تُضاعِف الشخصيات المحافظة داخل الأسرة المالكة في البحرين جهودها لإخضاع المعارضة والسيطرة عليها. ويظهر هذا الأمر بوضوح في عمليات الاعتقال الجديدة، والرّقابة على وسائل الإعلام، والتّحذيرات الموجّهة إلى رجال الدين الشيعة، والأساليب الأكثر شراسة المستخدمة في مواجهة المظاهرات. ونتيجة لذلك، تتراجع المعارضة غير العنيفة وذات الطابع المؤسّسي، ممثّلة في الجمعية السياسية الشيعية "الوفاق"، لصالح حركة شباب 14 فبراير الأكثر راديكالية.

ولعلّ ما شجّع المحافظين داخل النظام أكثر هو الاقتراح السعودي لتحويل مجلس التعاون الخليجي إلى ما يسمّى الاتحاد الخليجي الذي سيترتّب عليه توثيق العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وفي حين قوبلت هذه الفكرة بالتّشكيك من جانب معظم حكومات دول مجلس التعاون وأثارت احتجاجات الشيعة في البحرين ومختلف أنحاء الخليج، إلا أن المحافظين في الأسرة المالكة في البحرين تفاعلوا مع الاقتراح بحماسة.

فريدريك ويري
تركّز أبحاث ويري على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج وليبيا، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً.
More >

في ظلّ هذا المناخ، كان للقرار الأخير الذي اتّخذته الولايات المتحدة باستئناف مبيعات الأسلحة إلى البحرين، والهادف إلى دعم وليّ العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة المؤيّد للإصلاح، تأثير معاكس، ماشجّع المتشدّدين في العائلة المالكة، ممّن يرون أن حالة طبيعيّة جديدة قد دبّت في العلاقات بين الولايات المتحدة ومملكة البحرين. وقد وضعت عمليات نقل الأسلحة جمعية الوفاق في موقف دفاعي إلى حدّ بعيد، وأثارت منعطفاً جديداً نحو العداء لأميركا من شباب حركة 14 فبراير.

تمثّل الأثر الصافي لهذه التطوّرات بالمزيد من تدهور دور تيّار الوسط في الحياة السياسية في المملكة وتقلُّص احتمالات الحوار السلمي، مع أن الحكومة قامت ببعض الخطوات لاسترضاء مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وهكذا، كلا الجانبين منخرطان الآن في جولة مكثّفة من نزع الشرعيّة المتبادل.

حملة جديدة بتنازلات رمزيّة

قام المتشدّدون، مدعومين بنجاح سباق "فورمولا وان" في نيسان/أبريل، بعدد من الخطوات لتعزيز سيطرتهم أكثر. إذ يتركّز جزء كبير من السلطة السياسية في المملكة بيد الثلاثي المحافظ المؤلّف من رئيس مجلس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة، ووزير الديوان الملكي خالد بن أحمد بن سلمان آل خليفة، والقائد العام لقوات دفاع البحرين خليفة بن أحمد آل خليفة، حيث إن هذين الأخيرين شقيقان ويشكّلان جزءاً من فرع الخويلد من عائلة آل خليفة.

شهد وليّ العهد، الذي يُعتبر العضو الأكثر انفتاحاً في العائلة المالكة حيال فكرة الاستجابة للاضطرابات بالإصلاحات والحوار، تراجُعَ نفوذه بشكل مطّرد منذ منتصف العام 2011، وهو ما تجسّد في تفكيك العديد من مشاريعه الاقتصادية التي تهدف إلى تحرير السوق البحرينية. الملك، وهو أيضاً أكثر انفتاحاّ من المتشدّدين الحقيقيين إلى حدّ ما، تمّ التعتيم عليه على نحو مماثل دون أن يحظى بأي دعم من جانب المعارضة. وقد صادق مؤخّراً على تعديل دستوري يتطلّب منه التشاور مع رئيسي البرلمان ومجلس الشورى المنتخبين قبل حلّ الهيئة التشريعية، بيد أن المعارضة رفضت بسرعة الإجراء لأنه لايرقى إلى تحقيق مطالبها.

