هذا المقال واحد من مقالات ثلاثة متّصلة. المقالان الآخران هما مصر تحاول إعادة تشكيل نفسها والأجندة التشريعية المحتملة لمصر.
 
في غضون الأشهر الثمانية عشر التي انقضت منذ أن أجبروا رئيسهم الذي حَكَمَ طويلاً في الحكم على الاستقالة، مرّ المصريون بسلسلة مُربِكة وخلافيّة من التغييرات السياسية. ففي منتصف شهر رمضان من هذا العام، أصبح توازن القوى في الحياة السياسية المصرية أكثر وضوحاً، حيث أعاد الدكتور محمد مرسي توكيد قوة مؤسّسة الرئاسة بطريقة مثيرة. مع ذلك، إذا كانت القوى الفاعلة أصبحت أكثر وضوحاً، إلا أن العملية ليست كذلك. وفي الواقع، فإن وصفها بأنها "عملية" يشكّل مجاملة لتسلسل غير مقصود للأحداث. ربما تندفع العملية الانتقالية في مصر نحو ديمقراطية أكثر تعدّدية، وفترة طويلة من عدم الاستقرار، وسلطوية متجدّدة، أو نحو نوع من ديمقراطية التفويض يستطيع من خلالها زعيم يحظى بتفويض شعبي ممارسة الحكم من دون أن يخضع إلى الكثير من الرقابة والمساءلة.
 
ماهو مؤكَّد الآن نابع من تحوّل مفاجئ جداً في الأحداث. فقد حاول الرئيس المصري المنتخب حديثاً في البداية تأكيد سلطته عن طريق دعوة البرلمان إلى الانعقاد مجدّداً، ولكن المحاكم صدّته وتعرّض إلى حملة انتقادات واسعة من مختلف ألوان الطيف السياسي. حاول مرة أخرى مع الجيش ونجح، لكنه واجه معارضة سياسية أقلّ مما كان متوقّعاً. ولذلك فقد كان القضاة، أكثر من الجنرالات، هم الذين وقفوا حجر عثرة في طريقه.
 
ناثان براون
ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث مرموق، ومؤلّف ستة كتب عن السياسة العربية نالت استحساناً.
More >
يسيطر الرئيس مرسي على الوضع بشكل حازم، ويتمتّع بسلطة قانونية غير محدودة تقريباً من الناحية النظرية. ويمثّل هذا انتصاراً متبايناً جداً للديمقراطية. فعلى مدى أكثر من نصف قرن، كانت مؤسّسة الرئاسة هي التركيبة السياسية المهيمنة. وقد ظلّ هذا المنصب شاغراً من شباط/فبراير 2011 حتى حزيران/يونيو 2012. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت مؤسّسة الرئاسة المُستبِدة تعاود الظهور.
 
إذا كان الأمر كذلك، فهذا سيكون بمحض الصدفة، إذ لا أحد صمّم تسلسل المرحلة الانتقالية الحالية في مصر مثلما هي عليه. كان الرئيس الحالي يمثّل الخيار الثاني للحركة التي قرّرت في الأصل ألا تطرح مرشحاً لمنصب الرئيس، وأُجريَت الانتخابات نفسها قبل اعتماد دستور جديد حيث كان البرلمان قد حُلّ، وهو التسلسل الذي لم يرغب فيه سوى قلّة من المصريين. وعلى الرغم من المعوّقات الأوليّة، بدأ الرئيس مرسي يتحرّر من بعض القيود القانونية والسياسية القوية على سلطته. وأصبح المصريون ينتبهون الآن إلى مايقوم به الرئيس. رأيت هذا بنفسي في مصر عندما كنت أركب في سيارة أجرة مع أحد الأصدقاء، حيث بدأت الأخبار، (كما كان يحدث على مدى عقود) بقائمة كبيرة من اجتماعات الرئيس. وللمرة الأولى في تجربتي في البلاد، رفع السائق صوت المذياع مبتهجاً.
 
ثمّة إشارات متباينة بالنسبة إلى مَن يأملون في تحقيق بعض النتائج الديمقراطية. فالمشاكل لاتكمن في نوايا أهم اللاعبين، بقدر ماتكمن في البيئة السياسية والعملية الانتقالية غير الصحية اللتين تقوّضان المقاربات التوافقية عندما يكون ثمة حاجة إليها، وتكافئ الصفقات الهادئة عندما لايكون ثمة حاجة إليها. في هذا التعليق، سأستعرض المخاطر والوعود في عدد من المجالات بما في ذلك: السلطة القانونية غير المقيّدة للرئيس مرسي، والصراع على البيروقراطية، والانفراج (أو ربما الوفاق) بين الرئاسة والجيش والأجهزة الأمنية، والحالة المدنية الضارّة للنقاش السياسي، وآفاق تطوير الأحزاب السياسية.
 
رئاسة غير مُقيَّدة من الناحية القانونية: كم سينجز مرسي؟
كانت سلطات الرئيس التنفيذية شاملة على الدوام، ووضع قرار المحكمة الدستورية العليا بحلّ البرلمان المنتخب، بالإضافة إلى إلغاء إعلان مرسي الدستوري المؤرّخ في 12 آب/أغسطس، السلطة التشريعية في يديه إلى أن يتم انتخاب برلمان جديد، ربّما في العام المقبل. وقد تُحدِّد كيفية استخدامه لهذه السلطة ما إذا كانت مصر تتقدّم نحو ديمقراطية بالتفويض أو نحو نظام أكثر تعدديّة يتمتع بمؤسّسات مستقلة للدولة.
 
