ألقت التطورات التي شهدتها مصر خلال الأيام القليلة الماضية مجموعة مُربِكة من الترتيبات المؤسّسية في أتون حالة أكبر من الفوضى والتشوّش. فقد حكمت المحكمة الدستورية العليا بأن الانتخابات البرلمانية غير دستورية، وأصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إعلاناً دستورياً مكمّلاً خلا من أي مشاركة عامة واضحة. إضافة إلى ذلك، عقدت أول انتخابات رئاسية منذ سقوط نظام مبارك.

ومازاد الأمور إرباكاً، أنه نُسِبَت تصريحات إلى قادة الجيش تتعارض مع نصّ الإعلان الذي أصدروه. على سبيل المثال، ورد في مؤتمر صحافي أن أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة وعدوا الرئيس الجديد بأن تكون له سلطة تعيين وزير دفاع، مع أن تلك السلطة ألغيت صراحة في الإعلان الدستوري المكمّل.

ناثان براون
ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث مرموق، ومؤلّف ستة كتب عن السياسة العربية نالت استحساناً.
More >
بداية، انطوى الإعلان الدستوري الأصلي الصادر في آذار/مارس 2011 على كل الثغرات وأوجه الغموض، ووسّع قرار العبث بأحكامه هذا الشهر تلك الثغرات إلى حدّ كبير. ومن المرجّح سدّ العديد من الثغرات من خلال الممارسة السياسية، غالباً من جانب المجلس الأعلى للقوات المسلحة وفقاً لاحتياجاته الآنية. وفي الواقع، تمثّل التأثير المهم لأحداث الأسبوع الماضي في احتواء دور المؤسّسات المنتخبة وتهميشه في العملية الانتقالية في مصر.

وحدها الرئاسة تظلّ هيكلاً ديمقراطياً (على افتراض أنه سيسمح للفائز بأن يشغل المنصب)، حيث جرى قضم سلطاتها. اختار البرلمان المنتخب الجمعية التأسيسية الحالية، وبالتالي فهي تتمتّع أيضاً ببعض الشرعية الديمقراطية، بيد أن وجودها يظل عرضة إلى التهديد، وحتى لو بقيت قائمة، لأنها ستضطرّ إلى العمل تحت أنظار جهات أخرى.

مايلي هو محاولة لتوضيح الأمور من حيث كما هي اليوم، ولمعرفة الجوانب التي لاتزال الفجوات قائمة فيها.

المجلس الأعلى للقوات المسلحة

عزّز المجلس الأعلى للقوات المسلحة مركزه من خلال عدد من الوسائل. أولاً، ضمن المجلس استمرار دوره السياسي بعد تنصيب الرئيس. إذ لن تكون هناك عودة إلى الثكنات نهاية هذا الشهر، على الرغم من وعد بإقامة حفل رمزي تُسلَّم فيه القيادة العسكرية السلطة إلى رئيس الجمهورية. الأهم من ذلك، أن المجلس الأعلى استعاد دوره التشريعي، الذي كان معلّقاً منذ بدأ البرلمان اجتماعاته في كانون الثاني/يناير الماضي.

ثانياً، أعلن المجلس أنه مستقلّ بذاته تماماً عن الرقابة المدنية، وأطلق لنفسه العنان في الشؤون العسكرية.

ثالثاً، منح المجلس نفسه حقاً جديداً وقوياً في التعبير عن رأيه في عملية كتابة الدستور.

أخيراً، عزّز المجلس الأعلى للقوات المسلحة مواقعه من خلال إضفاء الطابع المؤسّسي على دوره الأمني الداخلي، فضلاً عن منح نفسه حق الاعتراض على أي إعلان للحرب. ومن المرجح أن تكون الخطوة الأولى أكثر أهمية، فيما الثانية مثيرة واستثنائية، غير أن من المرجّح أيضاً أن تكون أهميتها رمزية في الوقت الراهن.

