أسفرت الاشتباكات التي وقعت مؤخّراً في شمال لبنان وبيروت عن مقتل وإصابة العديدين.

 في سؤال وجواب جديد، يحذّر بول سالم من احتمال أن يجرّ لبنان إلى الصراع في سورية المجاورة. فالفصائل داخل لبنان وخارجه تنقل الدعم للمعارضة السورية عبر شمال لبنان، بينما يضغط النظام السوري على الحكومة التي يهيمن عليها حزب الله في بيروت لتكون أكثر تأييداً لحليفها التقليدي.

وبينما يرى سالم أن لبنان لايتجّه حالياً نحو انهيار واسع النطاق، فإنه يتعيّن على اللاعبين الإقليميين والمجتمع الدولي أن يدركوا خطورة استخدام لبنان كساحة معركة بالوكالة لبلد عربي آخر.
 

 

ما الذي يؤدّي إلى تصاعد أعمال العنف في لبنان؟ وأين هي المناطق المثيرة للقلق؟

بول سالم
بول سالم هو مدير "مركز كارنيغي للشرق الأوسط" السابق. تتناول أبحاثه ومنشوراته العلاقات الإقليمية والدولية للشرق الأوسط، إضافةً إلى قضايا التطور السياسي والدمقرطة في العالم العربي.
More >
لعلّ أحداث الأسبوع الماضي هي أكثر التطورات إثارة للقلق التي تحدث في لبنان منذ أيار/مايو 2008، عندما نشبت اشتباكات في بيروت وأدّت إلى استيلاء حزب الله على العاصمة وتغيير الحكومة. أخذت الأمور منحىً أسوأ يوم الأحد عندما أطلق جنود في نقطة تفتيش للجيش في شمال لبنان الرصاص وقتلوا أحد الشيوخ المحلّيين من السنّة الذي كان مؤيداً صريحاً جداً للمتمرّدين السوريين. ونتيجة لذلك، ارتفع مستوى التوتّر بين الجماعة السنّية وبين الجيش اللبناني. وعلى نطاق أوسع، تصاعدت كذلك حدّة التوتر بين الفصائل المختلفة في البلاد، وخصوصاً بين السنّة والشيعة.
 
ثمّة العديد من العوامل الكامنة وراء هذا التصعيد الأخير، الأهم بينها هو أن الانتفاضة في سورية تستمدّ التعاطف من الجماعة السنّية في شمال لبنان، التي لديها العديد من الاتصالات مع الجماعات السنّية في مدينتي حماة وحمص السوريتين القريبتين والمناطق المحيطة بهما. وقد وفّر الكثيرون في هذه الجماعات اللبنانية الشمالية المأوى للاجئين السوريين بالإضافة إلى تقديم أنواع أخرى من الدعم للمتمرّدين السوريين. ويقوم عدد من دول الخليج، بما في ذلك المملكة العربية السعودية وقطر، بتحويل الأموال والموارد - ربّما بالتعاون من بعض القوى الغربية - إلى شمال لبنان كقاعدة دعم للمتمرّدين في سورية.
 
ثمّة جانب آخر من الديناميكية يتمثّل في حقيقة أن الجماعة السنية في كل أنحاء لبنان كانت تشعر بأنها مهمّشة ومحرومة منذ أن هزم حزب الله، المنظمة الشيعية، الأحزاب السنية في أيار/مايو 2008 واستولى على العاصمة. وقد حدث هذا بالإضافة إلى سيطرته في جنوب لبنان وسهل البقاع. في كانون الثاني/يناير 2011، استخدم حزب الله هذه السلطة لإسقاط حكومة سعد الحريري وتثبيت حكومة أكثر اتساقاً مع رغباته. الانتفاضة الجزئيّة التي حدثت على مدى الأيام العشرة الماضية من جانب المسلّحين السنّة في طرابلس والشمال، والتحرّكات الأصغر حجماً في المناطق السنّية من بيروت، هو تعبير عن تمكين الطائفة السنّية، وعن بروز تحدٍّ لسلطة حزب الله والحكومة.
 

كيف تتفاعل الحكومة اللبنانية مع هذه التطورات؟

سعت الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي رئيس الوزراء، وهو من طرابلس، جاهدة منذ اندلاع الاحتجاجات لمحاولة نزع فتيل الأزمة وإعادة الهدوء إلى طرابلس وشمال لبنان، والآن إلى العاصمة كذلك.
 
ومع ذلك، يكمن جزء من المشكلة في أن الكثيرين في الجماعة السنّية يرون أن هذه الحكومة تخضع إلى هيمنة خصمها حزب الله. وهناك أيضاً الكثير من التناحر الداخلي داخل الحكومة، وتصاعد التوتّر بين الحكومة وبين مختلف الأجهزة الأمنيّة للدولة. ومعروف أن رئيس جهاز الأمن العام الذي ألقى القبض على شاب إسلامي في طرابلس يوم 12 أيار/مايو (وهو الحادث الذي أثار الاحتجاجات المسلّحة الأخيرة) مقرّب جداً من حزب الله، وجرت عملية الاعتقال في مقرّ وزير المالية السنّي محمد الصفدي، وهو أيضاً من طرابلس. واعتبر الكثيرون أن عملية الاعتقال تحذير من حزب الله وسورية لحكومة ميقاتي كي تتراجع عن سياسة الحياد المعلَنَة تجاه الأزمة السورية، وكي تدعم النظام السوري علناً.
 
