الانتخابات البرلمانية الأخيرة في الجزائر، والتي فاز فيها الحزب الحاكم بما يقرب من نصف المقاعد، جعلت البعض يتساءلون عمّا اذا كان في وسع هذا البلد أن يفْلِت من موجة التغيير الديمقراطي التي تجتاح البلدان المجاورة.
في سؤال وجواب جديد، يوضّح الحسن عاشي أن الإسلاميين لم يحقّقوا نتائج جيدة في الانتخابات، مع أن الأحزاب الإسلامية في مصر وتونس شهدت صعوداً ملحوظا، وذلك لأن الحزب الإسلامي الرئيس لايزال محظوراً، ويعاني الجزائريون من ندوب ذكريات الحرب الأهلية في البلاد.
 

ما الذي تكشفه لنا الانتخابات النيابية عن قوّة النظام مقارنة بالمعارضة؟

من المهم قبل النظر في النتائج أن نشير إلى أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 43 في المئة، ولكن مع ترك 1.7 مليون ناخب أوراق اقتراعهم فارغة، فهذا يعني أن 35 في المئة فقط من الناخبين صوّتوا بشكل فعلي. وهذا يعكس تدنّي نسبة المشاركة، إلى حدّ كبير، كما يعكس عدم الثقة من جانب قطاعات واسعة من السكان، ولاسيّما الشباب، بالعملية السياسية برمّتها في الجزائر.

ثانياً، لأن النظام الانتخابي يفرض عتبة 5 في المئة في كل دائرة انتخابية للتأهّل للحصول على مقاعد، وعلى ضوء الكمّ غير العادي من الأحزاب السياسية الجديدة التي تمّت الموافقة عليها قبل بضعة أشهر فقط من الانتخابات، حصل حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في البلاد على 48 في المئة من المقاعد، لكن 17 في المئة فقط من الأصوات. وهذا يعادل 1.32 مليون ناخب.

مع الأخذ في الاعتبار مستوى الإقبال، هذا يعني أن 6٪ فقط من الناخبين المؤهّلين في الجزائر اختاروا جبهة التحرير الوطني. وقد فاز النظام في معركة الانتخابات التشريعية، لكن من الصعب القول ما إذا كانت الجزائر قد أفلتت تماماً من المتاعب.

كان أداء الأحزاب الإسلامية في الجزائر ضعيفاً نسبياً، خصوصاً بالمقارنة مع الأداء القوي في دول عربية أخرى في الانتخابات الأخيرة. فما الذي يعنيه هذا بالنسبة إلى مستقبل الأحزاب الإسلامية في الجزائر؟

الحسن عاشي
الحسن عاشي خبير اقتصادي في التنمية والاقتصاديات المؤسسية، والتجارة والعمل، تتركّز أبحاثه على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
More >

أولاً، يتعيّن على المرء أن يأخذ في الاعتبار أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي كانت تتّجه إلى الفوز في انتخابات العام 1992 التشريعية، قد تمّ حظرها منذ ذلك الحين. ودعا قادة الجبهة إلى مقاطعة الانتخابات هذا العام. الجماعات الإسلامية التي شاركت في الانتخابات هي التي اعتبرها النظام معتدلة. أكبر هذه الأحزاب الإسلامية هو تحالف الجزائر الخضراء، الذي فاز بنسبة 10 في المئة من المقاعد (47 مقعداً)، 6.2 في المئة من الأصوات، و 2.2 في المئة من الناخبين المؤهّلين.

ثانياً، على عكس الإسلاميين في تونس ومصر، الذين تم حظرهم ونفي أو سجن زعمائهم، كان الإسلاميون المعتدلون في الجزائر جزءاً من الأغلبية الرئاسية، وكانوا يتولّون مسؤولية أربع حقائب وزارية في الحكومة قبل الانتخابات. وقد رأى الجزائريون في قرارهم في آخر لحظة للمشاركة "كمعارضة" مجرّد تلاعب سياسي.

عموماً، من الصعب أن نرى أي مستقبل للأحزاب الإسلامية في الجزائر بعد عشر سنوات من أعمال العنف التي تلت انتخابات العام 1992. بالنسبة إلى معظم الجزائريين، يرتبط الإسلاميون بأعمال العنف والتطرّف. والتوتّر بين الإسلاميين والجماعات السياسية الأخرى في تونس ومصر يعزّز هذا الرأي.

