها لن تسير وحدها الى سوريا، بل ستحتاج في أي عملية الى شركائها الغربيين والعرب لتعزيز الأمن على طول 600 ميل من الحدود مع سوريا، لاحتواء التحرّك الانفصالي الكردي، وللمساعدة على ضمان أن النظام الجديد في سوريا سيبقى منفتحاً على التعاون وعلاقات حسن الجوار معها. لكن الحيرة التركية داخلياً وخارجياً تتسبّب على الأقلّ، ولو جزئياً، بالتقاعس الدولي الراهن عن التحرّك في شأن سوريا.      

ثم إن ماقد يحدث إذا ماترك الأسد السلطة يبقى أكثر غموضاً. فالقوى التي تبرز قد تزعزع وضع المنطقة الذي هو أصلاً مزعزع وملتهب. وفيما تعتبر تركيا أن خياراتها وقراراتها مرتبطة بالأمم المتحدة، فإنها في المقابل تحضّر لمرحلة مابعد سوريا الأسد، وتُطوِّر الاتصالات مع جماعة الإخوان المسلمين ومع قوى سورية معارضة أخرى. وفي هذه الأثناء، يسقط المزيد من الضحايا في صفوف المدنيين ويبدو المجتمع الدولي لاحول له ولاقوة أكثر فأكثر.  

بيرم بالسي باحث زائر في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط.