في 23 حزيران/يونيو الماضي، جرى العرض الأول للفيلم الأميركي الساخر والمثير للجدل، "براءة المسلمين"، أمام جمهور خاص في مسرح فاين في هوليوود بوليفارد. وفي الأول من تموز/يوليو، نُشِر مقطعان من الفيلم على موقع يوتيوب.

بحلول أيلول/سبتمبر، كان هذا الفيلم غير المُتقَن ذو الميزانية المنخفضة قد تُرجِم إلى اللغة العربية، ولفت المدوّن المصري موريس صادق انتباه المسلمين إليه. فطلب الرئيس المصري محمد مرسي من حكومة الولايات المتحدة مقاضاة منتجي الفيلم الذين أشار إليهم بوصفهم بالـ"مجانين". وقال الرئيس الأفغاني حامد كرزاي إن هؤلاء المنتجين ارتكبوا "عملاً شيطانياً". وقد أدّى بثّ شريط الدعاية الخاص بالفيلم إلى اندلاع موجة احتجاجات في جميع أنحاء العالم العربي، وتحديداً في السفارة الأميركية في القاهرة، والقنصلية الأميركية في بنغازي حيث أسفرت الاحتجاجات عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة آخرين.
 
 
سامي مبيّض
سامي مبيّض باحث زائر في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، ومحلّل سياسي ومؤرّخ، تتركّز أبحاثه على سورية ولبنان والعراق والصراع العربي-الإسرائيلي. وهو أيضاً باحث زميل في جامعة ساينت أندروز في اسكتلندا، وأحد مؤسّسي مركز الدراسات السورية التابع لها.
More >
بالنسبة إلى مَن لم يشاهدوا الفيلم، فإنه في الواقع مسيء جداً للنبي محمد وأصحابه، الذين يحظون باحترام كبير من جانب نحو 1.6 مليار مسلم يمثّلون أكثر من 20٪ من سكان الأرض. أحد المشاهد، على سبيل المثال، يظهر النبي محمد وهو يشجّع على نهب المدن واغتصاب النساء وأخذ العبيد والاعتداء الجنسي على الأطفال. وتظهر في مشهد آخر زوجة النبي حفصة بنت عمر (ابنة الخليفة الثاني للمسلمين)، وهي تضربه بالحذاء لأنها وجدته في السرير مع امرأة أخرى. فنراه يدور في أنحاء الغرفة قائلاً لها إنها إذا كفّت عن ضربه، "فسأجعل أباك خليفة".
باختصار، لاعلاقة للفيلم البتّة بحرية التعبير. إنه سيء الذوق ورديء النوعية، ويشكّل إهانة متعمّدة للإسلام والمسلمين. لاشك في ذلك. لكن من غير المقبول تماماً أن يندلع قدر كبير من العنف بسبب فيلم غير معروف كان سيظل بعيداً عن الأضواء لو أن المسلمين لم يحدثوا مثل هذه الضجّة بسببه.

الجدل حول أقوال البابا في العام 2006

هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إثارة مثل هذه العاصفة في العالم الإسلامي. ففي العام 2005، شهدنا ما أسفرت عنه الرسوم الدنماركية الشهيرة من إحراق للسفارات الدنماركية حول العالم. وبعد عام واحد، في أيلول/سبتمبر 2006، ألقى البابا بنديكتوس السادس عشر خطاباً في جامعة ريغنسبورغ في ألمانيا، نقَلَ فيه عن الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني قولَه لمفكر فارسي في العام 1391: "أرِني ما أتى به محمد من جديد، ولن تجد سوى أمور شرّيرة وغير إنسانية، مثل أمْرِه بنشر الدين الذي نادى به بالسيف".
 
