لم يتجاوز عدد السياح الذين اختاروا تونس وجهة لهم خلال 2011 ثلاثة ملايين سائح، بينما كان عددهم يتعدى سبعة ملايين سنوياً خلال السنوات الثلاث التي سبقت الثورة. وبينما كانت إشارات التعافي الاقتصادي في بداياتها خلال الأشهر الأولى من 2012، إذ تزايدت أعداد الوافدين من السياح الأجانب إلى تونس تدريجاً، وبدأت الحملة الدعائية التي أطلقتها وزارة السياحة تحت شعار «كل الأحلام ممكنة» تؤتي أكلها، عادت الشكوك من جديد حول مصير الموسم السياحي في ظل الاضطرابات الأمنية المتكررة خلال الأيام الماضية، والتي دفعت الحكومة إلى فرض حظر للتجول في تونس العاصمة وعدد من المدن الكبرى.
 
وإذا كان من السابق لأوانه إعطاء تقويم دقيق للعواقب المرتقبة لحال التدهور الأمني التي يشكو منها البلد في هذا الظرف الدقيق، على القطاع السياحي في مجمله، تدلّ المؤشرات المتوافرة حتى الآن على تفشي القلق لدى بعض السياح الذين ينوون قضاء عطلتهم في تونس، وإلغاء البعض الآخر حجوزهم وتغيير وجهتهم نحو بلدان أخرى أكثر أماناً. ويعتبر القطاع السياحي في تونس من القطاعات الاقتصادية الإستراتيجية، فهو يساهم بسبعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوجد ما يعادل 400 ألف وظيفة عمل في شكل مباشر. ونظراً إلى الارتباط الوثيق للنشاط السياحي بالنشاطات الاقتصادية الأخرى، مثل التجارة والصناعة التقليدية والنقل، يؤثّر تقلصُ تدفقِ السياحة الوافدة تأثيراً سلبياً في مداخيل هذه النشاطات، ويهدِّد في شكل غير مباشر وظائف العاملين فيها.
 

الحسن عاشي
الحسن عاشي خبير اقتصادي في التنمية والاقتصاديات المؤسسية، والتجارة والعمل، تتركّز أبحاثه على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
More >
ومع ان استعادة الأمن شرط ضروري لا خلاف حوله من أجل تحسين أداء القطاع السياحي في تونس، هو غير كاف. فإذا كانت أزمة القطاع تفاقمت منذ الثورة بسبب تدهور الوضع الأمني وتزايد الضبابية حول توجهات السياسة السياحية بعد فوز «حزب النهضة» في الانتخابات التشريعية وقيادته للحكومة، فإن جذورها كانت موجودة من قبل وتعود إلى عوامل بنيوية ترتبط بطبيعة المنتج السياحي الذي اتخذته تونس مجالاً لتخصصها، إضافة إلى التوجه العام للسياسة الاستثمارية في القطاع السياحي خلال مرحلة ما قبل الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.
 
عانى قطاع السياحة في تونس من تركيزه المفرط على المنتجعات الشاطئية المغلقة ذات الجودة المتوسطة، التي تستقبل في شكل أساسي الفئات ذات الدخل المحدود الآتية من دول الاتحاد الأوروبي. ويعاني هذا التوجه من مستويات الربحية الضئيلة، ومن تأثره الشديد بالظرفية الاقتصادية. ويتضح من خلال بيانات المنظمة العالمية للسياحة ان الإيراد المتوسط من السائح الوافد إلى تونس لا يتجاوز 385 دولاراً، وهو الأضعف على مستوى الوجهات السياحية حول البحر المتوسط. ويصل الإيراد المتوسط من السائح إلى 725 دولاراً في المغرب، و770 دولاراً في تركيا، و890 دولاراً في مصر، وألف دولار في اليونان.
 
وتميز القطاع السياحي خلال عهد بن علي بتوافد أعداد كبيرة من المستثمرين المقربين من النظام بهدف الاستفادة من الامتيازات، بما في ذلك اقتناء الأراضي بأسعار متدنية والحصول على القروض المصرفية في مقابل أسعار فائدة زهيدة وتسهيلات أخرى. وفي الوقت ذاته، كان مهنيو القطاع يعانون من القرارات التعسفية من طرف الساهرين على تنظيم القطاع، خصوصاً في مجال تصنيف وحدات الإقامة السياحية والوصول إلى التراخيص. وخلال السنوات العشر الماضية التي سبقت «ثورة الياسمين»، قفز عدد السياح الذين اختاروا تونس وجهة لهم من خمسة ملايين سائح إلى سبعة ملايين، في حين ارتفع عدد المتوجهين إلى المغرب من أقل من خمسة ملايين شخص إلى ما يزيد على تسعة ملايين خلال الفترة ذاتها، وتضاعف عدد المتوجهين إلى تركيا مرتين والى مصر مرتين ونصف مرة.
 
إن انتعاش القطاع السياحي في تونس في المدى المنظور، يتطلب تأمين مستوى معقول من الاستقرار والأمن، إلا ان تطوير القطاع وضمان استمراريته في دعم النمو الاقتصادي وتأمين الوظائف الضرورية لامتصاص الأعداد الهائلة من البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب المتعلم، يحتاجان إلى مراجعة عميقة للتوجهات السياحية للبلد. وتقتضي هذه المراجعة مسألتين:
 
الأولى، الأخذ في الاعتبار التحولات الديموغرافية في أوروبا، والاتجاهات الجديدة في الطلب على السياحة الثقافية والبيئية والصحراوية، وسياحة المغامرة والاكتشاف. وتشير تقديرات المنظمة العالمية للسياحة ان ما يقرب من 40 في المئة من النشاط السياحي يرتبط اليوم بالجانب الثقافي. وتتميز هذه الأشكال الجديدة للسياحة بكونها أكثر ربحية وأقل عرضة إلى التغيرات الموسمية.
 
الثانية، العمل على فتح أسواق جديدة من أجل تنويع مصادر الإيرادات السياحية وتجاوز وضعية الاعتماد المفرط على السياح الأوروبيين الذين يشكلون اليوم أكثر من 80 في المئة من السياحة الوافدة إلى تونس. وتشكل أسواق الدول الصاعدة في آسيا وأميركا اللاتينية مصدراً مهماً خلال السنوات المقبلة بسبب تحسن المستويات المعيشية لسكانها وتطور الاتصالات الجوية بين مختلف أنحاء العالم.
 
وختاماً، ان لتونس ما يكفي من المقومات لتطوير قطاع سياحي متنوع وذي جودة عالية. وتبقى الاستفادة من تلك المقومات رهناً بمدى قدرة الحكومة، بالتشاور والتنسيق مع مهنيي القطاع، على وضع استراتيجية مستقبلية واضحة المعالم تستجيب إلى تغيرات الطلب العالمي، وتستثمر في شكل أمثل رأس المال الطبيعي والتاريخي والبشري للبلد.

 تمّ نشر هذا المقال في جريدة الحياة.