إذا كانت القمة العربية التي انعقدت في 29 آذار/مارس الماضي عملت على تسليط الضوء على تطلّعات العراق في مجال السياسة الخارجية، فالأزمة السورية قد تُحوِّل هذه التطلّعات إلى واقع ملموس. الواقع أن الأطراف السياسية الفاعلة الرئيسة في العراق، أي نوري المالكي والقيادات الكردية، تسعى إلى تقديم العراق على أنه مفتاح حلّ الأزمة المتواصلة في سورية، وذلك بناءً على حدود البلدين المشتركة وقدرة العراق على خوض محادثات مع كلٍّ من النظام وجماعات المعارضة. وإذا مانجح العراق في ذلك، فقد يحقّق تطلّعات سياسته الخارجية: الدخول مرة ثانية إلى الساحتين الإقليمية والدولية، والاستقلال عن جيرانه، وتعريف نفسه على أنه الوسيط الإقليمي الجديد.
 
عندما اندلعت الثورة السورية في الربيع الماضي، حدّد القادة العراقيون موقفهم، وعملوا في نهاية المطاف على الاستفادة من الجوار الجغرافي لترسيخ العراق باعتباره القناة الحصريّة إلى سورية. وعلى مدى العام الماضي، راقب العراق الأزمة السورية وهي تتكشّف، مترنِّحاً بين مختلف الأطراف إلى أن استقرّ، في نهاية المطاف، في موقع ثابت "في الوسط"، حيث يمكنه أن يشرف على تطوّر الأزمة إشرافاً أفضل.

ماريا فانتابيه
ماريا فانتابيه باحثة زائرة، في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، تتخصّص في مجال بناء الدولة والشؤون الأمنية في الشرق الأوسط.
More >

امتنع العراق، في تشرين الثاني/نوفمبر، عن دعم تعليق عضوية سورية في جامعة الدول العربية، لكنه شارك لاحقاً في اجتماع "أصدقاء سورية"، الذي عُقِد في إسطنبول لحشد التأييد للمعارضة. وفي مؤتمر قمة جامعة الدول العربية، أدان العراق "سفك النظام دماءَ المدنيين"، ودعا إلى انتقال السلطة، كما فعل منتقدو النظام. إلا أن العراق، الذي تبنّى موقف أنصار النظام نفسه، ندّد أيضاً بالدعم المسلّح للمعارضة وبالتدخل الأجنبي. ومن خلال الحفاظ على حياده، أبقى خطوط اتصاله مفتوحة مع النظام وجماعات المعارضة على حدّ سواء.
 
ويمكن للعراق، كما هو الحال الآن، أن يوظّف قيادته السياسية ذات الرأسين  (التي تتألّف من الحكومة المركزية في بغداد وزعماء حكومة إقليم كردستان) لتوسيع قدرته على الوصول إلى الطيف السياسي السوري. وفي حين أن علاقات بغداد مع دمشق جيّدة نسبياً، بدأ الأكراد محادثات مع المجلس الوطني السوري، الكيان الرئيس للمعارضة في المنفى. فمنذ كانون الأول/ديسمبر الماضي، التقى وزير الأمن الوطني العراقي، فالح الفياض، بالنظام وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي المعارِضة التي تتّخذ من دمشق مقرّاً لها
 
واضطرّ النفوذ الذي يمارسه الأكراد العراقيون على مشاركة الأكراد السوريين في عضوية المجلس الوطني السوري، أعضاءَ هذا الأخير إلى السفر إلى كردستان العراق لإجراء المفاوضات. الأهم من ذلك هو أن المجلس الوطني الكردي في سورية، الذي يرعاه الأكراد العراقيون، يمكن أن يكون ورقة العراق الرابحة في ترجيح الكفّة لصالح النظام أو المعارضة. واعتماداً على الموقف الذي يتّخذه في نهاية المطاف، قد يكون قادراً على تمكين إحدى فصائل المعارضة أو مساعدة النظام في تأسيس شرعيّة جديدة بدلاً من ذلك.
 