لم يقل البابا إنه يتّفق مع هذه الكلمات، ومع ذلك وقع الضرر، وبغضّ النظر عن النوايا، ازداد العنف والمشاعر المناهضة للمسيحيين على الفور في جميع أنحاء العالم الإسلامي. لكن إحدى العبارات التي تجاهلتها تماماً وسائل الإعلام العربية والإسلامية من محاضرة البابا كانت: "لابدّ أن الإمبراطور كان يعرف أن الآية 2:256 [في القرآن] تقول:"لا إكراه في الدين".
 
لكن بغضّ النظر عن النوايا، وعلى ضوء اعتذار البابا لاحقاً، دعونا نتوقف لحظة للتفكير بموضوعيّة في كل مايحدث ويُقال في العالم الإسلامي. لقد كان البابا ينقل عن امبراطور بيزنطي يتوجّه إلى مثقف فارسي لم يذكر اسمه، من وثيقة غامضة تعود إلى 615 سنة مضت.
 
إنه لأمر لايصدق أننا لانزال نمتلك الطاقة لنبش هذه الخلافات القديمة، ونستخدمها لإثارة العواطف، ونرتكب أعمال الشغب كالمجانين، ونذكي الكراهية. مذنبون هم أيضاً الزعماء المسلمون الذين ردّوا على تصريحات البابا أو الرسوم الدنماركية أو الفيلم الحالي، بشنّ هجمات على السفارات والكنائس وتنظيم احتجاجات عنفية في جميع أنحاء العالم. لقد خلق الله العقل البشري كي يناقش ويدرس ويحلّل ويفسّر. أليس من واجب المسلمين تثقيف غير المسلمين بشأن الطبيعة الحقيقية لدين محمد؟
 
ولو أن البابا أو رسام الكاريكاتور أو منتجي الفيلم كانوا مضلَّلين، بشكل متعمّد أم غير متعمّد، فالمسلمون هم المسؤولون عن عدم شرح الطبيعة الحقيقية لعقيدتهم للعالم، أو تسويق قيمها الحقيقية. وهم إلى ذلك مسؤولون عن السماح لإرهابيين مثل أسامة بن لادن بخطف الإسلام وتخريب سمعته. فالردّ على الفيلم لم يثبت سوى صورة الإسلام التي رُوِّج لها في الفيلم نفسه، وهي بعيدة كل البعد عما كان يعنيه محمد من رحمة، وعدالة، ومواطنة صالحة، وقيم أُسَريّة سليمة، وإيمان قوي. وعندما يضرب إرهابيون باسم الإسلام قلب مدينة نيويورك، أو يفجّرون القنابل في مترو أنفاق لندن، فهذا يجعل الدفاع عن المسلمين ضدّ ماقيل في الفيلم أكثر صعوبة.

درس من سورية

قبل أربعة وسبعين عاماً، في نيسان/أبريل 1928، وضعت فتاة في العشرين من العمر تدعى نظيرة زين الدين، كتاباً مثيراً للجدل بعنوان "السفور والحجاب". قالت في الكتاب بكل جرأة إن الحجاب الإسلامي ليس إسلامياً، وإنه إذا أجبر الزوج أو الوالد أو الشقيق المرأةَ على ارتداء الحجاب، فعليها أن ترفع عليه دعوى في المحكمة. وأضافت أن الرجال والنساء يجب أن يختلطوا اجتماعياً لأن هذا الاختلاط يطوّر التقدّم الأخلاقي، وأنه يجب أن يتلقّى كلا الجنسين التعليم في الصفوف نفسها. وقارنت زين الدين العالم الإسلامي "المحجّب" بالعالم الأوروبي "غير المحجّب"، قائلةً إن العالم غير المحجّب أفضل لأن العقل هو الذي يهيمن فيه بدلاً من الدين.
 
أثار كتابها عاصفة قوية في سورية ولبنان، إذ مَثَّلَ هجوماً شائناً على الإسلام التقليدي من زين الدين التي كانت درزيّة. وبدل أن يمنع الرقباء الحكوميون الكتاب، أُعيد طبعه مرة ثانية في غضون شهرين، وتُرجِم إلى لغات عدة. لقد تعرّضت زين الدين إلى الانتقاد من رجال مسلمين كبار، بما في ذلك مفتيا بيروت ودمشق، إلا أن أحداً لم يتّهمها بالخيانة أو الكفر، بل اتُّهِمَت بسوء الرؤية الناتج عن سوء التعليم.
 