هل صحيح القول إن الجزائر محصّنة من الربيع العربي، كما جادل البعض؟

صحيح أن الجزائر تختلف عن جيرانها، ولكن كل بلد فريد من نوعه. برأيي، ثمّة  عاملان اثنان وفّرا الحماية للنظام من الانتفاضات الشعبية.

الأول هو النفط وموارد الغاز، ما أعطى النظام مجالاً كافياً لتهدئة استياء الرأي العام. فقد زاد الإنفاق العام في الجزائر بأكثر من 50 في المئة في العامين الماضيين. وخصّصت الحكومة المزيد من الأموال لدعم المواد الغذائية ومنحت زيادات في الأجور لموظفي الخدمة المدنية. كما قدّمت لرجال الأعمال الشباب قروضاً بدون فوائد لتأسيس أعمالهم، ومنحتهم إعفاءات ضريبيّة، وخصّصت لهم حصة من العقود المحلّية العامة.

الثاني هو أن شبح الحرب الأهلية التي شهدتها الجزائر في التسعينيات، والتي أدّت إلى مقتل ما بين 100,000 و 150,000 شخص، لايزال حيّاً جداً في أذهان الناس. فالمخاوف من فترة أخرى من أعمال العنف وانعدام الأمن يمنع الكثير من الجزائريين من السعي إلى إحداث تغيير جذري، على الرغم من مظالمهم الاقتصادية والاجتماعية. ويبدو أن هذا الشعور قد تعزّز بسبب العمليّة الانتقالية الفوضوية السائدة في بلدان الربيع العربي المجاورة لها - تونس ومصر وليبيا - ولكن أيضاً بسبب الوضع في سورية.

الآن، إذا انخفض سعر النفط فجأة، وأدّى ذلك إلى الحدّ من قدرة الحكومة على السيطرة على عجز الموازنة، فهذا يمكن أن يؤجّج الغضب الشعبي ويدخل البلاد في دوّامة من الاضطرابات الاجتماعية. وحتى لو بقيت أسعار الوقود مرتفعة، فإن احتياطيّات الجزائر من النفط والغاز يمكن أن تُستنفَدَ في غضون عشرين عاماً. لذلك، المسألة بالنسبة لي هي مسألة وقت. ما نراه اليوم هو وَهْم "المناعة".

هنّأت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الجزائريين على العدد كبير من النساء المنتخبات. ماذا تعني زيادة المشاركة بالنسبة للتنمية السياسية في الجزائر؟

مارس النظام الجزائري لعبة ذكيّة من خلال فرض نظام الحصص في القانون الانتخابي الجديد التي تراوحت بين 20 و50 في المئة لتمثيل المرأة في قوائم مرشّحي الأحزاب. أدّى هذا الشرط إلى حصول النساء على مايقرب من ثلث المقاعد (145 من أصل 462)، وهو ما أعجب المجتمع الدولي.

مع ذلك، على المرء أن يأخذ في الاعتبار أن قانون الأسرة في الجزائر - حتى بعد التعديلات التي تمّت مؤخراً – متأخّر كثيراً بالمقارنة مع تونس والمغرب في مجال حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين. معدّلات مشاركة الإناث في سوق العمل الجزائرية أيضاً منخفضة للغاية على الرغم من التحسّن في تعليم الإناث.

ما هو حال علاقات الجزائر مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؟

مع حجم الجزائر الجغرافي (مساحتها أكثر من ثلاثة أضعاف مساحة ولاية تكساس وأربعة أضعاف مساحة فرنسا)، وثروتها من النفط والغاز (رابع أكبر منتج للنفط الخام في أفريقيا وسادس أكبر منتج للغاز في جميع أنحاء العالم)، وعدد السكان البالغ 37 مليون نسمة، يعتبر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الجزائر لاعباً رئيساً في المنطقة، وربّما حتّى زعيمة إقليمية.