ثمّة الكثير مما يحتاج إلى تغيير في النظام القانوني المصري إذا ماكانت هناك إرادة في إصلاح النظام السياسي. ومن بين القضايا التي يبدو أنها تحظى باهتمام الرئيس، المنظمات غير الحكومية، والجهاز القضائي، والمحكمة الدستورية العليا والأزهر، المركز الإسلامي الرئيس للتعلّم في مصر (لمزيد من التفاصيل، أنظر هنا). ثمّة أسباب قوية للتغيير في جميع المجالات الواردة في الأجندة، وسجلّ حافل من المقترحات التي يمكن لواضعي القوانين الاعتماد عليها. بيد أنه ستكون هناك تداعيات خطيرة وطويلة الأمد إذا ماتحرّك الرئيس بشأنها على نحو طموح ومفاجئ. إذ يخاطر مرسي باتّخاذ قرارات بالمراسيم وأن ينظر إليه على أنه ديكتاتور حميد، وهو مايعتبر طريقة سيئة لبدء حكم ديمقراطي.
 
إحدى المشكلات إجرائية. من الناحية النظرية، إذا ما أراد كتاب في التربية المدنية وصف الكيفية التي يتحوّل فيها مشروع القانون إلى قانون في مصر اليوم، بالكاد يمكن تصوير العملية على أنها دقيقة أو مسؤولة: يحدث ذلك عندما يقرّر الرئيس أن تدوّن إرادته في الجريدة الرسمية. في الممارسة العملية، قد لاتكون العملية استبدادية جداً: من المرجّح أن يفعل ذلك فقط عندما يتم تطوير المسألة داخل مجلس الوزراء والوزارات الرئيسة، وفي بعض المسائل، إجراء مفاوضات مع أصحاب المصلحة الرئيسيين. لكن هذه عملية لاتزال ديكتاتورية وغير شفّافة. إذ لايوجد أساس للتشاور مع القوى السياسية، ولاشرط لازباً لإجراء نقاش ومداولات عامة، ولارقابة من أي هيئة أخرى ربما باستثناء المحاكم، والتي تشعر بأنها في مرمى جهود الصياغة الحالية.
وتتجاوز قائمة المخاطر المحتملة السلطويّة الناشئة: سنّ القوانين عن طريق المراسيم الرئاسية يمكن أن يستبعد الجهات الفاعلة الحيوية؛ والعملية التي تقوم على نفض الغبار عن المقترحات القديمة ربما تكون مناسبة فقط لخوض الحرب السابقة ضد مبارك أكثر منها لخوض المعركة الحالية من أجل تحقيق الديمقراطية التعدّدية؛ والقرارات الرئيسة بشأن الصياغة قد تكون بأيدي أفراد معيّنين يعملون من دون رقابة عامة، كما أن وجود نمط في اعتماد الخيارات الدائمة حول التصميم المؤسّسي في فترة انتقالية قد يقوّض شرعية تلك الهياكل.
 
الكثيرون سيرغبون في أن يكون لهم صوت في معالجة القضايا الحاسمة وطويلة الأمد مثل كيفية إعادة هيكلة السلطة القضائية، وكيف ينبغي أن تعمل المحكمة الدستورية العليا في بيئة ديمقراطية لاسلطوية، وأي درجة من الاستقلالية والسلطة ينبغي منحها للأزهر. وقد تحرّك المجلس الأعلى للقوات المسلحة بشكل مندفع بشأن بعض هذه القضايا عندما كان يمتلك السلطة التشريعية لمدة عام ونصف العام. ويملك الرئيس مرسي قدراً أكبر من الشرعية الديمقراطية، لكن مع ذلك ربما ينظر إليه باعتباره يتحرّك بشكل مفاجئ.
 
عموماً، يمتلك الرئيس العديد من الفرص لاستخدام سلطته التشريعية الواسعة لإجراء إصلاحات كبيرة في الحياة السياسية المصرية. بيد أن هناك مخاوف كبيرة من أن الأهداف السامية ستخفي تطبيقاً حزبياً للإصلاحات حتى لو قام الرئيس به. ويعتبر الإصلاح القضائي أحد الأمثلة على ذلك. إذ تتّفق ظاهرياً جميع الجهات السياسية المصرية الفاعلة على الحاجة إلى وجود سلطة قضائية مستقلّة، بيد أن هناك في الوقت الحاضر خلافاً بين اثنين من العناصر الفاعلة الرئيسة التي تدعو إلى مثل هذا الاستقلال. فقد اشتهر أحمد مكي، وزير العدل، من خلال الترويج للقضية في ظل نظام مبارك، في حين أظهرت المحكمة الدستورية العليا أنها على استعداد لحلّ البرلمان إذا وجدت أن قانون الانتخابات غير دستوري (ألغت القانون أربع مرات خلال ربع القرن الماضي).
 
