إن على حقّ من اعتبر القرار الذي اتّخذته حكومة رئيس الوزراء المصري كمال الجنزوري بإحالة 43 من الناشطين المؤيّدين للديمقراطية، بمَن فيهم 19 أميركياً، للمحاكمة أمام محكمة الجنايات، حيث ستُوَجَّه إليهم تهمة توزيع الأموال الأجنبية غير الشرعية "بهدف زعزعة الأمن القومي لمصر"،  محاولة صارخة لتخويف القوى المؤيّدة للديمقراطية في البلاد.

كما أنه ما من شك في أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم في مصر يقف مباشرةً وراء هذه المحاولة. والسبب في ذلك الاعتقاد لا يقتصر فقط على أن أياً من الحكومات الثلاث المؤقّتة، التي حكمت منذ أن تولّى المجلس الأعلى السلطة في شباط/فبراير 2011، لم تكن قادرةً على اتّخاذ مبادرات سياسية في أي مجال عام من دون موافقة الجيش. بل يعود السبب أيضاً إلى أنه لن يُسمَح لأي مدني بالمخاطرة بالمساعدات العسكرية الأميركية البالغة 1.3 مليار دولار سنوياً بمبادرة منه، كما فعلت وزيرة التعاون الدولي فايزة أبو النجا ظاهريا".

قد يبدو من الغريب أن يفتعل المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلافاً مع الولايات المتحدة، الأمر الذي دفعها بالفعل الى التهديد بوقف المساعدات. ومع ذلك، فإن الحملة ضدّ الناشطين المؤيّدين للديمقراطية والمنظمات غير الحكومية ليس عملاً اهوج نابع من سوء التقدير من جانب مجلس عسكري يتخبّط بشدة في سعيه للاحتفاظ بالسيطرة على العملية الانتقالية في مصر، ولحماية صلاحياته واستثناءاته الخاصة من الرقابة المدنية. بل إنها حيلة محسوبة.

يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.
More >

إن مصر تقترب بسرعة من لحظة الحقيقة. ففي الفترة الفاصلة بين 22 شباط/فبراير، حينما ستُعقَد الجولة الأخيرة من انتخابات مجلس الشورى، وبين 30 حزيران/يونيو على أبعد تقدير، ستتم صياغة دستور جديد والمصادقة عليه، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية. ويبدو الفائزون في الانتخابات البرلمانية الأخيرة لمجلس الشعب - وعلى رأسهم حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين - مصمّمون على لعب الدور المنوط بهم قانوناً في تشكيل لجنة صياغة الدستور. هؤلاء يضغطون أيضاً من أجل إجراء تعديل جذري لصلاحيات رئيس الجمهورية الواسعة جدا"، للسير نحو نظام رئاسي برلماني متوازن ذي صلاحيات تنفيذية مشتركة.

لكن على عكس ذلك، يسعى المجلس الأعلى إلى تهميش البرلمان على كل صعيد. وقد أحرز المجلس فوزاً مبكراً عبر إرغام حزب الحرية والعدالة على الاعتراف بأن تشكيل الحكومة الانتقالية المقبلة هو من اختصاص المجلس العسكري. وفي الآونة الأخيرة، ادّعى هذا الأخير بأن السلطات الرئاسية التي يمارسها تشمل الحقّ في تعيين 90 من أعضاء مجلس الشورى المقبل البالغ عددهم 270، ما يعني إضعاف دور مجلس الشعب في اختيار أعضاء لجنة صياغة الدستور. لكن الهيئة العليا للانتخابات طعنت في ذلك، فأكدت أن مجلس الشورى سيعمل بالأعضاء الـ180 المُنتَخَبين، إلى أن يتولّى الرئيس الجديد مهامه ويُعيِّن الأعضاء الـ90 المتبقّين.

