كان البيان الختامي لمجموعة العمل الخاصة بسورية والمكوّنة من تسعة أعضاء، التي اجتمعت في جنيف في نهاية الأسبوع الماضي، هاماً بسبب ما لم يقله بقدر ما كان هاماً بسبب مافعله. فقد عبّر البيان عن إجماع في الرأي على أن التغيير السياسي الأساسي ضروري، وينبغي أن يتم بقيادة حكومة انتقالية تتمتّع بسلطات كاملة وتتشكّل من ممثّلي المعارضة والحكومة.

من ناحية أخرى، لم يَدْعُ الاتفاق صراحة إلى رحيل بشار الأسد، كما أنه لم يتضمّن جدولا زمنياً، ولا مجموعة من الإجراءات الواجب اتباعها إذا لم يتم احترام بنوده.
تجاهلت الحكومة السورية البيان إلى حدّ كبير. أما المعارضة فهي منقسمة، حيث رحّب البعض بالقرار باعتباره السبيل الوحيد للمضيّ قُدُماً، واعتبر آخرون أن الطلب من جماعات المعارضة تشكيل حكومة جنباً إلى جنب مع "جلاديها" مهزلة.

بول سالم
بول سالم هو مدير "مركز كارنيغي للشرق الأوسط" السابق. تتناول أبحاثه ومنشوراته العلاقات الإقليمية والدولية للشرق الأوسط، إضافةً إلى قضايا التطور السياسي والدمقرطة في العالم العربي.
More >
في حين يبدو الأمل في تنفيذ هذه الخطة بشكل فوري ضئيلاً، يتعرّض النظام السوري إلى ضغوط مكثّفة. إذ تزعم بعض التقارير الواردة من سورية والصحافة العربية بأن روسيا باتت تدرك الآن أن السيد بشار (الأسد) والزمرة الصغيرة المحيطة به يجب أن يرحلوا كجزء من أي حلّ للأزمة السورية.. وتقول تقارير أخرى إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي باراك أوباما ناقشا خلال اجتماع عقداه مؤخراً الخطوط العريضة لفترة انتقالية في مرحلة ما بعد الأسد.


يقول بيان جنيف إنه سيتم تشكيل الحكومة الانتقالية "بالتراضي" بين أطراف الصراع. وقد فسّر مسؤولون غربيون هذا الأمر على أنه يستثني السيد الأسد، لأن المعارضة لن توافق على ضمّه إلى الحكومة المذكورة.

وينصّ البيان أيضاً على أنه "يجب الحفاظ على الخدمات العامة أو استعادتها ... وهذا يشمل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية". ولعلّ هذا يعكس إصرار روسيا على أنه حتى لو ترك الأسد السلطة، فإن المؤسسات العسكرية والأمنية التي تربطها بها علاقات واستثمارات كبيرة منذ فترة طويلة ستبقى، وأن التجربة العراقية في حلّ الجيش لن تتكرّر.

في الواقع، ربما تأمل روسيا - بل وربما إيران - أنه في سياق عملية تدبّرها روسيا، يمكن إدارة العملية الانتقالية الداخلية في سورية من دون تغيير التحالفات الإقليمية والدولية، ما يسمح لها بأن تبقى وثيقة الصلة بروسيا وإيران وحزب الله.

بيد أن النظام نفسه لايزال على تحدّيه. فقد أصدر الأسد قانوناً جديداً لمكافحة الارهاب يزيد من عقوبة السجن لمعارضيه. وكثّفت الأجهزة الأمنية حجم ونطاق الاعتقالات في الأسابيع الأخيرة، حيث تجاوزت نشطاء المعارضة المباشرين لتستهدف من يدعمونهم بصورة غير مباشرة. وثمّة أيضاً مخاوف من حدوث تصعيد كبير في أعمال العنف من جانب النظام.

لم يستخدم النظام حتى الآن كل الوسائل العسكرية الموجودة تحت تصرفه. وفي أعقاب إعلان الأسد الأسبوع الماضي أن سورية في حرب أهلية، ثمّة مخاوف من احتمال أن يسعى النظام إلى القيام بعمليات عسكرية أكبر هذا الصيف في إطار محاولة جديدة لتسوية الصراع بالقوة.


بيد أن من شأن هذا التصعيد فقط زيادة عدد القتلى من دون نتيجة. فالعديد من الوحدات التابعة للقوات المسلحة ليست على استعداد للدخول في مثل هذا التصعيد، وسوف تنشقّ بأعداد أكبر. وهناك بالفعل تعاون واسع بشكل ملحوظ بين المتمرّدين وبعض أفراد قوات الأمن الحكومية الذين ظلوا في مناصبهم لكنهم يساعدون المتمرّدين بهدوء، إما من أجل المال أو بدافع التعاطف. وفي الوقت نفسه، تزداد المعارضة تسليحاً وقدرة على التحرّك، ويمكنها أن تنجو بعد مجموعة متصاعدة من الهجمات.

في الواقع، ربّما نكون قد دخلنا في فترة تُمنَح فيها الدبلوماسية فرصتها الأخيرة. إذ تقدّم المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا بالفعل الدعم المادي للمتمرّدين، فيما تقدّم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة المعلومات الاستخباراتية وسوى ذلك من أشكال المساعدة "الناعمة". وقد استوعب كوفي عنان مبعوث الجامعة العربية والأمم المتحدة، فضلاً عن الغرب، موقف روسيا على الصعيد السياسي، وهم يعطون بوتين فرصة لترتيب حلّ سياسي.

وتحرص موسكو على إثبات النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، وإظهار أن روسيا شريك قادر وضروري. فبوتين لا يريد أن يفشل في سورية، كما أنه لايريد التورّط في حرب بالوكالة مع تركيا والغرب ودول مجلس التعاون الخليجي.

وموسكو على اتصال وثيق مع النظام السوري، وكذلك مع مئات الضباط في صفوف قوات الأمن ذات التدريب والتجهيز الروسي. وسوف تستضيف موسكو أيضاً المعارضة السورية في وقت لاحق من الشهر الجاري. لذلك لاتزال هناك فرصة في إمكانية أن ترتّب روسيا حلاً للأزمة السورية.


ومع أنه جرى الحديث كثيراً عن "نموذج يمني" في سورية، فإن ما تفكر فيه روسيا قد يكون أقرب إلى النموذج المصري: في مصر، ساعدت القوات المسلحة في العزل "الناعم" للرئيس وبطانته، في الوقت الذي حافظت فيه على قوتها واستمرت في الهيمنة على العمليات السياسية والأمنية والدستورية.

على أي حال، إذا كان بوتين قادراً على ترجمة بيان جنيف إلى نتائج على أرض الواقع، فسيتم تجنّب الأسوأ، وقد تدخل البلاد فعلا في مرحلة انتقالية موجّهة. أما إذا فشل، فإن الطريق سيكون ممهّداً لتصعيد سريع للصراع في سورية مع وجود دعم إقليمي ودولي خطير بالوكالة للطرفين المتصارعين. مثل هذا التصعيد لن يدمّر سورية فقط، ولكن من شأنه أيضاً أن يهدّد استقرار لبنان، ويمكن أن يتسبّب في مخاوف أمنية خطيرة بالنسبة لتركيا والعراق والأردن.

في الواقع، إذا لم تنجح الدبلوماسية، فإن حجم ومدى الدمار سيزداد بشكل كبير. لاتزال هناك فرصة للتراجع عن حافة الهاوية، ولكن هذه الهاوية تقترب كل يوم أكثر.

تمّ نشر هذا المقال بالإنجليزية في جريدة ذا ناشيونال.