على الرغم من الضجّة التي دامت سنتين، لم تَدَعْ المؤسّسات الإسلامية المسألة تكبر مثل كرة الثلج كما هو حاصل اليوم. كان للمؤلّفة الشابة ملء الحرية لتتجوّل في شوارع سورية ولبنان، من دون التعرّض إلى المضايقات أو خطر القتل. كان الزعماء الإسلاميون في الفترة بين العامين 1927 و1930 منهمكين في أمور أخرى ولم يشغلوا  أنفسهم، والمجتمع المسلم ككّل، بأفكار فتاة في العشرين من العمر. كان عليهم أن يهتمّوا بمساجدهم، ويديروا جمعياتهم الخيرية، ويلبّوا متطلبات التعليم الإسلامي، ويكافحوا لإخراج الفرنسيين من سورية ولبنان.
 
لماذا إذاً تخلّى قادة العالم اليوم عن كل مشكلة في العالم الإسلامي ليركّزوا على فيلم العام 2012؟ ينبغي على المسلمين أن يظهروا تضامناً بشأن قضايا أكثر إلحاحاً، مثل أعمال الحفر التي تجريها إسرائيل تحت المسجد الأقصى أو بناء الجدار العازل. كما كان عليهم مؤخّراً أن يتّحدوا بشأن تدمير لبنان في العام 2006، وليبيا في العام 2011، وسورية في العام 2012. ويجب أن تكون حياة 28 ألف سوري بالنسبة إلى المسلمين "خطّاً أحمر" أكثر من تصوير محمد على الشاشة. فهؤلاء المسلمون السوريون قُتِلوا على مرأى ومسمع من العالم الإسلامي كله ولم يحرّك أحد ساكناً لحمايتهم.
 النبي واحد من أعظم الأسماء ومن الشخصيات الأكثر تأثيراً في تاريخ البشرية. ومايقوله عنه شخص نكرة لن يؤثّر عليه أو على سمعته بالتأكيد. وعلى حدّ تعبير لورنس العرب، لقد حان الوقت كي نكفّ عن التصرّف "كأشخاص صغار وسخيفين"، ونبدأ بالقيام بواجباتنا تجاه التاريخ والبشرية. ففي نهاية المطاف، نحن لم تسهم بأي شيء لتقدّم البشرية خلال القرون الخمسة الماضية.
 
يجب أن نكتب تاريخنا ونحلّله بشكل صحيح، بكل إيجابياته وسلبياته، ثم نركّز على العلوم والفنون والأدب وحرية العقل. ومن شأن فيلم جيد عن محمد، على غرار الفيلم الكلاسيكي "الرسالة" الذي عُرِض في العام 1976 (أنتجه المخرج الهوليوودي الراحل مصطفى العقاد، الذي كان يقيم في سورية) أن ينصف النبي أكثر من أعمال الشغب التي شهدناها في القاهرة وبنغازي وعمان.
 
ولتسهيل الأمور على الجميع، وخاصة الملايين من المُفرِطين في حساسيتهم من جميع الأديان، من المأمون القول إن المواضيع الحرجة مثل النبي أو يسوع أو المحرقة، على سبيل المثال، يجب أن تصبح خطوطاً حمراء لاينبغي تجاوزها. كما يُستحسَن بالمجتمع المسلم أن يوسّع آفاق تفكيره ويتجنّب بهارج المقالات النقدية أو الرسوم أو الأفلام المريضة، فالإسلام والنبي محمد أكبر بكثير من هذه القضايا الصغيرة حقاً.
 
نُشِر هذا المقال بالإنكليزية في مجلة Asia Times.