الجناح المتشدّد، الذي يسيطر على قوات الأمن إضافة إلى أدوات الرّقابة، صريح جداً الآن إزاء نيّته إسكات المعارضة. ففي أواخر نيسان/أبريل، عيَّن الجناح المذكور سميرة رجب، وهي شخصية استقطابية أشادت بصدام حسين وأثارت تصريحاتها ضد الشيعة غضب المعارضة، وزيرة للإعلام. في الوقت نفسه، اعتقل هذا الجناح الناشطة في مجال حقوق الإنسان زينب الخواجة بسبب تنظيمها مظاهرة للمطالبة باطلاق سراح والدها الناشط البارز عبدالهادي الخواجة، وحكم عليها بالسجن لمدة شهر منذ ذلك الحين. وفي 5 أيار/مايو، اعتقل منشقاً آخر يحظى بالشعبية هو نبيل رجب، بسبب تغريداته على موقع "تويتر". وفي الآونة الأخيرة، في 27 أيار/مايو، حَكَم الجناح المتشدّد نفسه على ستة مواطنين بحرينيين بالسجن خمسة عشر عاماً بتهمة التخطيط للقيام بهجمات في البحرين بالنيابة عن إيران.

وما زاد الطين بلّة، أن البرلمان البحريني وافق يوم 9 أيار/مايو على تشريع زاد عقوبة الاعتداء على قوات الأمن، وأطلق عدداً من التهديدات ضد رجل الدين الشيعي عيسى القاسم. وفي الآونة الأخيرة، جدّد التلفزيون الحكومي هجومه على الصحيفة الوحيدة المستقلّة في البحرين، "الوسط". في غضون ذلك، تستشهد مصادر المعارضة في الشوارع بتكتيكات قوات الأمن التي تزداد شراسة، مثل إطلاق الرصاص وقذائف الغاز المسيل للدموع من مسافة قريبة، واقتحام المنازل قسراً.

مع ذلك، وبالتزامن مع هذه الحملة، اتّخذ النظام بعض الخطوات لإقناع المجتمع الدولي، ولاسيّما مجلس حقوق الإنسان، بأنه يقوم بخطوات إيجابية للحدّ من انتهاكات حقوق الإنسان. وتحسّباً لنشر تقرير حاسم من مجلس حقوق الإنسان، برّأت المحكمة الابتدائية في البحرين ساحة 14 شخصاً في 15 أيار/مايو كانوا اتُّهموا بالتجمّع غير القانوني والقيام بأعمال الشغب، بمن فيهم أحد أعضاء مجلس شورى جمعية "الوفاق". وبعد ذلك بأسبوع في 22 أيار/مايو، بدأت الحكومة (ولكنها أجّلتها بعد ذلك) محاكمة "عبدالهادي الخواجة و20 ناشطاً آخرين من جديد. كانت هذه توصية رئيسة للجنة التحقيق البحرينية المستقلة، وهي هيئة مستقلة لتقصّي الحقائق أصدرت تقريراً ينتقد بشدّة ردّ النظام على انتفاضة العام 2011. في 28 أيار/مايو، أطلقت الحكومة سراح الناشط نبيل رجب، وزينب الخواجة بكفالة في اليوم التالي.

وافق مجلس الشورى البحريني أيضاً على إدخال تعديل على قانون ضد نشر المعلومات الكاذبة، حيث أعاد صياغته ليعرّف الجريمة بأنها نشر معلومات كاذبة "بشكل متعمّد" "بنيّة التسبب في ضرر". كما وافقت البحرين، في الآونة الأخيرة، على "النظر في" توصيات الأمم المتحدة للإفراج عن السجناء السياسيين، وحظر التعذيب، والانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية.

لكن، نظراً إلى ميزان القوى الحالي داخل العائلة المالكة، من غير المؤكّد أن تبشّر هذه اللفتات بإصلاحات هيكلية أعمق. فهي، كما تقول المعارضة، على الأرجح تدابير تكتيكيّة مؤقّتة لإبعاد النظام عن دائرة ضوء التحقيق الدولي.

الوحدة الخليجية والتبرّم منها

في الوقت نفسه، كانت البحرين تحاول إقناع الأمم المتحدة بأنها عازمة على تحسين سجلّ البلاد في مجال حقوق الإنسان، وكان النظام يطالب "بمسار سريع" للاتحاد مع المملكة العربية السعودية. كان الاتحاد، منذ فترة طويلة، صيحة استنفار وتعبئة بالنسبة إلى العديد من الشخصيات السنيّة في البحرين. ومنذ أوائل العام 2012 كانت هناك مظاهرات يومية في مسجد الفاتح في المنامة لدعم الوحدة.

حظي مقترح الاندماج بين المملكتين بتأييد رسمي بشكل مفاجئ عندما أشار إليه المسؤولون السعوديون والبحرينيون على هامش اجتماع 14 أيار/مايو لدول مجلس التعاون في الرياض. وجرت الإشارة إلى الدفاع المشترك، الذي يفترض أنه ضد إيران، باعتباره قوّة دافعة رئيسة لخطة الوحدة. لكن نظراً إلى أهمية عمليات التدريب ونقل الأسلحة الأميركية إلى جيشي البلدين، فإن الدوافع السياسية هي التي تفعل فعلها على الأرجح. فالوحدة تمثّل بالنسبة لآل سعود، العائلة المالكة السعودية، وسيلة لدعم حلفائها المحافظين في أسرة آل خليفة.

