يضع العراق، لأول مرة منذ سقوط نظام صدام حسين، الخطوط العريضة لسياسته الخارجية. وفي حين يبقى رئيس الوزراء نوري المالكي والأكراد خصوماً واضحين جداً على الصعيد الداخلي، إلا أنهم حلفاء في سياق محاولة العراق إعادة مكانته في الساحة الإقليمية والدولية إلى سابق عهدها. وإذا مانجح المالكي والأكراد في اغتنام الفرص التي تتيحها التحوّلات الإقليمية الجارية، فإن النقاش في شأن العراق ربما يتحوّل جذرياً من صراع داخلي إلى دور البلاد الصاعد على الصعيد الدولي.

يمثّل تغيير صورة العراق في العالم الخارجي الخطوة الأولى في هذا الاتجاه. فباستضافته مؤتمر قمّة جامعة الدول العربية في آذار/مارس، حاول العراق أن يثبت أنه قد دشَّن فصلاً جديداً، وطوى صفحة حقبتي صدام حسين والغزو الأميركي. إذ أظهرت القمّة العراق دولة مستقرّة وآمنة سياسياً قادرة على صياغة سياسة خارجية خاصة بها، وكبلد حقّق تقدّماً منذ انسحاب القوات الأميركية.

ماريا فانتابيه
ماريا فانتابيه باحثة زائرة، في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، تتخصّص في مجال بناء الدولة والشؤون الأمنية في الشرق الأوسط.
More >

يرغب القادة العراقيون أيضاً في أن يوضحوا أنهم تخلّوا بشكل كامل عن سياسة صدام حسين الخارجية التي تحركها دوافع عسكرية. بدلاً من ذلك، يسعى المالكي والأكراد إلى الاعتماد على دبلوماسية عدم التدخّل لإقامة علاقات ودية مع الدول المجاورة. إذ أن تلك الدبلوماسية، جنباً إلى جنب مع المشاركة الفعّالة في المنظمات الإقليمية والدولية، تمثّل أدوات بغداد الجديدة في السياسة الخارجية.

تقوم بغداد بحملة لاستضافة اجتماع منظمة التعاون الإسلامي المقبل، والأهم من ذلك،  أن العراق يبذل جهداً غير مسبوق لتحسين علاقته مع الكويت عدوّه التاريخي. ولأول مرة منذ غزو العراق للكويت في العام 1990، زار الحكام الكويتيون بغداد لحضور قمّة جامعة الدول العربية. وفي نيسان/أبريل، وقّع العراق والكويت بروتوكولاً لتنظيم الملاحة البحرية المشتركة بينهما عبر الحدود في قناة خور عبدالله. وأعلن العراق أن اتّفاقات سوف تتبع ذلك البروتوكول بشأن القضايا العالقة حول ترسيم الحدود وتعويضات الحرب، حتى أنه دعا إلى تشكيل لجنة عراقية - كويتية لتعزيز التعاون بين البلدين.

حاول القادة العراقيون أيضاً استعادة شرعية العراق في عيون المجتمع الدولي. ففي اجتماع عقد مؤخّراً مع ممثلي الأمم المتحدة، ناقش وزير الخارجية العراقي إزالة عقوبات الفصل السابع التي تم فرضها على العراق بعد غزو الكويت، فضلاً عن صفة "تهديد للأمن الدولي" التي تم تطبيقها على البلاد.

لكن طموحات القادة العراقيين "لاتنتهي هنا. فهم يمضون إلى حدّ السعي إلى جعل العراق لاعباً مؤثّراً في لعبة الشطرنج الإقليمية.
العراق يسعى إلى السيطرة على سياسته الخارجية، وتحرير نفسه من التزامه بالشراكة الإقليمية مع إيران. وقد تميزّت زيارة المالكي لإيران في 23 نيسان/أبريل بتغيير طفيف لكنه مهم بالتأكيد في العلاقة بين البلدين: فبعد نجاح قمّة جامعة الدول العربية، ذهب رئيس الوزراء إلى طهران بوصفه نظيراً على قدم المساواة أكثر مما كان خلال زيارته الأخيرة في تشرين الأول/أكتوبر 2010.