لاترتبط معركة استقلال القضاء بالتغييرات القانونية فقط (مع أنها قانونية جزئياً بالتأكيد)، بل اتّخذت أيضاً شكل خصومات شخصية. من الواضح أن ثمّة خشية بين كبار القضاة من أن مكّي يفكر بالتوصية بإجراء تغيير قانوني لم يناقش حتى الآن علناً  إلا عن طريق الشائعات فقط: جعل الرئيس يستخدم سلطته لخفض سنّ تقاعد القضاة. مثل هذه الخطوة يمكن أن تؤدّي إلى وضع نهاية مبكرة للسيرة المهنية لكثير من كبار القضاة. إذ سينظر المنتقدون إلى ماستقدّم بوصفها خطوة لتشجيع ضخّ دماء قضائية جديدة (ليس بشيء من المبالغة أبداً) على أنها أقرب إلى عملية إراقة دماء هائلة مشابهة لـ"مذبحة القضاء" التي جرت في العام 1969، والتي جرى فيها طرد عدد كبير من القضاة بشكل مفاجئ ولأسباب سياسية.
 
حتى الآن، كان تصريح الرئيس بأنه يملك السلطة عمومياً، لكنه استخدم في الواقع صلاحياته التشريعية المطلقة على نحو متواضع جداً. فقد وعد بأنه لن يندفع إلى الأمام. وعمل بالفعل على إلغاء الحبس الاحتياطي للصحافيين المتّهمين بارتكاب جرائم، لكنه تراجع عن تقديم مزيد من التغييرات الشاملة في القوانين السلطوية للصحافة المصرية. وبهذا المعنى، سعى مرسي إلى طمأنة منتقديه بأنه لن يسيء استخدام سلطته.
 
انتقال في الخنادق: توجيه الدولة وإعادة تشكيلها 
قد يكون الرئيس مرسي مُطلَق السلطة من الناحية النظرية، لكنه ليس كذلك من الناحية العملية. إذ بقيت معظم البيروقراطية الحكومية والسلطة القضائية من دون تغيير، حيث تثير أي خطوات من جانب الرئيس لإعادة تشكيلها أو تعيين إسلاميين اتّهامات بـ"أخونة الدولة" (من الإخوان). وبالفعل، ثمّة دلائل على وجود صراع مستمر على مستوى جهاز الدولة.
 
هيمنت مؤسّسة الرئاسة على جميع مؤسّسات الدولة منذ خمسينيات القرن الماضي، لكن عدداً كبيراً منها تمكّن من تحقيق قدر من الاستقلال الذاتي في سنوات حكم مبارك. وعندما كانت الأمور تصل إلى نقطة حاسمة، كانت تلك المؤسّسات تدعم الرئاسة، لكن نادراً ماوصلت الأمور إلى تلك النقطة بشكل يومي. بدلاً من ذلك، اعتمد نظام مبارك على عدد قليل من الأفراد الموثوقين وقدر من الاستمالة للإبقاء على درجة فضفاضة من السيطرة. (كان هناك تباين كبير بين هذه المؤسّسات، ومع مرور الوقت في التقارب وفعّالية الرقابة الرئاسية).
 
أدّت مقاومة التغيير من جانب بعض مؤسسات الدولة منذ العام 2011 إلى نشر مفهوم "الدولة الخفيّة" – أو الدولة العميقة. هذا المفهوم مفيد في فهم الطبيعة المحافظة الشديدة للعديد من المؤسسات وعدم قدرتها على التمييز بين مصالحها المؤسّسية والمصلحة العامة الأوسع. لكنه يجعل الدولة تبدو أيضاً أكثر تماسكاً مما هي عليه في الواقع، ويدفع المراقبين إلى التغاضي عن مستوى تعدّد الأصوات داخل مؤسّسات الدولة.
 
بعد شباط/فبراير 2011، جرت معارك داخلية في جميع مؤسسات الدولة، حيث دعا البعض إلى مزيد من الاستقلالية، وانجذب البعض الآخر إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والتشبّث بالقادة السابقين. أصبح التعبير عن الخلافات التي ظلت طيّ الكتمان أكثر أماناً: كانت قلّة (ولكنها لم تكن صغيرة دائماً) من كبار القادة في الهياكل الأساسية تتعاطف مع الإسلاميين. وبالتالي فإن كثيراً من المؤسسات المصرية لاتزال تشهد صراعات داخلية بطيئة ولكنها مشؤومة ومنذرة، وتتم عموماً بعيداً عن العناوين الرئيسة لوسائل الإعلام.
 
يبدو الصراع أكثر علانية في المحاكم والأزهر. وحَدَت المواجهة السياسية بين المحكمة الدستورية العليا ومؤسّسة الرئاسة بمعظم المؤسسات القضائية إلى تشكيل رأي غريب عن السطوة الانتخابية لجماعة الإخوان. ومع ذلك، بيّنت أجواء مابعد الثورة أيضاً ماكان يُهْمَس به فقط في الماضي: وجود عدد كبير من القضاة من ذوي الميول الإسلامية الغامضة. فقد جعل مكتب شيخ الأزهر من المؤسّسة حصناً ضد السلفية وحتى جماعة الإخوان في بعض النواحي، لكن هناك بعض السلفيين وعدداً أكبر من المتعاطفين مع الإخوان داخل صفوف علماء الأزهر.
 