بغضّ النظر عن الدوافع، كان للإعلان عن اتحاد محتمل في مثل هذا الوقت الحسّاس تأثير استقطِابي محلّياً وإقليمياً. وكما هو متوقّع، حظي الإعلان بدعم سنّة صريحين في تأييدهم للنظام البحريني. وأعرب تجمّع صحوة شباب الفاتح والعضو السلفي في البرلمان جاسم السعيد، وزعيم تجمع الوحدة الوطنية عبداللطيف محمود، عن دعمهم لخطة الاتحاد من خلال موقع تويتر أو فيسبوك.

في الجانب الشيعي، ندّدت حركة شباب 14 فبراير بالخطوة بوصفها "اتحاد زيف مجلس التعاون الخليجي". وقالت جمعية الوفاق وعيسى القاسم إن أي قرار بشأن الاتحاد ينبغي اتّخاذه عبر استفتاء شعبي، مشيرين إلى سابقة تصويت البلاد لصالح الاستقلال في العام 1971. وجرت احتجاجات شيعية واسعة ضد الاتحاد في البحرين ومختلف أنحاء الخليج، في حين أحيا المسؤولون الإيرانيون في طهران مطالبتهم القديمة بملكية البحرين.

عمليات نقل الأسلحة الأميركية تأتي بنتيجة عكسيّة

منذ بداية الانتفاضة في البحرين في فبراير 2011، تعرّضت الولايات المتحدة إلى ضغوط قويّة لوضع سياسة تنبئ بدعمها للإصلاحات من دون خلق مزيد من الاحتكاك مع المملكة العربية السعودية أو تعريض قدرتها على الوصول إلى قواعدها العسكرية في البحرين للخطر.

في الأسابيع الأخيرة، قيل إن الولايات المتحدة جدّدت عرضها لوليّ العهد للمساعدة في التوسّط لانهاء الصراع بين النظام الملكي وبين المعارضة، لكنها قُوبلت بالرّفض على أساس أن تلك مسألة داخليّة بحتة. والآن، تجري اجتماعات المسار الثاني على مستوى منخفض داخل البحرين، ويواصل كبار المسؤولين الأميركيين حثّ نظرائهم البحرينيين على المضيّ قُدُما في الإصلاحات. بالتزامن مع هذه التوجهات، خَلُصت الولايات المتحدة إلى أنها يمكن أن تستخدم استئناف عمليات نقل الأسلحة كشكل من أشكال النّفوذ لإقناع السلطات البحرينية بمواصلة الإصلاحات. أعلنت وزارة الخارجية الأميركية يوم 11 أيار/مايو استئناف مبيعات الأسلحة الأميركية إلى البحرين، بما في ذلك ترقية مروحة - تيربو لطائرة F-16 المقاتلة، وصواريخ جو - جو المتطوّرة، وزوارق دوريّة خاصة بالموانئ، وفرقاطة. وأكّدت وزارة الخارجية الأميركية أنه لم تدرج في البيان ناقلات الجند "همفي" والذخائر التي تستخدمها قوات وزارة الداخلية للسيطرة على الحشود، مثل قنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتيّة. وكانت عمليات البيع هذه توقّفت في الخريف الماضي بموجب قرار الكونغرس، وفي 24 أيار/مايو، وضعت لجنة المخصّصات في مجلس الشيوخ مزيداً من القيود على هذه المواد وربطت المساعدات الخارجية الطارئة بإدخال تحسينات في حرية التعبير.

ربّما يكون حجب المواد الخاصّة بالسيطرة على الحشود محاولة للحدّ من الأضرار الرمزية لشرعيّة الولايات المتحدة بسبب حملة النظام. بيد أنه لم يكن لمثل هذه القيود تأثير يذكر على الشارع.

وتشير المعارضة البحرينية إلى أن النظام قد تحايل على القيود الأميركية عن طريق شراء ذخائر الأسلحة الصغيرة من البرازيل والصين. والأهم من ذلك، اشترى النظام ناقلات جند مدرعة من نوع "كوبرا" تركية الصنع كبديل لعربات "همفي"، ونشرت في شوارع المنامة بمناسبة مرور عام على انتفاضة 14 فبراير. ووفقاً لعدد من الناشطين، تعتبر مدرعة "كوبرا" في الواقع أداة أكثر فعّالية للسيطرة على الحشود من عربة "همفي" لأن هيكلها الصغير يتيح لها أن تجتاز الشوارع الخلفية الضيّقة في القرى الشيعيّة في البحرين.