 التعدّدية هي في صميم إستراتيجية العراق في مجال السياسة الخارجية، لكن المالكي ليس اللاعب الوحيد في اللعبة. فمن خلال توحيد قواهما، يمكن للمالكي وحكومة إقليم كردستان بناء علاقات مع جميع الدول المجاورة للعراق، من دون استثناء. في شباط/فبراير الماضي، وبعد عشرين عاماً من المقاطعة الدبلوماسية، أرسل العراق سفيراً غير مقيم إلى الرياض. وقد ناقش ونظراءه السعوديين سبل تحسين الجهود المشتركة لتأمين حدودهما المشتركة وزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين. وحيث لاتستطيع حكومة المالكي أن تصل، يمكن للأكراد أن يساعدوا في توسيع تحالفات العراق: مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، زار تركيا والإمارات العربية المتحدة وقطر مؤخّراً، وهي بلدان تعارض حكومة المالكي بشدّة، لكنها على استعداد لإجراء محادثات مع حكومة إقليم كردستان.

يخطو العراق، من خلال الحفاظ على مسافة واحدة من جميع اللاعبين الإقليميين، نحو التحوّل إلى دور الحَكَم الجديد في التوتّرات الإقليمية والدولية. ففي نيسان/أبريل، اقترح المالكي عقد لقاء ثلاثي بين الولايات المتحدة وإيران والعراق لتكريس بغداد وسيطاً في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وللتأكيد على هدفه المتمثّل في جعل العراق جسراً بين طهران والعالم العربي. الأهم من ذلك أن بغداد سوف تستضيف في 23 أيار/مايو المفاوضات النوويّة الإيرانية، وترحّب بالوفود الأميركية والروسية والصينية والألمانية.
مع ذلك، ومع أن الجهود تجري على قدم وساق لإعادة تصنيف العراق دولياً باعتباره دولة مستقرّة، إلا أن التوتّرات الداخلية آخذة في التصاعد، وهو مايمكن أن يهدّد التقدّم الذي حقّقه المالكي والأكراد على الساحة الدولية. جيران العراق حريصون على الاستفادة من الخلافات الداخلية في البلاد ( الأزمة بين ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي والقائمة العراقية، فضلاً عن تصاعد حدّة الصراع بين بارزاني والمالكي)  لعرقلة خطط العراق بشأن السياسة الخارجية.

استضافت قطر والمملكة العربية السعودية وتركيا عضو القائمة العراقية ونائب رئيس الجمهورية الهارب طارق الهاشمي، في محاولة لإحياء الفجوة بين المالكي والقائمة العراقية. وقد انضمّ مقتدى الصدر، رجل الدين المقيم في إيران وزعيم التيار الصدري، إلى محادثات مع خصوم المالكي، وهدّد بسحب الثقة من الحكومة. وربما تكون تركيا هي الأكثر حرصاً على تأجيج التوتّرات بين المالكي وبارزاني، على وجه الخصوص، للتأكّد من ألاّ تحل بغداد محل أنقرة كوسيط جديد في التوتّرات الإقليمية والدولية.

بيد أن المالكي والأكراد أبدوا حتى الآن استعدادهم لوضع خلافاتهم جانباً عندما يتعلّق الأمر بالسياسة الخارجية. فقد رفض رئيس العراق الكردي جلال طالباني منح الهاشمي حصانة دبلوماسية عندما استضافته قطر، ووقف مع حكومة المالكي، مؤكّداً أن "هذا من شأنه أن يقوّض ما حقّقه العراق في مؤتمر القمّة العربية". وخلال مهمّته الدبلوماسية الأخيرة في تركيا ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر، تحوّل بارزاني نحو الشأن المحلّي، حيث ركّز على الاتهامات التي تقول إن المالكي يتجه نحو الدكتاتورية. ولكن هذا يخدم فقط التأكيد على الدور الأساسي الذي يتعيّن على الأكراد أن يلعبوه في بقاء المالكي في السلطة، بدلاً من التشكيك في الاتفاق طويل الأمد بين الجانبين في مجال السياسة الخارجية.

العراق لايزال بعيداً عن كونه الدولة المستقرّة والآمنة التي يحاول قادتها أن يظهروها. ولكن من المؤكّد أن صعود العراق كقوة في مجال السياسة الخارجية قد بدأ.