هذا الأمر يجعل المجلس الأعلى معتمداً كلياً تقريباً على مقاومة أي انتقاص من النظام الرئاسي في مصر، على أمل أن يكون الشاغل المقبل لأعلى منصب في البلاد مستعداً لاستخدام نفوذه وصلاحياته لحماية مصالح القوات المسلحة، كما يحددها المجلس الأعلى. ومع ذلك، حتى لو نجح أحد الضباط السابقين الذين أعلنوا حتى الآن عن نيّتهم الترشّح لمنصب الرئاسة، ليصبح الرئيس المقبل لمصر، فلا شيء يضمن إمكانية التكرار التام للترتيبات غير الرسمية، التي قامت على أساسها في السابق العلاقة الودية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بالرئيس مبارك، ولا أن تعمل هذه الترتيبات إلى أَجَل غير مسمّى.

ما هو على المحك بالنسبة إلى المجلس الأعلى، هو ضمان أن تبقى ميزانية الدفاع، والمؤسسات الاقتصادية العسكرية، والمساعدات العسكرية الأميركية، وتعيينات القيادة العليا، بمنأى عن الرقابة والسيطرة المدنيّتين الجادّتين؛ وممارسة حق النقض في سياسة الدفاع الوطني؛ وقبل كل شيء، الحفاظ على الحصانة الدائمة لأفراد القوات المسلحة، سواء العاملين أو المتقاعدين منهم، من الخضوع للمقاضاة بموجب القوانين المدنية.

ويسعى المجلس العسكري إذاً إلى تفويض ملزم قانونيا، وليس فقط ترتيبات غير رسمية أو ضمنية.  غير أن "ثوار ميدان التحرير" أحبطوا محاولة المجلس الأعلى تكريس "المبادئ فوق الدستورية" الهادفة إلى تكريس سلطاته وصلاحياته في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وهم ما زالوا مصمّمين على منعه من ممارسة أي سلطة سيادية متبقّية. أما جماعة الإخوان المسلمين، التي قاربت هذا الموضوع بحذر شديد حتى الآن، تحرص كذلك على الدفاع عن السلطات البرلمانية. وفي أواخر كانون الثاني/يناير، أكّد المرشد العام للجماعة، محمد بديع، أن للبرلمان الحق في إخضاع كل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش، إلى المساءلة، وفي تحديد ميزانية الدفاع وحتى تقليصها. وأثار اقتراح الجماعة بإيجاد "مخرج آمن" للمجلس الأعلى، والقاضي بعدم مقاضاته عن الأخطاء أو الأعمال الجنائية التي ارتُكِبَت خلال فترة حكمه، في مقابل تسليم السلطة بشكل غير متنازع عليه، أثار غضب ثوار ميدان التحرير، التي تطالب بلزوم المساءلة الكاملة عن الماضي. لكن هذا الاقتراح يظهر أيضاً ضرورة أن تحكم قواعد جديدة العلاقات بين القوات المسلحة وبين السلطات المدنية في المستقبل.

بدأت خيارات المجلس الأعلى للقوات المسلحة تضيق، والوقت أمامه ينفد. ويبدو أنه يستعدّ لمواجهة مباشرة مع خصومه المحليين، خصوصاً أن حلفاءه العلمانيين غير الليبراليين عجزوا تماماً عن مساعدته في توسيع هامش المناورة، من خلال تشكيل ثقل موازن موثوق في مواجهة ثوار ميدان التحرير، والأحزاب البرلمانية على حد سواء.

لهذا السبب، يأتي افتعال الخلاف مع الولايات المتحدة في الوقت المناسب. فإذا كانت المواجهة تلوح في الداخل، فإن تحدّي الولايات المتحدة يخرجها بشكل فعلي من اللعبة ويلغي دورها كعنصر من عناصر ميزان القوى الداخلي في اللحظة الحرجة. فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة لن ينسى أن التحوّل في سياسة الولايات المتحدة هو الذي رجّح الموازين بشكل حاسم ضدّ استمرار الرئيس مبارك في منصبه  قبل عام، ما قاد المجلس إلى السلطة.