وسائل الإعلام
تحتدم المعركة بالفعل في وسائل الإعلام المملوكة للدولة، حيث تستقطب جولة تعيينات رؤساء التحرير في المؤسسات المملوكة للدولة انتقادات على الصعيدين الداخلي والدولي بسبب المكانة المهنية لبعض المعيّنين والميول الإسلامية لآخرين. وأظهرت قلّة من المعيّنين الجدد بسرعة أن التملّق المثير لوسائل الإعلام الحكومية يمكن أن يؤدّي ببعض الوسائل إلى الاستجابة لنزوات الزعيم الجديد بخفّة ونشاط يرضي حتى الفرعون. في المثال الأكثر شهرة، فاجأت مجلة النظام القديم "أكتوبر"، والتي تأسّست في عهد السادات وسميّت كذلك تيمّناً بحرب العام 1973، العدد الضئيل من قرائها بغلاف يظهر الرئيس مرسي وهو يرتدي زي الفارس ويقفز إلى الأمام على فرس منطلق تحت عنوان "الثورة تقلع".
 
ومع ذلك، لاتقتصر المشكلة على وسائل الإعلام المملوكة للدولة. فقد أعقبت هذه التعيينات خطوات قانونية ضد مؤسّستين إعلاميتين مملوكتين للقطاع الخاص يمكن القول إنهما انتقلتا من الانتقاد إلى التحريض على أعمال العنف. وأعقبت ذلك سلسلة من التهديدات برفع دعاوى قضائية وحتى استجوابات لمحررين آخرين من جانب النيابة العامة بسبب محتوى إعلامي ينطوي على إهانة أكثر منه على تهديد.
 
أدّت تلك الخطوات بالنقاد إلى اتّهام رئاسة مرسي بأنها ربما تشبه بشكل مخيف وسريع رئاسة مبارك. لم يطمئن الردّ الرئاسي القائل أن التعيينات هي مسؤولية مجلس الشورى الذي لايزال قائماً وإن الخطوات القانونية هي مسؤولية النائب العام سوى القليلين، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه كان يكرّر تفسيرات مماثلة من العهد السلطوي. وفي الواقع، من المرجح أن تكون معركة حرية التعبير في مصر صعبة.
 
لايزال الإطار القانوني المصري مليئاً بالقواعد السلطوية؛ الصحافة نفسها تدخل أحياناً في مجال التهديد (الوسيلتان الإعلاميتان المخالفتان ماكان لهما أن تخضعا إلى المحاكمة على الأرجح في معظم النظم الديمقراطية لأنهما كانتا غامضتين في تهديداتهما ولايمكن اعتبارهما مسؤولتين عن أعمال عنف محدّدة). وفي حين استرعت المحاكمتان قدراً كبيراً من الاهتمام، لم تلحظ كثيراً الخطوات القانونية التي اتّخذت ضد اثنين من محامي جماعة الإخوان كانا قد أشارا إلى أن القضاة في المحكمة الدستورية العليا زوّروا تاريخ حكمهم القاضي بحلّ البرلمان لإخفاء أحكام مسبقة مزعومة في القضية. ولذا إن جماعة الإخوان المسلمين ضحية مثلما هي جانية.
 
لكن المشاكل أعمق بكثير من تلك التي يطرحها الرئيس والبرلمان والنائب العام. المشكلة بالنسبة إلى مصر اليوم هي كيفية تقدير حدود التمييز بين الصخب والتحريض، وبين النقد اللاذع والعنف، وبين الحديث الفضفاض والتشهير، وبين المهنية والمحسوبية والسياسة في وسائل الإعلام المملوكة للدولة. المؤشرات الأولية تقول إنه ربما يتم فرض هذه الحدود بدل التفاوض عليها.
 
جمهورية التفاهمات الهادئة والخلافات الصاخبة
بطبيعة الحال، من المفترض أن يكون هناك مزيج من المنافسة والتعاون في أي نظام ديمقراطي. وبهذا المعنى، قد يبدو هذا الوصف للحياة السياسية المصرية مهذّباً تقريباً، فهناك مفاوضات هادئة وتغييرات تدريجية؛ وتحدث مشادّات لكنها سلميّة عموماً. ولكن لايزال هناك شيء غير صحّي تماماً في هذه العملية.
القوى السياسية المدنية الفاعلة عديدة لكن ليس لديها حافز كبير أو فرصة لتجاوز الانقسامات والاتفاق على قواعد الحياة السياسية. وبدل المنافسة في بعض المجالات ومعرفة كيفية التوصّل إلى تفاهم في مجالات أخرى، يتم طرح النوع العادي من السياسة الديمقراطية جانباً. بدلاً من ذلك، تفاوض المؤسّسات الرئيسة - الجيش والأجهزة الأمنية والبيروقراطية، والآن مؤسّسة الرئاسة - بهدوء لإعادة بناء النظام السياسي في مصر. ولامعنى لانتقاد جهة فاعلة واحدة (حتى الرئيس مرسي) بسبب إنشاء هذا النظام، حيث يبدو الوضع مركّباً لتشجيعه على اعتبار الجيش والأجهزة الأمنية، بدلاً من مجموعة من الجهات السياسية المدنية العقيمة، المصدر الرئيس لخوفه وقلقه.
 