أدّت الأحداث الأخيرة في الشمال إلى انعدام الثقة بين السكان وبين العديد من أجهزة الدولة الأمنية، بما في ذلك مديرية الأمن العام، والآن الجيش اللبناني، والذي كان يتمتّع في السابق بشرعيّة ودعم كبيرين جداً. الحكومة ليست لها سلطة حقيقية على مديرية الأمن العام، لكنها وعدت بإجراء تحقيق سريع في اغتيال الجيش اللبناني للشيخ السنّي.
وتشير الأحداث الأخيرة إلى أنه بينما تمكّن لبنان من الحفاظ على الاستقرار والهدوء في السنة الأولى للانتفاضة السورية، فإنه قد ينتقل الآن إلى فترة تقود فيها الأزمة الجماعات المختلفة في اتّجاهات مختلفة. ربما لم تعد الحكومة الجديدة قادرة على مقاومة الضغوط الداخلية والخارجية ذات الصلة.
 
واجهت الحكومة الحالية صعوبات سياسية جمّة في الأشهر الأخيرة تتعلّق بأدائها العام والانقسام الداخلي والتعامل مع الميزانية واقتصاد البلاد. ومن الممكن أن تسقط الحكومة في الأسابيع أو الأشهر المقبلة، ويواجه لبنان التحدّي المتمثل في تشكيل حكومة ائتلافية جديدة. وسيكون هذا تحدّياً من نوع خاص بسبب التناقضات والضغوط التي أدخلتها الأزمة السورية. ومن المقرر أن يُجري لبنان انتخابات برلمانية حاسمة في ربيع العام المقبل.
 
لكن، مع أن مثل هذا التحدّي موجود ومعه التوتّرات المتصاعدة، أعتقد أن أعمال العنف ستظل متفرّقة وتحت السيطرة، ولا أظن أننا نتّجه في الوقت الراهن نحو اشتباكات طائفيّة وحزبيّة أوسع في المدى القريب، أو إلى انهيار واسع النطاق للأمن أو الاستقرار في بيروت أو لبنان بشكل عام.
 

كيف يؤثّر الصراع في سورية على الاستقرار في لبنان؟ هل هناك خطر من اندلاع أعمال العنف في المناطق الحدودية؟

خلال السنة الأولى من الأزمة السورية، بدا أن نظام الأسد راضٍ عن تشكيل حكومة صديقة في بيروت، مع أن الحكومة اللبنانية أعلنت أنها محايدة ولن تورّط نفسها مباشرة في الأزمة السورية.
لكن، تغيّرت هذه الظروف منذ ذلك الحين. إذ تطالب الحكومة في دمشق، وهي التي تشعر بأنها محاصرة على نحو متزايد، حلفاءها في بيروت بالمزيد من حيث الدّعم الصريح.
 اضافة إلى ذلكلم يكن اللاعبون الإقليميون والدوليون ينظرون إلى لبنان، خلال السنة الأولى، باعتباره مركزاً للدعم حيث يمكن تنظيم المتمرّدين السوريين أو نقلهم. بيد أن الانتفاضة فشلت في إسقاط نظام الأسد، والتدخّل العسكري (على غرار الذي جرى في ليبيا) ليس وارداً. في وقت لاحق، اختار عدد من اللاعبين الإقليميين والدوليين دعم وتسليح المعارضة السورية حيث يستخدم بعضهم لبنان، ولاسيّما في شمال البلاد، قاعدة للقيام بذلك. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن للجماعة السنّية في لبنان (على غرار الجماعات السنّية في تركيا وبقيّة دول المنطقة) أن تقف مكتوفة الأيدي بينما يُقتل إخوتهم في المذهب، وبالتالي برزت ديناميكية طبيعية من التعاطف والدّعم.
 
ولذا، أصبح لبنان متورّطاً على نحو متزايد في الأزمة في سورية. وليس من المستغرب أن الحرب الأهلية في سورية سوف تمتدّ إلى دول أخرى مجاورة. فقد كان هناك تدفّق متكرّر للاجئين من سورية إلى لبنان. وحاولت سورية وقف هذا التدفّق القوي عن طريق تسيير دوريّات على جانبها من الحدود، وهي تعتمد على الحكومة اللبنانية لتقييد أو رفض الدّعم الإنساني لهذه الفئات. وجرت أيضاً حوادث عندما لاحقت القوات السورية بعض المتمرّدين عبر الحدود السورية، أو أطلقت النار على بلدات وقرى على الجانب اللبناني من الحدود.
 