قد يبدو من غير البديهي أن يسعى المجلس الأعلى إلى تحسين فرصه عن طريق المخاطرة بتعليق المساعدات الأميركية. فالكثير من التعليقات في الولايات المتحدة حتى الآن تفترض أن المجلس الأعلى واثق من أن المساعدات لن تُقطَع، وذلك لأن الولايات المتحدة تحتاج إلى دعم القوات المسلحة المصرية لمعاهدة السلام مع إسرائيل، وبشكل ثانوي، للحفاظ على الستار الأمني على طول الحدود مع قطاع غزة. هذا صحيح، لكنه يغفل نقطة هامة: ما هو حجم الضرر الذي سيترتّب على تعليق المساعدات في الواقع؟

من وجهة نظر المجلس الأعلى للقوات المسلحة، إن من شأن تعليق المساعدات العسكرية الأميركية أن يكون ذا مغزى سياسي، لكنّ تأثيره المادي محدود. فمن ناحية، يُنفَق الجزء الأكبر من مبلغ المساعدة على السلع والخدمات العسكرية الأميركية، ولايدخل الخزانة المصرية أو حسابات الجيش على الإطلاق. ويُعتَقَد أن شركات تعمل كواجهات لبعض الضباط المصريين الكبار تفوز بجزء من العقود المموّلة من المساعدات الأميركية لتغطية النقل والتأمين والوساطة المالية، بيد أن هذا يمثل جزءاً صغيراً من روافد دخل خفيّة أكبر من ذلك بكثير، تسيطر عليها القوات المسلحة في داخل مصر نفسها، ولن يتأثّر أي منها.

في أسوأ الأحوال، يعني تعليق المساعدات أن تسليم الأسلحة والمعدات الأميركية الجديدة، غير تلك التي ُدفَع ثمنها سابقا سيتوقّف، ما سيؤدّي إلى تباطؤ بعض برامج إعادة التسلّح أو التجهيز المصرية، لكنه لن يشلّ القوات المسلحة. إلى جانب ذلك، ليس لدى المجلس الأعلى نيّة لخوض الحرب مع أي دولة كانت، وبالتأكيد ليس مع إسرائيل، ولذا فإنه قادر على التخلي عن الإمدادات الأميركية طالما أن تعليقها مؤقّت، وهو حتما سيكون مؤقتاً. في غضون ذلك، يمكن للمجلس التبجح اعلاميا أمام الجمهور المصري برفضه الرضوخ إلى الضغوط الأميركية وحمايته كرامة مصر، مستخدما الشحن القومي الفظّ لتبرير محاولته السيطرة على المراحل المتبقية من العملية الانتقالية وتحديد نتائجها سلفاً.

لعل المجلس الأعلى يتخبّط فقط، ولعل ما يجري من تصعيد حاد مع الولايات المتحدة هو سوء حساب. بيد أنه إذا كان قد حرّض بالفعل على الأزمة المفاجئة مع الولايات المتحدة تحسّباً لمواجهة في الداخل المصري، فإن الاستنتاج الأكثر إثارة للقلق هو أن المجلس الاعلى يتعمد إثارة مواجهة داخلية، حتى لو كان بمقدوره تفاديها. في هذه الحالة، فإن إعلانه نشر الدبابات والجنود في جميع أنحاء مصر لضمان النظام العام والحفاظ على السلم أثناء الإضرابات الشاملة والعصيان المدني في يوم الذكرى السنوية الأولى لإقصاء حسني مبارك عن السلطة، في 11 شباط/فبراير، انما يعكس اتجاها آخذ  بالتزايد، ونذيراً لما ستؤول إليه الأمور.

 تمّ نشر هذا المقال في اللغة الإنجليزية في جريدة فورين بوليسي.