لكن إذا كان هذا هو مكمن الحوافز، ففي وسع آثارها تقويض إمكانيات التحوّل الديمقراطي. إذ تشجع المناقشات السياسية غير الفعّالة والصاخبة بين القوى السياسية والصفقات الغامضة في الغرف الخلفية بين الممارسين الحقيقيين للسلطة. ولايقتصر الأمر على أن الصفقات غامضة فقط، بل تبدو الجهات الفاعلة السياسية الرئيسة نفسها مثل صناديق سوداء. فالجيش والأجهزة الأمنية وأكبر حركة في البلاد، الإخوان المسلمون، كلها مغلقة إلى حدّ ما، وتعاني من عدم التوازن في عملية صنع القرار فيها. كما أن فيها نفوراً ملحوظاً من بثّ المناقشات الداخلية التي تجري فيها علانية. والنتيجة هي أن نواياها وعمليات اتخاذ القرار فيها ليست واضحة على الإطلاق. إذ أن قضية أساسية مثل التركيبة الدقيقة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة كانت مسألة تخمين مستغرب ومستمر منذ شباط/فبراير 2011.
 
وبالمثل، إن علاقة الرئيس مرسي بجماعة الإخوان موضع خلاف. فقد زعمت تقارير صحافية بشكل روتيني أنه استقال من جماعة الإخوان، لكن لاجماعة الإخوان ولامرسي أدلى بمثل هذا التصريح. سمعت من مصريين اثنين حسني الاطلاع أن مرسي بقي عضواً عادياً في جماعة الإخوان مع أنه استقال من منصبه القيادي.
 
وبما أنه لايوجد برلمان، فلا وجود لهيئة تشريعية توفّر الضوابط والتوازنات. مجلس الشورى في البرلمان لايزال قائماً، لكن سلطته ضعيفة ومهدّدة بسبب اعتراض قانوني لايزال منظوراً أمام المحاكم. والاقتراع التالي الذي يبدو في الأفق هو استفتاء دستوري بنعم أو لا، وبالتالي فإن الرئاسة ومجلس الشورى الضعيف يظلان هيكلين منتخبين.
 
الغريب أن بعض الأحزاب السياسية صفّقت بالفعل لحلّ البرلمان كوسيلة لإبقاء السيطرة السياسية بمنأى عن أيدي الإسلاميين. بيد أن سوء تقديرها السياسي اتّضح عندما أصدر الرئيس مرسي إعلانه الدستوري المكمّل، وهو مافاجأها بعد أن أجرى مفاوضات هادئة مع بعض أعضاء المجلس العسكري وتولّى سلطات البرلمان بنفسه.
 
في النظام الدستوري المؤقت في مصر لايحتاج الوزراء إلى الحصول على ثقة البرلمان، لأنه لاوجود للبرلمان. لكن يبدو أنهم في حاجة إلى قدر من ثقة (أو قبول في كثير من الأحيان) الجنرالات والبيروقراطية.
 
الذين قالوا إن هناك تفاهماً سرياً بين المجلس العسكري وجماعة الإخوان كانوا يبالغون في الحديث عن وجود تواطؤ في العام 2011. بيد أن هناك الآن أسلوب عمل واضح جداً بينهما. هناك العديد من الأماكن التي يبدو فيها بطء عملية التفاوض واضحاً. وربما كان أبرزها مرسوما تشكيل لجنة لمراجعة ملفات المحكومين في المحاكم العسكرية منذ بداية الثورة، ولجنة لتقصّي الحقائق في وفيات المتظاهرين التي وقعت بين 25 كانون الثاني/يناير 2011 و30 حزيران/يونيو 2012 (القراران الرئاسيان خمسة وعشرة للعام 2012).
 
بدا أن المرسومين يندرجان تماماً ضمن صلاحيات الرئيس حتى قبل صدور إعلان مرسي الدستوري، وكانا جريئين بشكل ملحوظ. وبصريح العبارة فإن اللجنة الثانية تضع زملاء الجناة المشتبه فيهم إلى جانب المدافعين عن الضحايا. لكن أحد المراقبين المطلعين على الأقل، الناشط حسام بهجت، وصف لي نصّ المرسوم وعضوية اللجنة على أنها عملية جرى التفاوض بشأنها بعناية، حيث تابعت الرئاسة الحازمة مسألة حساسة جداً، في حين أفسح المجلس العسكري المجال لها بطريقة مقيّدة.
 
وجرت عملية مماثلة بشأن تشكيل الحكومة. ويبدو أنه جرى التفاوض على المناصب الرئيسة بهدوء مع الجيش والأجهزة الأمنية. كما طالب العديد من الهيئات الحكومية الأخرى بالتشاور والاعتراض أحياناً على اختيارات معينة. وجعلت قوة السلطة القضائية من المستحيل أن يعيِّن أي شخص وزير العدل باستثناء أحد القضاة. وحتى مسألة اختيار وزير الأوقاف لم يكن أول رئيس من جماعة الإخوان المسلمين حراً فيها. وعندما عرض المنصب على أحد السلفيين البارزين، كان واضحاً تماماً أن شيخ الأزهر قد غضب، ووفقاً لروايات صحافية، هي باعتراف الجميع ذات موثوقية غير مؤكدة حتى بشأن المسائل غير المؤذية نسبياً، سعى لدى المجلس العسكري ونجح في تسمية شخصية يمكن الاعتماد عليها من داخل مؤسسته لتولّي المنصب.
 