يرقى دور الجيش في الأمن الداخلي إلى كونه تفويضاً دائماً للرئيس والمجلس الأعلى للقوات المسلحة بفرض الأحكام العرفيّة. وقد قرن المجلس إعلانه الدستوري المكمّل بشرط إنشاء مجلس للدفاع – وهو هيئة موجودة سابقاً - يعطي الجيش، مع أن الرئيس يترأسه، الرأي المهيمن.

المدى الكامل لسلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ليس واضحاً دائماً. فسلطته التنفيذية قوية لكنها ليست مطلقة في ظل النظام الناشئ، وسيسلّم بعض السلطات المهمّة للرئيس، وخصوصاً مايتعلّق منها بالشؤون الإدارية والمحلّية. لن يتحقّق الوضوح الحقيقي على الأرجح إلا في الممارسة العملية. وإذا ماكان الأسبوع الماضي مؤشّراً، فإن حلّ أوجه الغموض سيجري وفقاً لأولويات المجلس الأعلى وإرادته السياسية المتحرّكة. على سبيل المثال، دوره في الميزانية غامض، في حين أن الميزانية غير العسكرية ليست أحد أوجه السلطة التي يحتفظ بها المجلس الأعلى بشكل صريح، فهو أكّد دوره التشريعي، بينما الميزانية قانون في واقع الأمر. ويبدو أن هذا يمنح المجلس الأعلى منبراً للمطالبة بالهيمنة على الميزانية، لكن لاتوجد مؤشّرات أوّلية حتى الآن على أنه يميل إلى استخدامها.

أصدر المجلس الأعلى الإعلان الدستوري المكمّل كمرسوم، ولم يسمح للرئيس المنتخب أو للشعب المصري أن يكون له رأي في هذه التغييرات. وهذا يشير إلى أن الجنرالات ليسوا مرتاحين إزاء العملية الديمقراطية.

الرئاسة

عندما يتسلم الرئيس الجديد مهام منصبه، ستكون لديه سلطة كبيرة على السياسة الداخلية والإدارة من الناحية النظرية. غير أن من المرجّح أن تتطلّب ممارسة السلطة عملياً في معظم المجالات من الرئيس أن يتفاوض مع المجلس الأعلى، خصوصاً وأن هذا الأخير منح الرئيس الجديد هبة تتمثّل في جنرال مهمّته الإشراف على الشؤون المالية والإدارية لرئاسة الجمهورية. ومايعقّد حياة الرئيس أيضاً أنه سيضطرّ أيضاً إلى التفاوض مع جهات فاعلة أخرى، مثل الأجهزة الأمنية.

سيعيّن الرئيس أعضاء الحكومة باستثناء وزير الدفاع. وبينما تم حجز منصب وزير الدفاع للرئيس الحالي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، لاتوجد أي قيود قانونية أو دستورية واضحة على اختيار الرئيس الجديد لجميع المناصب الأخرى. سيكون بوسع الرئيس إجراء هذه التعيينات من دون أي رقابة برلمانية، في ظل غياب البرلمان، مايتيح له حريّة أكثر حتى من الناحية النظرية.

لكن ستكون هناك ضغوط سياسية كبيرة مرتبطة بتشكيل مجلس الوزراء. على سبيل المثال، في السنوات الأخيرة كان وزير العدل بشكل عام قاضياً بينما كان وزير الداخلية منذ وقت طويل من الأجهزة الأمنية. ربّما يكون ممكناً مخالفة التقليد الأول، مع أنه قد يبدو أكثر حكمة بالنسبة للرئيس الجديد أن يسترضي السلطة القضائية التي كانت نشطة ومتضرّرة إلى حدّ ما. أما مخالفة التقليد الثاني وتعيين وزير مدني للداخلية، فستكون خطوة جريئة للغاية تنطوي على مخاطرة سياسية، حيث يصرّ العديد من الساسة الإصلاحيين على أنها ضرورية للبدء في إصلاح جهاز أمن الدولة التعسّفي وغير الخاضع إلى المساءلة.