الخوف اليوم هو أنه بعد أن أصبح شمال لبنان داعماً للثورة السورية على نحو متزايد، قد يجد نظام الأسد وسائل - مباشرة أو غير مباشرة - للانتقام من لبنان. إذ يفسّر البعض عملية قتل الشيخ المناهض لسورية مؤخراً بوصفها انتقاماً من هذا القبيل. فقد أعلن زعيم الجيب العلوي في طرابلس في شمال لبنان أيضاً أن لجماعته الحقّ في طلب التدخل السوري إذا ماشعرت أنها محاصرة.
 
هل يجب أن تشعر البلاد بالقلق من تهديدات جهات خارجية مثل تنظيم القاعدة أو الجماعات العنفيّة الأخرى؟

من المؤكد أن هناك مخاوف من إمكانيّة أن يستفيد تنظيم القاعدة والجماعات المتطرّفة الأخرى من حالة انعدام الأمن والاستقرار. وبالطبع فهي فعلت ذلك على نطاق واسع في العراق. كانت هناك مخاوف من احتمال أن تكون هناك خلايا للقاعدة تعمل في سورية كذلك، وتزعم مديرية الأمن العام أن الشخص الذي اعتقلته مع آخرين في شمال لبنان، تابعون لتنظيم القاعدة.
 
لكن ادّعاء النظام السوري بأن كل المتمرّدين، وخصوصاً الإسلاميين، هم من إرهابيي القاعدة هو اتّهام مكرور وجزء من إستراتيجية سورية لإضعاف المعارضة، وتبرير اللجوء إلى العنف. وفي حين أن هناك مخاوف مستمرّة في لبنان والعديد من البلدان العربية من أن تنظيم القاعدة قد يتسلّل هنا أو هناك، فليس ثمّة مايشير إلى أن ما يحدث في طرابلس وشمال لبنان مرتبط أو له أيّ علاقة بتنظيم القاعدة.
 
ما نراه، بالتأكيد، هو تمكين الإسلاميين، وخاصة الجماعات السلفيّة في طرابلس وشمال لبنان. هذه المجموعات هي من أشدّ مؤيدي الثورة السورية في لبنان، وربما تكون على الأرجح من متلقّي المساعدات من مصادر عامة أو خاصة في منطقة الخليج. وكانت الجماعات الإسلامية والسلفيّة جزءاّ من النسيج الاجتماعي لشمال لبنان لفترة طويلة، ولايدلّ وجودها الأكثر وضوحاً في الأحداث التي وقعت في الأيام العشرة الأخيرة على تغيير جذريّ بقدر ما هو قوة جديدة، نتيجة للتمويل والدعم الإقليمي، وربّما لا تكون لها علاقة بتنظيم القاعدة. ومن الجدير بالذّكر أيضاً أن هذه الجماعات السلفية والإسلامية توجّه خطابها ضد سورية والنظام السوري، وليس ضد المسيحيين أو العلمانيين أو الجماعات الأخرى في لبنان. ولذا، فإن مستوى القلق الذي تثيره داخلياً محدود.
 
هل ينبغي للمجتمع الدولي أن يشعر بالقلق بشأن لبنان؟ وما هي الخطوات التي يجب أن يتّخذها لتهدئة الوضع؟

 ينبغي على المجتمع الدولي أن يشعر بالقلق بشأن لبنان. فسورية وغيرها من اللاعبين الإقليميين يمارسون ضغوطاً على لبنان في ما يتعلق بالأزمة في سورية. وبالنظر إلى الانقسامات الداخلية والتوازن المتزعزع، يمكن أن تؤدّي مثل هذه الضغوط بسرعة إلى انهيار الحكومة اللبنانية وإلى إشعال فتيل تصاعد العنف.
 
وبالتأكيد فإن القلق يساور لبنان بشأن ما يجري في سورية، والجماعات والأحزاب السياسية في البلاد منقسمة  حول ما إذا كان يجب دعم الثورة السورية أم لا. لكن لايستطيع لبنان أن يكون مرة أخرى ساحة بالوكالة للاعبين الإقليميين أو الدوليين الذين يسعون إلى التأثير على الأحداث في بلد عربي آخر. ويتعيّن على القادة الإقليميين والدوليين الاعتراف بضخامة التكاليف التي يتكبدّها لبنان جرّاء مثل هذه الإستراتيجية، وبدل ذلك إيجاد سبل لدعم الثورة السورية من دون تعريض استقرار لبنان وهدوئه، الذي حقّقه بشقّ الأنفس، إلى الخطر.
 
اضافة إلى ذلك، يجب على اللاعبين الإقليميين والدوليين تشجيع تشكيل حكومة وحدة وطنية في لبنان. مثل هذه الحكومة ستضمّ كل القوى السياسية الرئيسة لاستيعاب وإدارة التوتّرات الداخلية الخطيرة التي ظهرت في الأيام العشرة الماضية. كما ستعمل على خلق مستوى أعلى من التعاون على الصعيد الوطني، تمهيداً لإصدار قانون جديد للانتخابات وإجراء انتخابات برلمانية حاسمة في ربيع العام المقبل.