السياسة العامة السامّة
تطوّر جو سياسي سام يبدو أنه مصمّم تقريباً لتعزيز خطاب استقطابي بشأن عملية بناء تحالفات بنّاءة. ليس ثمّة حافز في النظام يدفع إلى التعاون، وليست هناك أي قيود على من يمارسون السلطة. الأمر الوحيد الذي يمكن أن يحدث فرقاً هو الدستور، لكن هذه عملية طويلة الأجل تثقلها مشاكلها الخاصة. وهكذا تطوّرت الساحة السياسية إلى مشاحنات حزبية وتسوية حسابات واتهامات مرهقة.
 
لا تجد حركة ذات توجّهات ديمقراطية مكاناً تلجأ إليه كي تجعل صوتها مسموعاً إلا في الشوارع والصحافة، مايؤدّي إلى حدّة في النقاش العام. وببساطة ليس ثمة خيارات أخرى أمام معظم الجهات السياسية سوى الشكوى في وسائل الإعلام سعياً إلى تحقيق أجنداتها.
تتفاقم معظم المناقشات السياسية القاسية في مصر اليوم بشدة بسبب عدم وجود أي تفاهمات ضمنية بين القوى السياسية. وعندما كان الإسلاميون يملكون أغلبية برلمانية واضحة، لم تكن هناك حتى مجموعة غامضة من التفاهمات حول مايمكن وما لايمكن للأغلبية أن تفعل. وقد جدوا أنفسهم متّهمين بانتظام بـ"المبالغة" ببساطة لأنهم صوّتوا لصالح اقتراحاتهم. ولم تكن صلاحيات الأقلّيات واضحة، حيث اضطلع رئيس البرلمان في العديد من البرلمانات العربية بدور قوي جداً في تحديد جدول الأعمال، ومع ذلك كان رئيس البرلمان في ذلك الوقت، في حين أنه شخصية تصالحية إلى حدّ ما، عضواً في جماعة الإخوان. بدلاً من بناء تقاليد العلاقات بين الأكثرية والأقلية رويداً رويداً، بدا أن البرلمان أصبح أرضيّة خصبة لتفريخ الاتّهامات والاتّهامات المضادة.
 
ربما لو منحت المزيد من الوقت - وخاصة لو جرى تحويل الانتباه عن عملها اللامحدود إلى عمل لجانها الأكثر هدوءاً - لأمكن بناء مثل هذه الثقة والتقاليد.
 
تشكّل الاتهامات الخطيرة الآن العنصر الرئيس في المناقشات السياسية المصرية. وبغضّ النظر عما تقوم به أي جهة فاعلة في هذه المرحلة، فإن بمقدور منتقديها التعبير عن تصرفاتها بلغة مروّعة. ينطبق هذا على الولايات المتحدة التي وسّعت دائرة منتقديها على مرّ السنين. وقد اتّسم ردّ فعل الدبلوماسيين الأميركيين بتساؤل البعض كيف أنه يتم تلقّف المقاربة السياسية الأميركية بسرعة، والتي يرون أنها مصمّمة لإيصال رسالة مفادها أنه لاتوجد أطراف محسوبة عليهم في مصر، بحيث تنظر كل قوة سياسية إلى الولايات المتحدة لابوصفها معادية ولكن بوصفها مسؤولة إلى حدّ كبير عن تحويل مجرى الأحداث في مصر في صالح خصومها.
 
في مقابلة أجريت مع محمد مرسي، قبل بضع سنوات، سمعته يطرح تفسيراً تآمرياً لهجوم 11 أيلول/سبتمبر 2001 على مركز التجارة العالمي. لايمكنني أن أعزّي نفسي بالعدالة الخيالية المتمثّلة في أنه هو نفسه يعتبر الآن - من جانب الجهات الفاعلة السياسية المحنّكة - شخصاً سرق الرئاسة عبر تزوير الانتخابات بتحريض من الولايات المتحدة. لكن لايتعيّن على الدبلوماسيين الأميركيين أن يتملّقوا أنفسهم هنا: إذ انتشرت شكوك تشمل قطر والمملكة العربية السعودية وإسرائيل وجهات فاعلة دولية أخرى بطريقة مماثلة. المشكلة الأساسية لاتتمثّل في ميل ثقافي لنظريات المؤامرة أو شهيّة غير طبيعية للتكلّف ولكن في بيئة سياسية لاتوفّر سوى القليل من المكافآت أو حتى الإمكانيات لتجاوز الانقسامات الإيديولوجية.
 
هناك العديد من الشخصيات السياسية في مصر التي أثارت إعجابي بقدرتها - في أحاديث خاصة – على تشكيل رأي أكثر إيجابية عن الزعماء السياسيين المعارضين والبحث عن أرضية مشتركة. وقد بادرت هذه الشخصيات أحياناً إلى القيام بمبادرات عامة ترمي إلى البناء على أرضية مشتركة. لكن ليس لمثل هؤلاء الزعماء موطئ قدم في التركيبة السياسية الحالية.
 
وببساطة، ليس ثمّة حافز أو حتى مكان لإقامة تعاون وتوافق حصيف في ظل حلّ البرلمان، وتركيز مؤسّسة الرئاسة وجماعة الإخوان على الجيش أكثر من التركيز على بناء علاقات مع القوى السياسية المدنية الأخرى، وإغلاق مؤسّسات الدولة العليا في وجه هذه القوى، ومع مجلس وزراء من المغمورين يجري فيه أحياناً اختزال دور المراقبين في تخمين الميول السياسية للوزراء بناء على شعر وجوههم. ولذا فإن سلسلة القيادة والمسؤولية والمساءلة إما مبهمة أو غائبة.
 
