لا يملك الرئيس المصري الجديد المنتخب ترف الوقت لبدء التعاطي مع التحديات الاقتصادية الصعبة التي تفرض ذاتها على أجندته وبقوة، فبعد مرور سنة ونصف سنة على بدء الثورة، ما زال الاقتصاد المصري يمر في فترة تباطؤ شديد، وإذا استمرت المؤشرات الاقتصادية تتبع النمط ذاته، سيؤدي ذلك إلى أزمة طاحنة ستكون لها تداعيات سياسية واجتماعية.
 
وأبرز التحديات التي تواجه الرئيس الجديد تتمثل في كيفية استعادة زخم النمو وثقة الأسواق وعودة المستثمرين لممارسة أعمالهم كالمعتاد، ولعل التحسن الذي انعكس على مؤشرات البورصة المصرية بعد إعلان محمد مرسي رئيساً، يعتبر إشارة واضحة إلى حاجة المستثمرين إلى استعادة مناخ الثقة والاستقرار من ضمن إطار سياسي يسمح بالتنبؤ بطبيعة المرحلة المقبلة.
 
 

إبراهيم سيف
إبراهيم سيف باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. وهو خبير اقتصادي متخصّص في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على الاقتصادات الانتقالية، والتجارة الدولية مع التركيز على الأردن والشرق الأوسط، والحوكمة المؤسسية، واقتصاد سوق العمل.
More >
والتحدي الثاني الذي يواجه الرئيس يتعلق بطريقة إدارة التوقعات المرتفعة للشارع المصري والتي يرتفع سقفها باستمرار، في وقت ترتفع نسبة العجز في الموازنة وتتراجع إيرادات الدولة بسبب حال التباطؤ الشديد في الاقتصاد. وتكمن المعضلة في كيفية التوفيق بين الحاجة إلى مزيد من الإنفاق من جهة وضرورة الحفاظ على المؤشرات الكلية، مثل العجز في الموازنة الذي ارتفع للسنة المالية 2012 - 2013 إلى 10 في المئة، وتعتبَر إدارة المالية العامة من أصعب الملفات في ظل جمود بنود الإنفاق العام التي تؤمّن رواتب لنحو ستة ملايين موظف في القطاع العام بالإضافة إلى الإنفاق على الدعم وعبء المديونية، وتشكّل هذه البنود 78 في المئة من النفقات العامة وليس هناك كثير مما يمكن عمله حيالها.
 
ويتمثّل التحدي الثالث في غياب إطار عام يحدد التوجهات الاقتصادية المستقبلية، فكثير من السياسات الاقتصادية تعتبَر في المناطق الرمادية، وهي غير واضحة حيال أدوار اللاعبين الاقتصاديين خلال المرحلة المقبلة، ويزيد من الالتباس في مصر عدم وضوح النهج الاقتصادي الذي سيتبَع، فهل سيكون نابعاً من البرنامج الاقتصادي لـ «حزب الحرية والعدالة» أم من سياسات المجلس العسكري الذي يتحكم في مقدرات الأمور؟ ويحد هذا الالتباس من قدرات صناع القرار على اتخاذ خطوات إصلاحية بعيدة المدى.
 
ومما يضاعف من المصاعب التي تواجه الاقتصادي المصري وبالتالي الرئيس الجديد هو إحجام المجتمع الدولي عن التعامل مع الحكومة القائمة، فحتى الآن لم تحسَم كيفية حصول مصر على قرض صندوق النقد الدولي البالغة قيمته 3.2 بليون دولار. ومن شأن نيل هذا القرض تأهيل مصر للحصول على مزيد من القروض من أطراف صناديق تنموية عدة، فنيله بمثابة حسن سلوك في ما يخص التوجهات الاقتصادية المستقبلية، فيما يضاعف عدم نيله من مصاعب الرئيس الجديد. وليس واضحاً كيف سيتحرك مرسي في ما يخص هذا الملف، فهناك شروط مصاحبة لهذا القرض المعلق منذ فترة.
 