وبشكل أعمّ، من غير المرجّح، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن المجلس الأعلى متربّص دائماً في الخلفية، أن يكون الرئيس حرّاً في اختيار مجلس الوزراء بنفسه. يتمتّع مجلس الوزراء والوزراء منفردين بسلطة كبيرة لصنع السياسات، وكذلك إصدار اللوائح والقرارات. ومن دون وجود أي رقابة برلمانية أو مساءلة، ربّما تكون الوسيلة الوحيدة أمام الوزير أو مجلس الوزراء للاعتراض على أي قرار هي رفع دعوى في المحاكم الإدارية (والتي تعمل بدرجات متفاوتة من السرعة) أو الاستئناف أمام المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإصدار تشريع يبطل الإجراء.

في الماضي، كانت موافقة الرئيس ضرورية كي يصبح التشريع البرلماني قانوناً. ويبدو أنه جرى ترحيل هذا الشرط إلى النظام الجديد، لكن ثمّة شيء من التوتّر في الأحكام المختلفة بشأن هذه المسألة. ويبدو أن المجلس الأعلى اختطف كل السلطة التشريعية لنفسه في بند واحد، لكن هناك بند آخر يشترط موافقة رئيس الجمهورية على التشريع، وثالث يسمح لمجلس الوزراء بوضع مشاريع القوانين (ليس واضحاً ما إذا كان عليه أن يحيلها إلى المجلس الأعلى أو الرئيس لمزيد من الدراسة). وفي تصريحات إلى الصحافة، أشار أعضاء المجلس الأعلى إلى أن الجنرالات أنفسهم سيحيلون التشريعات إلى الرئيس للموافقة عليها.

سيطرت مؤسسة الرئاسة على مصر لفترة طويلة لدرجة أن هناك عدداً لايحصى من كل الهياكل واللجان والإجراءات التي تستنزف الرئاسة وتمنح الرئيس دوراً قوياً. ولاتزال هذه الأمور جزءاً من النظام القانوني.

مدة الرئاسة محدّدة في إعلان آذار/مارس 2011 الدستوري بأربع سنوات (قابلة للتجديد مرة واحدة). منطقياً، إذا تولّى الرئيس منصبه في ظلّ دستور مؤقّت، قد يكون من المناسب إجراء انتخابات جديدة بعد أن يطبّق الدستور الجديد. فقد ألمح المجلس الأعلى إلى أن الرئيس الجديد لن يكون إلا مجرّد شخصية انتقالية. لكن مثل هذا الترتيب أمر لامفرّ منه تقريباً، وإذا كان ذلك ماكان يقصده المجلس الأعلى العام الماضي، فليس من الواضح لماذا سمح بجعل مدة ولاية الرئيس أربع سنوات في نصّ الإعلان الدستوري.

التفسير الوحيد المعقول هو أن المجلس الأعلى غيّر رأيه، أو أنه يحتفظ الآن بالحق في تغييره اعتماداً على رأيه بالرئيس. ليس ثمّة وسيلة واضحة لتسوية هذه المسألة. يمكن للدستور الدائم التصدّي لها، مع أن إصرار المجلس الأعلى الجديد قد يقوده إلى التأكيد على الإجابة الخاصة به.

الجمعية التأسيسية

قبل الاكتشاف أن البرلمان غير دستوري، كان قد انتخب الجمعية التأسيسية على النحو الذي يشترطه الإعلان الدستوري. في الواقع، فعل البرلمان ذلك مرتين، فقد ألغت إحدى المحاكم الإدارية أول جمعية في آذار/مارس، وشُكِّلَت حكومة جديدة قبل أيام فقط من الانتخابات الرئاسية. وأقرّ البرلمان أيضاً القانون الذي ينظّم تشكيل الجمعية، لكن المجلس الأعلى لم يوافق على القانون.

اجتمعت الجمعية الثانية مرّة واحدة. وفي بيئة لعب فيها القضاة دوراً نشطاً، قامت الجمعية بخطوة ذكية حيث انتخبت أكبر القضاة سنّاً في الدولة (قاض حسن السمعة لديه بعض الميول الإسلامية) رئيساً لها. ومع ذلك ربّما تكون أيامها معدودة.