فهل تستمر السياسة المدنية في مصر في كونها خطاباً غير فعّال وفاشلاً ومحموماً؟ ثمّة مجالان معقولان حيث يمكن كسر هذا النمط. أولهما هي العملية الدستورية، والتي تسير بدرجة مدهشة من السرعة والتوافق في الآراء. ويتمثّل الثاني في أن القوى السياسية الجديدة في مصر تخضع هي نفسها إلى تغييرات مهمة. فقد أنجز كل من الإخوان والسلفيين عملية الانتقال إلى السياسة الانتخابية بسرعة إلى حدّ ما. وأصبحت الحركتان أكثر تسييساً مما كانتا عليه في الماضي. والسؤال هو إلى أي مدى سيؤثّر ذلك على هياكلهما وأهدافهما على المدى الطويل.
 
انتقال هادئ بين القوى السياسية المصرية 
إذا كان يصعب القول أن هناك "تحولاً ديمقراطياً" واضحاً يجري في مصر. فإنه يصحّ القول إن المجتمع والنظام السياسي يشهدان بالتأكيد تغييرات كبيرة طويلة الأمد. فإضافة إلى التغييرات التي تحدث داخل الدولة، تتطور الجهات الفاعلة السياسية والاجتماعية المصرية. ويسعى الإخوان والسلفيون والليبراليون والجيش وأجهزة الأمن والمجموعات المتضرّرة الأخرى إلى المشاركة في إعادة تشكيل المؤسّسات الأساسية. ولأنه من المرجح أن يستمر استدعاء المصريين إلى صناديق الاقتراع، فإن اتّجاهات القوى السياسية في مصر وأداءها الانتخابي المحتمل تستحق مراقبة عن كثب. ويمكن أن ينظر إلى حقيقة أن القوى الرئيسة تتعلم طرح مطالبها بصورة سياسية بوصفها اتجاهاً مفعماً بالأمل، لكن لايزال من غير المؤكّد ما إذا كان بوسعها أن تفعل ذلك بطريقة تجعل السياسة الديمقراطية (بمزيجها الخاص من بناء التحالفات والمنافسة المضطربة) أكثر احتمالاً.
 
الجهة الأهم هنا هي جماعة الإخوان نفسها. فقد أنجزت هذه الحركة، الحذرة والمزعجة في وضعها الحالي، عملية الانتقال إلى السياسة بعد الثورة بسرعة مدهشة. لكن ربما لايملك الذين قادوا اقتحام جماعة الإخوان للساحة السياسية إلا معرفة غامضة حول كيفية توجيه مسار التنظيم. إذ تتم المبالغة بشكل كبير في حسابات الانقسامات والتصدّعات في الحركة عموماً، لكن جماعة الإخوان لن تتغير بالضرورة بشكل عميق لأنها تعمل في بيئة مختلفة تماماً عن تلك التي تكيّفت معها بمشقّة في القرن الماضي.
 
عندما عاودت الحركة الظهور في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، جمعت روابطها التنظيمية الصارمة والمشاركة الاجتماعية الواسعة لنموذجها الأصلي وصاغتها في تنظيم قادر على العمل في بيئة شبه سلطويّة. وقد خاضت الانتخابات مع علمها أنها قد تخسرها، وحافظت على نوع من التوازن بين أنشطتها السياسية وغير السياسية، وبنت مجموعة من الهياكل الناظمة التي يمكن أن تحافظ على انضباط الحركة وتدعمها خلال النوبات القمعية التي عانت منها بشكل دوري.
 
لقد تغير كل هذا، حيث إن لجماعة الإخوان المسلمين الآن سيرة سياسية في المقام الأول، وتهيمن على الرئاسة؛ وكان أداؤها في الانتخابات البرلمانية وانتخابات النقابات المهنية مثيراً للإعجاب، ويمكنها السعي إلى تحقيق العديد من أهدافها السياسية بطريقة علنية وقانونية. لكن الحركة تصرّ على أنها لم تكن أبداً حركة حكم وسياسة. وقد أعطت دائماً اليد العليا للكوادر المنضبطة والموالية على العضوية واسعة النطاق، وسيطر على المستويات العليا للحركة الأشخاص الذين يصرّون على تشكيل رأي طويل الأمد وحذر بدلاً من تغيير المسار وفقاً للفرص السياسية الآنية المتاحة. فهل يحلّ حزب الحرية والعدالة في نهاية المطاف محلّ جماعة الإخوان بوصفه مكان الطاقة والديناميكية؟ وهل تضعف التسويات السياسية الضرورية رسالة وأهداف الإخوان الإيديولوجية؟
 
أدى الوضع الحالي القوي لجماعة الإخوان إلى بروز نقاش واسع عن "أخونة" الدولة المصرية، وهو بالتأكيد مصطلح مبالغ فيه لكي يستخدم في مايحتمل أن تكون معركة سياسية طويلة في السنوات المقبلة. فوجود توجّهات سياسية وإيديولوجية عدة في العديد من المؤسّسات، يشير إلى أن أي أخونة تحدث للدولة المصرية سوف تجري من خلال الصراعات الداخلية أكثر منها من خلال الغزو من جانب مؤسّسة الرئاسة.
 