ونجم عن هذه التحديات وسوء إدارة الملف الاقتصادي عدد من النتائج أبرزها تراجع احتياط المصرف المركزي بمعدل 1.4 بليون دولار شهرياً إلى 40 في المئة اليوم من قيمته في كانون الثاني (يناير) 2011. وعلى إثر ذلك خفض المصرف المركزي نسبة الاحتياط الإلزامي للمصارف من 20 إلى 14 في المئة في آذار (مارس) الماضي ثم مرة أخرى إلى 10 في المئة في أيار (مايو) الماضي. كذلك حاولت الحكومة تأمين سيولة من خلال إصدار سندات للمغتربين، لكن تلك المحاولات لم تنجح، وارتفعت تكاليف الاقتراض من المصارف المحلية لتبلغ أسعار الفائدة على سندات الخزينة في آخر مزاد أعلى مستوى لها في 15 سنة.
 
وتثير هذه المؤشرات مخاوف جدية حول سعر الصرف في مصر، والذي ظل مستقراً نسبياً في الشهور الـ 18 الماضية، لكن الغموض يكتنف إمكانيات الاستمرار في حماية الجنيه المصري في ظل تردي مؤشرات تحصيل العملات الأجنبية والتراجع الكبير في النشاط السياحي. وأمام هذه التحديات من أين يمكن للرئيس الجديد البدء في التعامل مع هذه الملفات؟
 
بداية يحتاج الرئيس الجديد إرسال الإشارات الصحيحة لبدء استعادة الثقة في الأداء الاقتصادي، وهذا يتضمن تحديداً القطاع الخاص الذي يبدو حتى الآن مغيباً عن المشهد السياسي بسبب تركة الماضي والانطباعات التي سادت عن هذه القطاع. ويجب أن تتضمن الإشارات المرسلة موقف الدولة من كثير من الملفات الاقتصادية والأدوار المتوقعة من اللاعبين الاقتصاديين. كذلك ثمة حاجة إلى إعادة تأهيل مفهوم القطاع الخاص وعدم الاستمرار في الحديث عنه وتحليله على اعتبار أنه كان مرتبطاً بنظام حسني مبارك وابنه جمال، إذ بات مصطلح القطاع الخاص في مصر موازياً للفساد والتواطؤ مع أجهزة الأمن وغيرها من المؤشرات السلبية.
 
في المجال الثاني، على الحكومة التوقف عن الاقتراض من السوق المحلية وبالتالي الاستحواذ على السيولة وحرمان كثير من القطاعات الأخرى منها، فاستمرار الحكومة في الاقتراض يرفع من تكاليفه، ويساهم في زيادة العجز، ويؤجل كثيراً من القرارات الصعبة التي يمكن البدء فيها، مثل إعادة النظر في سياسات الدعم التي تستهلك جانباً كبيراً من النفقات العامة، إلى جانب السياسة الضريبية. ويحتاج ملفا الدعم والضرائب إلى شرعية سياسية ووحده الرئيس الجديد المنتخب القادر على إدارة الحوار المتعلق بهما.
 
ومن الأولويات التي يمكن أن تساهم في استعادة جانب من زخم النمو، الاهتمام بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي توظف العدد الأكبر من العاملين في مصر، فهذه المشاريع تعاني صعوبات كبيرة في التمويل والوصول إلى الأسواق، ويمكن لتخصيص جانب من التسهيلات الائتمانية لهذا النوع من المشاريع أن يساهم في تخفيف الضغط على الحكومة ويلجم الحاجة إلى مزيد من النفقات العامة.
 
وفي المدى الأبعد لا بد من إعادة الاعتبار إلى قطاع الزراعة الذي يعاني تراجع في مستويات الإنتاجية لكنه قادر على استيعاب إعداد كبيرة من الأيدي العاملة، كذلك الأمر في ما يخص قطاع الصناعات التحويلية الذي يعتبر المولّد الأكبر لفرص العمل، وفي ظل الأوضاع المستجدة في مصر لا يوجد ما يمنع من إتباع سياسة تصنيعية وزراعية جديدة تساهم في استعادة التوازن في الاقتصاد بسبب الإهمال والسياسات الخاطئة التي اتبعت في العقود الماضية. ومهما يكن من أمر فالملف الاقتصادي بدءاً من أزمة المواصلات والمرور وانتهاء بتراجع رصيد العملات الأجنبية سيكون هو الأكثر حضوراً أمام الرئيس الجديد الذي يحتاج إلى التحرك سريعاً.

 تمّ نشر هذا المقال في جريدة الحياة.