من المقرّر أن يجري تعيين الدبلوماسي الجزائري البارز السابق الأخضر الإبراهيمي مبعوثاً جديداً للجامعة العربية والأمم المتحدة في سورية، في أعقاب استقالة كوفي أنان في الثاني من آب/أغسطس. لم يقبل الإبراهيمي هذا المنصب بعد، ولم توافق عليه الحكومة السورية.
كثرٌ يشكّكون في جدوى ذلك معتبرين أن العناصر اللازمة لتحقيق انفراجة لاتزال غير متوافرة، وأن الإبراهيمي سيواجه العقبات نفسها التي نسفت مهمة أنان منذ نيسان/أبريل الماضي. ويرى آخرون أن الرجل الذي ساعد في إنهاء الحرب الأهلية في لبنان، وتمكّن من إدارة انتخابات العراق المضطربة في حقبة مابعد صدام، ودعم حامد كرزاي رئيساً لأفغانستان، لايمكن أن يخطئ. فدعونا نلقي نظرة على إيجابيات تعيين الإبراهيمي وسلبياته بالنسبة إلى سورية.
أولاً، على عكس أنان، الإبراهيمي عربي مسلم يعرف الشرق الأوسط بصورة شاملة، لا من خلال المنظور الضيّق للأمم المتحدة، بل من خلال الخبرة العملية بعد أن عاش وعمل مع العرب طيلة مسيرته المهنية. كان الإبراهيمي ناصرياً خلال فترة شبابه، وشغل منصب سفير بلاده في مصر والسودان في الستينيات. فضلاً عن ذلك، شغل في الفترة 1984-1991 منصب الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، وكان بين العامين 1991-1993 وزير خارجية بلاده. وعمل الإبراهيمي لفترة وجيزة، بين العامين 1983-1984، مستشاراً خاصاً للرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد.
حمَلَتْه مناصبُه إلى دمشق في كثير من الأحيان، وكانت آخر زيارة له إليها في إطار وفد الحكماء في تشرين الأول/أكتوبر 2010. في العام 1989، عمل مع السوريين على بلورة اتفاق الطائف لوضع حدّ للحرب الأهلية في لبنان. هو يعرف مخاوفهم وهمومهم وعقليّتهم، وقد تعامل مع كل إدارة سورية من نور الدين الأتاسي إلى بشار الأسد. أما أنان فلم يكن يعلم شيئاً على الإطلاق عن سورية، باستثناء ماكانت تطلعه عليه بانتظام السلطات الرسمية السورية والولايات المتحدة وإسرائيل خلال فترة تولّيه منصب الأمين العام للأمم المتحدة في التسعينيات. لن يبدو الإبراهيمي وكأنه مستشرق يقارب المنطقة بقفازات بيضاء، ويعبّر عما هو واضح، من قبيل أن الوضع "خطير" في سورية. كما أنه لن يستخدم كلمات قوية مثل "مذعور" و"متفائل" ليصف مشاعره الداخلية تجاه المهمة في سورية، إذ يعلم أن مثل هذا الكلام الفارغ يُترجَم بصورة سيئة للغاية في الشارع السوري. فهذه التصريحات جعلت أنان يبدو سخيفاً في نظر السوريين العاديين، الذين كانوا يعانون من الحرب والفقر والتشرّد، في حين كان أنان يتعلّم أساسيات الوضع السوري.
لن يأخذ الإبراهيمي الأمور على علاتها كما فعل أنان، بل سيعرف متى يكذب عليه السوريين بشأن شيء ما. كما أن للإبراهيمي سجلاً سياسياً ومالياً استثنائياً لاتشوبه شائبة، خلافاً للجنرال السوداني مصطفى الدابي، الذي قاد بعثة الجامعة العربية إلى سورية، والذي اتُّهِم بارتكاب إبادة جماعية في بلده، أو أنان، الذي تحمّل اتهامات بالفساد في الأمم المتحدة.