في السابق، كان مُتوقَّعاً أن تقدّم الجمعية عملها إلى الناس مباشرة من دون مراجعة أو إشراف آخر منصوص عليه. يمكن الآن لمجموعة متنوّعة من الجهات الفاعلة - الرئيس أو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو رئيس الوزراء أو المجلس الأعلى للهيئات القضائية أو خُمس أعضاء الجمعية التأسيسية نفسها - أن تطلب إعادة النظر في أي نصّ من نصوص مشروع الدستور الذي تضعه الجمعية قبل عرضه على الناس. إذا لم تغيّر الجمعية التأسيسية رأيها، يمكن للطّرف المعترض اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا للبتّ بشكل نهائي وملزم فيما إذا كان النص موضع الاعتراض يتّفق مع أهداف الثورة والمصالح العليا للبلد، أو المبادئ الأساسية للدساتير السابقة. في مقالة سابقة، استخدمت عبارة "الابتذال الدستوري" للإشارة إلى الغموض الشديد لهذه المعايير، وعبثيّة محاسبة الدستور الجديد أمام دساتير أقدم، وإسناد سلطة التفسير النهائي والمطلق إلى هيئة قضائية غير منتخبة شُكِّلَت في ظلّ النظام السابق.

الآن اتّخذ المجلس الأعلى للقوات المسلحة هذه الخطوة الجريئة بالسماح لنفسه بتشكيل جمعية تأسيسية جديدة. وإذا جرت عرقلة أعمال الجمعية الحاليّة ولم تتمكّن من القيام بواجباتها، فسيشكّل المجلس الأعلى جمعية جديدة في غضون أسبوع واحد بمفرده. وفي مثل هذه الحالة، سيكون أمام الهيئة الجديدة ثلاثة أشهر فقط لإنجاز عملها، بدلاً من ستّة أشهر مخصّصة للجمعية الحاليّة. هذه الفترة الزمنية من شأنها أن تمنع فعليّاً حصول مناقشات عامة جادّة.

إن ظهور عقبة في طريق الجمعية التأسيسية الحالية أمر ممكن، لابل مرجّح. فقد رُفِعَت دعوى قضائية ضد الجمعية بحجّة أن أعضاء البرلمان انتخبوا بعض أعضائه لعضويّتها. ومع أن الأمر ربّما يبدو طبيعياً ولاضرر منه، فقد جرى حلّ الجمعية الأولى على أساس حجّة مماثلة.

في كل هذه الحالات، تم تعديل العملية الدستورية لجعلها عرضة للمحاسبة أمام مؤسسات ومبادئ النظام السابق أكثر منها أمام الشعب المصري.

البرلمان

حلّلتُ في مقال سابق الجدل حول ما إذا كان تم حلّ البرلمان أم لا. وبينما يمتلك المدّعون بأن المحكمة ليس لها الحق في حلّ البرلمان حججاً معقولة (ولو أنها بالكاد ساحقة)، ليست لديهم عملياً أي فرصة لتحقيق نجاح سياسي.

قدّم قضاة المحكمة الدستورية إشارات متضاربة حول كيف أن حكمهم على قانون الانتخابات البرلمانية ينطبق على مجلس الشورى في البرلمان المصري، وأن هذا الأخير لازال يبدو قابلاً للاستمرار. بيد أنه جرى تقديم اعتراض قانوني عليه، وبالتالي فإن مستقبله لايزال غامضاً.

ينصّ الإعلان الدستوري المكمّل على إجراء الجولة التالية من الانتخابات البرلمانية بعد شهر واحد من الموافقة على الدستور الجديد، مايؤدّي فعلياً إلى تعليق البرلمان إلى مابعد اكتمال المرحلة الانتقالية، ويوحي بشكل غريب بأن الدستور الحالي المؤقت، لا الدستور النهائي، هو الذي يحدّد موعد إجراء الانتخابات. ويسمح الإعلان المعدّل أيضاً بإصدار قانون جديد الآن (يفترض أن يصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة بموافقة رئيس الجمهورية) لتنظيم تلك الانتخابات، مايوسّع الآثار القانونية لسلطة المجلس الأعلى مرة أخرى لتشمل إدارة النظام الدستوري الجديد.

