فيما لا يزال كثير من الدول العربية يسعى إلى التعايش مع نتائج «الربيع العربي» وتداعياته الاقتصادية، تطل برأسها بوادر أزمة جديدة تتعلق بالارتفاع المتوقع في أسعار السلع الغذائية وما ترتبه من استحقاقات ليس في بلدان «الربيع» فحسب، بل امتداداً إلى دول الخليج. فالدول العربية ومن دون استثناء تقريباً تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وهي مستوردة صافية لنحو 60 - 80 في المئة من حاجاتها الغذائية. وقد عاشت هذه الدول أزمة في عام 2008 نتيجة المضاربات في السوق العالمية للسلع، وبلغت في حينه أسعار المواد الغذائية مستويات قياسية دفعت بمعدلات التضخم إلى حدود قياسية. وفي حينها سعى الكثير من الدول العربية إلى اتباع بعض الإجراءات التي من شأنها الحد من التضخم، لكنها لم ترقَ إلى مستوى التعامل مع الأزمة الغذائية من منظور استراتيجي يخفف من وطأة الأزمة ولا يضع الدول تحت رحمة السوق العالمية.

إبراهيم سيف
إبراهيم سيف باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. وهو خبير اقتصادي متخصّص في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على الاقتصادات الانتقالية، والتجارة الدولية مع التركيز على الأردن والشرق الأوسط، والحوكمة المؤسسية، واقتصاد سوق العمل.
More >
وإذا نظرنا إلى بعض البيانات والأرقام، سواء المتعلق منها بالواقع الحالي، أو بالتنبؤات المستقبلية، يتضح مدى عمق الأزمة التي نتحدث عنها، ويقدر أن تبلغ فاتورة المستوردات الغذائية بحلول 2020 ما يعادل 115 بليون دولار، وهي تقديرات تعتمد على معدل نمو سكاني بحدود 3.5 في المئة خلال العقد المقبل.
وما يزيد صعوبة التعامل مع هذا الملف هو أن أزمة الغذاء مرشحة فقط للتفاقم وليست في طريقها إلى الحل، لأسباب عدة، أهمها أن ظاهرة التصحر في ازدياد على المستوى العالمي، والصراع على الموارد المائية يشتد، وقائمة الدول التي تعاني نقصاً في أمنها الغذائي في اتساع، إضافة إلى الارتفاع المتوقع في أسعار مدخلات الإنتاج والطاقة، ما يشير إلى أن العالم سيشهد موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
 
ويرجح أن تشهد الدول العربية تداعيات استثنائية لأسباب في مقدمها الإهمال الكبير الذي لحق بالقطاع الزراعي على مدى العقود الماضية، وتدني نسب الإنتاجية في هذا القطاع، ما أدى إلى هجرات جماعية داخلية من المناطق الزراعية إلى المدن وأطرافها، وبالتالي فإن القطاع عانى من نقص الموارد المخصصة والأيدي العاملة. وثاني الأسباب يتعلق بأن معظم الدول العربية تطبق برامج دعم للسلع الغذائية من خلال الموازنة، ما أدى إلى انعدام الحافز في الكثير من هذه الدول للسعي إلى إيجاد حلول جذرية لتفاقم مشكلة الأمن الغذائي. ويعني ارتفاع الأسعار العالمية زيادة في عجز الموازنات في الدول غير الخليجية. أما دول الخليج التي تتمتع بفوائض مالية فهي تعاني من الفاتورة الباهظة للواردات الغذائية.
والعنصر الثالث مرتبط بالمياه وندرتها. وتعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عموماً، من أفقر المناطق عالمياً من حيث وفرة المصادر المائية المتجددة، ولا يتم فيها استغلال كميات الأمطار جيداً، وهذا أيضاً مرتبط بنظام الحوافز المشوه والذي لم يشجع فعلياً استغلال المياه. هذه السياسات أدت إلى تحول بعض الدول العربية مثل مصر والمغرب من دول ذات فوائض إلى دول مستوردة. ومع الانشغال بالواقع المحلي في الكثير من الدول العربية، أهملت المشاريع الإقليمية التي كان يمكن أن تؤدي إلى تعزيز الأمن الغذائي العربي من خلال الدمج بين رأس المال الخليجي مثلاً والموارد المتاحة في دول مثل السودان ذات الإمكانات الهائلة وغير المستغلة في القطاع الزراعي. وشهدت السنوات الأخيرة بعض المحاولات لزيادة الاستثمارات العربية الموجهة لدول مثل السودان ومصر في القطاع الزراعي، وهذا يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، وإن لا زال بعيداً جداً من هدف زيادة الاعتماد على الذات وتعزيز الإنتاجية في القطاع الزراعي وفقاً لاستراتيجيات تساهم في ذلك.
 
وفي ما يخــــص المستقبـــل وكيفية التعـــامــــل معه، فإن الــــدول التي تحـــاول استعادة زخم النمو وتحقيــــق مقدار مقبول من الاستقــــرار الأمنـــي الذي يهيئ لجذب الاستثمارات، ستجد نفسها أمــــام ضغوطات غير متوقعة لن تأتي هذه المرة من التظاهرات في الميادين بل نتيجة عوامل خارجية. فالنمو السكاني يتواصل، ومع تحسن مستويات المعيشة في دول مثل الصين والهند فإن الطـــــلب العالمي على الغذاء في تزايد. ويقدر تقرير للبنك الدولي أن مواجهة الطلب العالمي المتوقع ما بين عامي 2000 و2030، تتطلب زيادة إنتاج الحبوب بنسبة 50 في المئة لأغراض الغذاء ولا يدخل فى ذلك الطلب المتزايد عليها لإنتاج الوقود الحيوي.
 
لا شك في أن الربيع العربي ربما يشكل فرصة لمراجعة ليس الشق السياسي في إدارة الدول العربية، بل السياسات الاقتصادية التي أدت إلى تهميش قطاعات الإنتاج الحقيقي مثل الزراعة. ومع الارتفاع المتوقع في الأسعار العالمية والطلب المحلي وتحسن مستويات المعيشة في الدول العربية، تظهر حاجة ماسة لمراجعة جذرية لبعض السياسات المتبعة والتي من شأنها إعادة الاعتبار للقطاع الزراعي. كذلك يوفر «الربيع العربي» فرصة لإعادة دراسة التكامل الإقليمي على أسس جديدة تسهل التزاوج بين المصادر المالية وعناصر الإنتاج المادية. وعلى رغم أن ذلك يتطلب من الناحية الواقعية استقراراً وإرادة سياسيين، إلا أن الانتظار حتى يتحسن المناخ السياسي من دون المساهمة فيه يعني البقاء تحت رحمة تذبذبات الأسعار العالمية التي يتجه مؤشرها إلى صعود دائم نتيجة الكثير من العوامل المرتبطة بزيادة الطلب وكلفة الإنتاج في الدول المصدرة.
 
 تمّ نشر هذا المقال في جريدة الحياة.