فضلاً عن ذلك، يحظى الإبراهيمي بثقة الناس واحترامهم، لا في سورية وحسب، بل على المستوى العالمي أيضاً. لكن العقبات في طريقه كثيرة هي الأخرى. أوّلها هي سنّ الإبراهيمي، فهو يبلغ الثمانية والسبعين من العمر وقد تجاوز سنّ التقاعد، ولم يتبقَّ فيه سوى القليل من القدرة على القتال. وثانيها هي الطريق المسدود في سورية، حيث لا النظام ولا الجيش السوري الحر على استعداد لإلقاء السلاح.
كما أن المعارضة السورية لاتزال مفكّكة إلى حدّ كبير، والمجتمع الدولي منقسماً حول كيفية التعامل مع سورية. فروسيا وإيران لاتزالان ملتزمتين التزاماً راسخاً تجاه حلفائهما في دمشق، في حين أن الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية وقطر تضغط من أجل تغيير النظام، من دون تقديم خريطة طريق واضحة تُحدِّد طريقة تحقيق ذلك ومتى.
تصرّ هذه الدول على أنه لن توجَّه إلى سورية أي ضربة شبيهة بضربة ليبيا، وتتحدّث بشكل غامض عن حلّ على الطريقة اليمنية، ناسيةً ربما أن الرئيس السوري بشار الأسد ليس في وارد التفكير حتى في التنحّي، على عكس علي عبدالله صالح
وفي غياب سلطة واحدة يتلقّى منها المتمرّدون المسلحون الأوامر، يُستبعَد جداً أن يلتزم أحد بقرار وقف إطلاق النار في حال توسّط الإبراهيمي في التوصّل إليه كما فعل أنان. ولاتزال الولايات المتحدة ترفض منح إيران أي دور في رسم مستقبل سورية مابعد البعث، والإبراهيمي يعلم أنه في ظل عدم توجيه ضربة جوية، وعدم إشراك إيران، وغياب الرغبة في إلقاء السلاح، وعدم وجود خريطة طريق، ستبقى سورية في نقطة الصفر.
أضِف إلى ذلك أن الولايات المتحدة ببساطة غير مهتمّة بسورية أو الإبراهيمي لشدّة انهماكها بالانتخابات الرئاسية التي ستُجرى بعد ثلاثة أشهر.
الأهم من ذلك، ماذا ستكون مرجعيّة الإبراهيمي؟ هل ستكون مرجعيّته خطة أنان الأصلية ذات النقاط الست، التي دعت إلى وضع حدّ للعنف "من جميع الأطراف"، وتقديم المساعدات الإنسانية للمدن التي مزّقتها الحرب، ووضع آلية مناسبة للمراقبة، وبدء عملية سياسية تدعو، وفقاً لجامعة الدول العربية، الأسد إلى تفويض صلاحياته لنائبه؟ أم تكون مرجعيّته مؤتمر جنيف الأخير الذي يدعو إلى "هيئة انتقالية" تتولّى إدارة سورية بالتوازي مع الأسد لمدة سنة؟
يبدو أن هاتين الفكرتين أُسقِطتا، فلا النظام ولا المعارضة مهتمان بإعادة النظر فيهما. والإبراهيمي يعرف ماسَبَقَ ذكرُه حقّ المعرفة. وبعد حياة مهنيّة خصبة وناجحة تعود إلى الستينيات، لم يتبقَ لديه مايُثبِت به إرثه.
قد يكون ذلك ميزة بالفعل، إذ أنه لن يقبل تولّي المهمة في سورية ما لم يحصل على ضمانات من الأمم المتحدة بأن الهوّة بين روسيا وأميركا قد سُدَّت. وهو لن يخاطر بسمعته من أجل مهمة فاشلة في سورية، إذا ماتحققت ستكون ربما آخر مهمة له قبل التقاعد.
نُشر هذا المقال بالإنكليزية في صحيفة "غالف نيوز".