المحكمة الدستورية العليا

وُضِعَت المحكمة الدستورية العليا في موقف قوي بوصفها وصيّاً وحَكَماً نهائياً ومحدّداً فعلياً للمبادئ المبهمة التي يجب أن يجسّدها الدستور الجديد.
وأشارت تقارير صحافية إلى قضاة المحكمة الدستورية العليا بوصفهم "معيّنين من قبل مبارك"، وهو وصف دقيق لكنه مضلّل في بعض الأحيان. وليس ثمّة شك في أن المحكمة الحالية تشكّلت تماماً في ظل النظام السابق، غير أن استقلاليتها اختلفت بشكل كبير على مر الزمن، ولم تكن قطً صنيعة مباشرة للرئيس. صحيح أن سمعتها وسجلّها في العمل المستقل قد تراجعا على مدى العقد الماضي. وأنا عموماً أشارك تامر مصطفى آراءه بأن المحكمة أصبحت أضعف من الناحية السياسية في السنوات الأخيرة.

التشكيل الحالي للمحكمة متباين بعض الشيء. فقد كان كبير قضاة المحكمة الدستورية العليا معيّناً من الرئيس مباشرة، مع أنه نأى بنفسه في الواقع عن قضية ترشيح أحمد شفيق المثيرة للجدل، آخر رئيس وزراء عيّنه حسني مبارك. وبالتالي بالكاد يمكن أن يعتبر مسؤولاً عن الحكم الذي سمح لشفيق بالترشّح للرئاسة على الرغم من علاقاته السابقة بنظام مبارك. وقد عيّنت المحكمة نفسها عموماً القضاة الآخرين، ومن ثم وافق عليهم الرئيس. حقّق ذلك بعض التنوّع والاستقلال في الماضي. وانطباعي العام هو أن المحكمة الحالية هيئة متنوّعة للغاية بالفعل.

غيّر المجلس الأعلى للقوات المسلحة القانون الذي ينظّم عمل المحكمة الدستورية العليا الصيف الماضي للسماح لها باختيار رئيسها من بين أكبر ثلاثة أعضاء حاليين سنّاً. وكانت النتيجة عزل المحكمة الدستورية العليا عن جميع الجهات الفاعلة الأخرى، وربّما أيضاً غرس شعور بأن المجلس الأعلى (وليس البرلمان) هو أفضل حامٍ للسلطة القضائية. وسيتولّى رئيس المحكمة – وهو قاضٍ في المحكمة الدستورية منذ العام 1991 – منصبه الشهر المقبل.

مايشترك فيه قضاة المحكمة الدستورية العليا، على الرغم من توجهاتهم المختلفة، هو شعورهم القوي بالواجب تجاه القانون والمبادئ الدستورية المجرّدة. بمعنى من المعاني، موقف القضاة مماثل لموقف المجلس الأعلى، مع أن المقارنة قد تسيء إلى بعضهم: فكبار القضاة، على غرار كبار الجنرالات، يعتبرون أنفسهم أوصياء على المصلحة العامة ومصالح الدولة، وبالتالي فهم فوق السياسة والآليات الديمقراطية والمساءلة. والبرلمان الذي تولّى مهامه في كانون الثاني/يناير الماضي جرح مشاعر المحكمة الدستورية العليا بشدّة من خلال انتقاد رئيس المحكمة العليا واقتراح التشريعات التي من شأنها حرمان المحكمة من بعض سلطاتها واستقلاليتها.

ليس من الواضح تماماً كيف ستفسّر المحكمة المبادئ الغامضة التي وُضِعَت في عهدتها بشأن عملية صياغة الدستور. وفي حين تعمل العديد من السلطات القضائية المصرية على الالتزام بأمانة للتفسيرات الشكلية للنصوص القانونية، أظهرت المحكمة الدستورية العليا، نظراً لتفويضها، بعض الراحة بالابتعاد عن الحرفية الضيّقة للنصوص، والقيام بقراءات موسّعة للمبادئ الدستورية العامة. ومع ذلك، المهمة هنا غير مألوفة جداً إلى حد عدم وجود أي مؤشر على الكيفية التي ستستخدم المحكمة سلطتها إذا ماطلب إليها ذلك.