على الصعيد الاقتصادي، الجزائر هي خامس أكبر مزوّد للاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة. كما أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر للجزائر، ويستوعب أقلّ بقليل من 50 في المئة من الصادرات الجزائرية. ويستورد عدد من الدول الأوروبية، بما في ذلك إسبانيا وايطاليا وفرنسا والبرتغال، جزءاً كبيراً من طاقتها من الجزائر. وتستحوذ الولايات المتحدة على حوالي 25 في المئة من صادرات الجزائر، معظمها في قطاع النفط والغاز. والجزائر من بين أكبر ثلاثة شركاء تجاريين للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

منذ أن تمّ توقيعه في أيلول/سبتمبر 2005، نظّم اتفاق الشراكة العلاقات الثنائيّة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر. وهو يدعو إلى إقامة منطقة تجارة حرّة بين الجانبين في العام 2017. وفي الآونة الأخيرة، وقّعت الولايات المتحدة والجزائر اتفاقاً إطارياً للتجارة والاستثمار، يضع المبادئ المشتركة التي تقوم عليها العلاقات الاقتصادية ويشكّل منبراً للتفاوض على اتفاقات ثنائيّة أخرى. وبدأ عدد من الشركات الأميركية في استكشاف الفرص الاقتصادية المحتملة في الجزائر خارج قطاع النفط والغاز.

الجزائر أيضاً شريك رئيس للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مجال مكافحة الإرهاب. فقد أطلقت البلاد مبادرة لمكافحة الإرهاب الإقليمي مع مالي والنيجر وموريتانيا في محاولة لدعم التعاون الأمني ومعالجة الأسباب الجذريّة لعدم الاستقرار في منطقة الساحل. أخيراً، ومع أن روسيا كانت تقليدياً المورّد العسكري الرئيس للجزائر، والصين إلى حدّ ما، فقد عزّزت الولايات المتحدة والجزائر علاقاتهما العسكرية في الآونة الأخيرة.

كل هذه العوامل توضّح دور الجزائر الإستراتيجي في تحقيق الاستقرار في المغرب العربي، ومحاربة تنظيم القاعدة في الجزائر، ومساعدة الدول الهشّة في منطقة الساحل. وبما أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لايستطيعان تحمّل حدوث اضطرابات في الجزائر، فقد سارعا إلى دعم الانتخابات البرلمانية باعتبارها خطوة مهمة باتّجاه الإصلاح، مع أن ثمة بعض الشكوك في حدوث غش وتزوير في الانتخابات.

كيف يعمل الاقتصاد الجزائري ؟ وهل سيجذب "الاستقرار السياسي" في الجزائر المزيد من المستثمرين الأجانب مقارنة مع بقية دول شمال أفريقيا؟

الجزائر بلد غني يعاني من اختلالات اقتصادية واجتماعية، وإقليمية عميقة. فقد تقدّم صندوق النقد الدولي مؤخّراً بطلب رسمي لاقتراض جزء من احتياطيّات النقد الأجنبي في الجزائر البالغة 200 مليار دولار. ومع ذلك، يعاني معظم الجزائريين من تدنّي نوعيّة الخدمات الاجتماعية الأساسية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية. البطالة مرتفعة، خصوصاً في أوساط الشباب، حيث يبلغ المعدل أكثر من 20 في المئة، وفقاً للأرقام الرسمية.

لقد فشلت الحكومات المتعاقبة في تحقيق أي تقدّم ملموس نحو اقتصاد متنوّع. قطاع الطاقة لا يزال يشكّل أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي، وثلثي إيرادات الحكومة، ومايقرب من 98 في المئة من الصادرات.

لم تتمكّن الجزائر أبداً من جذب تدفّقات كبيرة من الاستثمار الأجنبي بسبب الروتين الإداري وانتشار الفساد على نطاق واسع، وأنظمة العمل غير المستقرّة. وقد صنّف البنك الدولي الجزائر في المرتبة 148 (من أصل 183 بلداً) في مجال سهولة ممارسة الأعمال التجارية، خلف كل الدول الأخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما عدا موريتانيا. ثم أن اعتماد شرط في العام 2009 يتطلّب أن تكون نسبة 51 في المئة في أي استثمار ملكيّة وطنية، بغضّ النظر عن حجمه أو القطاع الموظّف فيه، يردع المستثمرين المحتملين عن وضع أموالهم في الجزائر. وهكذا، وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، انخفضت الاستثمارات الأجنبية، بما في ذلك في مشاريع النفط والغاز.