فضلاً عن ذلك، يشكّل العراق البوابة الطبيعية إلى وسط وشمال شرقه سورية التي يشاركها حدوداً بطول 650 كيلومتراً تقريباً. ، وقد كَثُرَ شجب عمليات تدفّقِ المقاتلين من العراق إلى سورية منذ بداية الثورة. لكن قوات الأمن المرتبطة بالمالكي والأكراد تسيطر على المحافظات العراقية المحاذية للحدود مع سورية، والفرقة السابعة في الجيش العراقي تنتشر في محافظة الأنبار المؤدّية إلى وسط سورية  (دير الزور ودمشق وحمص)، في حين تجري قوات البشمركة الكردية دوريات في نينوى ودهوك، عند مدخل محافظة الحسكة شمال سورية. لذلك، تراقب القوات العراقية حركة المرور على الحدود نظرياً، ومن الجائز أن يسمح العراق بتسريب الأسلحة عبر حدوده إلى النظام السوري والمعارضة المسلّحة.
 
يُعتبَر العراق حالياً الدولة الوحيدة، من الدول المجاورة لسورية، التي تقدر على التوسّط في النزاع المسلّح والعملية التفاوضية. وسيستمرّ على الأرجح في الاضطلاع بهذا الدور، سواء انحدرت الأزمة إلى صراع مسلّح أكبر أم اتّجهت إلى البحث عن تسوية سياسية. كما أن العراق يمكن أن يجد نفسه أكثر قدرة على تحقيق أهداف سياسته الخارجية مع ازدياد قدرته على الوصول إلى التطوّرات في سورية.
 
مع تنامي نفوذ العراق في سورية، قد تجد بغداد الفرصة متاحة لها للاستقلال عن جارتيها الأكثر نفوذاً، إيران وتركيا. وإذا ماكان العراق هو مفتاح تحديد نتيجة الأزمة السورية، فستضطرّ طهران إلى التعامل معه شريكاً على قدم المساواة، أو حتى حليفاً أساسياً، من أجل الحفاظ على مصالحها الإقليمية. في الواقع، ساهمت الأزمة السورية حقاً في إحداث تحوّل مماثل في موازين القوى بين العراق وتركيا، إذ تدعم كردستان العراق الآن إنشاء منطقة كردية بإدارة ذاتية على الحدود في سورية، الأمر الذي يهدّد بتشجيع المطالب الكردية بالحصول على حكم ذاتي داخل تركيا نفسها.

كما أن التورّط في سورية قد يُمكِّن العراق من جذب جهات فاعلة جديدة إلى طاولة المفاوضات، وإنشاء شبكة من التحالفات متعدّدة الأطراف. ويمكن للعراق أن يبني علاقاته على أساس الأخذ والعطاء: فمن خلال توفير إمكانية الوصول إلى سورية، قد يقنع حتى خصومه التقليديين، بمَن فيهم المملكة العربية السعودية وأعضاء آخرين في مجلس التعاون الخليجي، بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، ويوسّع تحالفاته الإقليمية في سياق العملية.
 
وبما أن تركيا تنتقد النظام السوري علناً، فقد تشوّهت سمعتها كوسيط محايد. وهكذا يأمل العراق الآن في أن تمكّنه الأزمة من الاضطلاع بهذا الدور. ومادامت سورية عالقةً بين النظام والفصائل المعارضة، والمجتمع الدولي عاجزاً عن قلب الوضع لمصلحة أحد الطرفين،  ستزداد فرص العراق في أن يصبح مفتاح كسر الجمود.
 
لكن خطط السياسة الخارجية العراقية لاتخلو من تحدّيات، إذ يمكن للدول المجاورة للعراق أن تلعب على وتر التوترات الداخلية التي تتصاعد بين الكتل السياسية الرئيسة (المالكي وائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه، والقائمة العراقية، والتيار الصدري والأكراد)، لتقويض طموحات سياسته الخارجية، بما فيها طموحاته المتعلقة بالأحداث في سورية.
 
يعطي كلٌّ من المالكي والقيادة الكردية في العراق الأولوية حتى الآن لمتابعة أجندة سياستهما الخارجية، بدلاً من التعامل مع التوتّرات الداخلية. والنجاح في سورية يمكن أن يحقّق رغبات المالكي في عودة العراق إلى الساحة الإقليمية، وهدف الأكراد في توسيع نفوذهم ليطال المناطق المجاورة التي يسكنها الأكراد. وإذا صمد المحور بين المالكي والأكراد، فلن يصبح العراق عاملاً حاسماً في حلّ الأزمة السورية وحسب، بل سيصبح أيضاً سيد سياسته الخارجية، وسيداً لتوازن قوى إقليمي جديد.