تواجه القوى السياسية الأخرى ضغوطاً مختلفة طويلة الأمد لكنها لاتقلّ أهمية. ويتعيّن على القوى السياسية الليبرالية أن تشعر بالقلق حول كيفية بناء كتلة كبيرة من الناخبين لأول مرة، وطريقة في التفكير والتنظيم لاتأتيها بسهولة. وقد بدأت السياسة بالفعل بالتأثير على الحركات السلفية. فالسهولة التي بنت بها هذه الحركات ماكينات انتخابية، ووضعت برامج حزبية، ورسمت أجندة سياسية ربما تؤدّي إلى التغاضي عن الوسائل التي يمكن للمشاركة المفاجئة والمكثفة والناجحة نسبياً أن تترك من خلالها آثاراً غير مقصودة على حركة تأسّست على دراسة النصوص الدينية الأساسية والإخلاص لها. 
وقد اضطر أحد الزعماء السلفيين لأن يؤنّب زملاءه بشأن ضرورة قبول ماهو متاح بدلاً من الإصرار على ماهو مرجو في عملية صياغة الدستور، وهو نوع من التسويات لم يضطر علماء السلفية والحركات الرصينة إلى القيام به قط. وأظهر بعض الزعماء السلفيين أيضاً بعض العلامات الأوّلية على الاستياء من المجال السياسي، على الرغم من أنه لايبدو أنهم يتحدثون باسم السواد الأعظم من الحركة.
 
بالنسبة إلى غير الإسلاميين، تبدو التحدّيات مختلفة جداً. إذ يتعيّن عليهم إيجاد وسيلة لبناء مؤسّسات انتخابية أو تنظيم ناخبيهم. في الانتخابات البرلمانية تكبّدوا سلسلة من الهزائم. وفي الانتخابات الرئاسية حققوا نتائج أفضل بكثير، لكن ليس عن طريق تزوير المنظمات التي يظهر أنها مجهّزة لفترة طويلة من العمل الشاق في الانتخابات العادية.
 
حتى لو استمرّت الحياة السياسية المصرية بكونها متميزة بالمخلّفات الاستبدادية القوية والقوى العسكرية والأمنية الكامنة، وآليات المساءلة الضعيفة، فينبغي لانتخاب برلمان جديد أن يحدث فرقاً كبيراً في كيفية عمل النظام.
 
الأمور ربما تكون - ويجب أن تكون - أسوأ
في رحلة قمت بها إلى مصر في منتصف رمضان، أدهشني شعور قوي بالإحباط ترافق مع شكوك عميقة انتابت مختلف ألوان الطيف السياسي. فالمصريون يميلون إلى الحديث عن رمضان بطريقتين. على المستوى الروحي، في منازل المصريين وقلوبهم، هو شهر التديّن والتأمّل والمغفرة. وعلى الصعيد العملي، في المكاتب المصرية - خصوصاً في فصل الصيف عندما تكون الأيام حارّة وطويلة - يمكن أن يكون رمضان وقت العجز والوهن وسوء الطباع. ليس لديّ شك في أن الشعور السامي بالشهر كان حاضراً في حياة الكثير من المصريين. ولكنه كان قريباً من الاختفاء في المجال السياسي.
 
لايزال التغيير الحقيقي يجري على قدم وساق في مصر، والارتداد السلطوي الكامل أمر غير محتمل. وفي حين لاتسير البلاد في انتقال مستقيم إلى الديمقراطية، بسبب عدم اليقين والشكوك المبهمة، والخطاب غير المسؤول في السياسة المصرية اليوم، لاتزال هناك بعض العناصر المطمئنة. إذ ستكون قلّة من البلدان التي تمرّ بصراعات عميقة مماثلة قادرة على القيام بذلك من دون أن يتضرّر عدد أكبر من الناس؛ ومن المؤكد أن ثورات قليلة أنتجت دعاوى قضائية تزيد على القضايا الأساسية.
 
لقد جرّ الليبيون جثة زعيمهم السابق في الشوارع؛ وجرّ المصريون رئيسهم السابق على نقّالة إلى المحكمة. ووجّه الرئيس الروسي بوريس يلتسين الدبابات إلى البرلمان؛ فيما وجّهت مصر قضاتها إلى مجلس الشعب. ويقاتل السوريون بعضهم بعضاً من حي إلى حي للسيطرة على البلاد؛ فيما يقاتل المصريون بعضهم على كل بند من دستور بلادهم.
 
تم تبديد الكثير من وعود ثورة 25 يناير، في حين أن خطر قيام ديمقراطية جوفاء حقيقي، حيث يساوم الرئيس المنتخب (ربما بدعم من البرلمان المتعاطف معه في نهاية المطاف) ببطء على شروط برنامجه مع جنرالات الجيش وضباط الأمن وكبار موظفي الخدمة المدنية، وهو يعمل خارج رادار الرأي العام ومن دون مساءلة ديمقراطية حقيقية. ومع ذلك لاتزال الديمقراطية الجوفاء أبعد من كونها حتميّة. في المرحلة الانتقالية في مصر، الكثير من الأخطاء التي كان يمكن أن تكون ارتكبت، ومع ذلك، المؤسّسات الأساسية في البلاد والحياة السياسية فيها تتقدّم. وربما يمكن للديمقراطية أن تلي ذلك.