ظاهرياً، تهدف مبيعات الأسلحة أيضاً إلى دعم وليّ العهد، الأكثر اعتدالاً والمؤيّد للإصلاح، في مواجهة المتشدّدين، حيث أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن الموافقة عليها خلال زيارة قام بها وليّ العهد إلى واشنطن. ومع ذلك، فقد جُرِّد وليّ العهد من السلطة باطّراد منذ التدخّل السعودي في البحرين، ومن غير المرجّح أن يعيد الدعم الدبلوماسي من واشنطن هذه السلطة. وفضلاً عن ذلك، ربما فسّر الجناح الذي يضمّ المحافظين وقائد قوات الدفاع البحريني عملية نقل الأسلحة بأنها "انتصار"، وعلامة على عودة الحالة الطبيعية إلى العلاقات بين الولايات المتحدة والبحرين.

الوفاق تواجه الشارع

بالنسبة إلى جمعية "الوفاق"، شكّل بيان الخارجية الأميركية ضربة مثبّطة للهمم، حيث أكّدت، على حدّ تعبير أحد الناشطين، أن واشنطن "تحمل جزرة كبيرة وعصا صغيرة" في تعاملها مع النظام. ويجادل نشطاؤها بأن على الولايات المتحدة أن توقِف كل عمليات التدريب والمساعدة للجيش البحريني، إلى أن يتم اتّخاذ الخطوات اللازمة لدمج أفراد الشيعة في قوات الأمن. وتعتقد "الوفاق" أن النصائح الخاصة عبر القنوات الخلفيّة التي يسديها المسؤولون العسكريون الأميركيون إلى نظرائهم البحرينيين لاتكفي، قائلين إن التحوّلات الحقيقية في السياسة حدثت فقط عندما تم الصراخ على النظام علناً في خطابات رفيعة المستوى.

بيد أن الأهمّ من ذلك هو أن الكثيرين في المعارضة لاينصحون بأن تنقل الولايات المتحدة قواعدها، مثل مقرّ قيادة الأسطول الخامس أو قواتها في قاعدة الشيخ عيسى الجوية، بحجّة أن هذا من شأنه أن يزيد من تمكين المتشدّدين في النظام الذين يشكّكون في مصداقية واشنطن كراعٍ أمنيّ. الأسوأ من ذلك، أنه يعزّز الدفاع عن قضيّة الاتحاد مع المملكة العربية السعودية ويقلّص آفاق الإصلاح أكثر.

الأهم من ذلك، هو أن عمليات نقل الأسلحة مؤخّراً فرضت مزيداً من الضغوط على جمعية "الوفاق" من خلال تمكين الرّافضين في المعارضة. فقد أنعشت عملية البيع، التي أعقبها الدفع نحو الاتحاد مع المملكة العربية السعودية، حركة شباب 14 فبراير، منافسة "الوفاق" في الشوارع، وحفزتها على اتّخاذ موقف أكثر حدة في مناهضته للولايات المتحدة.

أعلنت الحركة عن "أسبوع مقاومة مبيعات الأسلحة الأميركية"، على صفحتها في موقع فيسبوك، التي لُوّنت بقذائف بندقية مضرّجة بالدماء مدموغة بعبارة "الولايات المتحدة الأميركية". كما تغيّرت تكتيكاتها في الشوارع، فابتعدت عن قنابل المولوتوف واتّجهت إلى استخدام الأجهزة المتفجّرة المرتجلة. وإذا ما استمرّت الحملة الحالية، وتم النظر إلى واشنطن على أنها تدعم الردّ الأمني للنظام، فإن صفوف الرّافضين سوف تزداد.

تبدو جمعية "الوفاق" في أعقاب هذه التطوّرات، محاصرة وأكثر ضعفاً. ومحادثاتها مع النظام التي يقال أنها انتهت في أواخر آذار/مارس، تتهاوى حول هذه القضية في مجلس الشورى المعيّن، الذي تدّعي "الوفاق" أنه العقبة الرئيسة أمام الإصلاح الديمقراطي، والذي يعتقد النظام أنه حاجز ضروري في مواجهة ما أسماه أحد المسؤولين "البرلمان المشاكس والمنقسم". وتسعى "الوفاق" الآن إلى الوساطة الخارجية. ومع من اعتراضات العائلة المالكة متواصلة، إلا أن هذا قد يكون السبيل الوحيد للخروج من المأزق الحالي.