كانت الميليشيات المسلّحة فيما مضى خشبة خلاص لليبيا، أما اليوم، فهي العقبة التي تقف في حجرة عثرة في وجهها. وفي بنغازي التي عدتُ إليها في الآونة الأخيرة، نُظِّمَت تظاهرة كبيرة خلال نهاية الأسبوع الفائت، والغاية منها المطالبة بتجريد هؤلاء المقاتلين من أسلحتهم وإعادة دمجهم في الدولة.

جلّ ما أراده الرأي العام من المقاتلين هو أن يلقوا بأسلحتهم ويغادروا. والمدهش في المسألة أنّ مجموعتين ميليشيويتين قامتا بالأمرين معاً، أي أنهما ألقيتا السلاح وغادرتا.
 
أحمد جهاني
أحمد جهاني باحث زائر في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثه على القانون، والاقتصاد، وقطاع الطاقة في ليبيا ومنطقة شمال أفريقيا الأوسع.
More >
لكن، ماذا لو أنّ هاتين المجموعتين لم تغادرا بكل سهولة، ولم تتخليا عن مواقعهما في وجه الضغوط العامة؟ فالحكومة الجديدة في ليبيا لاتتمتع بالقدرة على فرض إرادتها، كما أنّ الشارع غير قادر على الاضطلاع بمهام الحكومة للأبد.
 
في أثناء الحرب لإطاحة معمّر القذافي، ترأّستُ فرقاً مؤلفة تقريباً من 70 شاباً وشابةً ليبيين أقاموا في معظم قارات الأرض وعملوا فيها، مستخدمين التكنولوجيا الحديثة – من شبكات اجتماعية إلى أنظمة اتصالات عبر الأقمار الصناعية – من أجل توحيد البلاد.
 
كان هدفنا آنذاك مزدوجاً: إقناع المجتمع الدولي بالتزام الليبيين بمستقبلٍ ديمقراطيٍّ، وإعداد خطط لإحلال الاستقرار وإعادة البناء عند الانتصار في الحرب. وقد شهدنا على معظم الجبهات تقدّماً ملحوظاً، ولكن على المستوى الأمني، تبقى التحديات هائلة.
 
وفي عطلة نهاية الأسبوع (22 أيلول/سبتمبر 2012)، قُتِل 11 شخصاً وأُصيب العديد بجروح في إطار أعمال العنف التي شهدتها بنغازي، وذلك في إطار عرضٍ عامٍ للقوة دفع ببعض الميليشيات في نهاية المطاف إلى إخلاء مواقعها. ولغاية الآن، مازلنا لانعرف تماماً كيف وقعت الحادثة وكيف حصلت هذه الانتفاضة، ولذا من الضروري إجراء تحقيق للتدقيق في التفاصيل. فالمدينة تحت وطأة الصدمة من جديد، وستظلّ على هذه الحال لبعض الوقت.
 
إلى الآن، أسهمت التحرّكات التي أقدمت عليها القيادة العسكرية في الآونة الأخيرة من أجل إحكام السيطرة على الميلشيات المسلّحة، في مظهر من مظاهر إحلال بعض النظام. بيد أنّ الحرص على ضمان استمرار تراجع أعمال العنف، سيحتاج إلى أكثر من إصدار الأوامر من طرابلس.
 
تتمثّل الخطوة الأولى في عملية إعادة الدمج – والخطوة الأولى أيضاً في استعادة الحكومة سلطتها وصلاحيتها – في تحديد هوية الطرف المسؤول عن الهجمات التي طالت القنصلية الأميركية هذا الشهر وأودت بحياة أربعة أميركيين، بمَن فيهم صديق لي، والسفير الأميركي كريس ستيفنز، ومرافقَيهم الليبيَّين. فهل كانت هذه الضربة هجوماً مُخطَّطاً له وذا صلة بالقاعدة؟ أم أنها كانت ردَّ فعل عنيف قامت به مجموعة من أفراد ربما يكونون عناصر سابقين من النظام القديم يتصرّفون من تلقاء أنفسهم؟ لابد الآن أن تجري الشرطة تحقيقات لتحديد هوية المذنبين.
 
إلا أن إغلاق هذه القضية وحده لن يحسّن وضعية الأمن في ليبيا، بل سيكون على الحكومة الليبية، حينما يُعلَن عنها بحلول أواخر الشهر الجاري، أن تبدي ردّاً واضحاً وحازماً للتعامل مع الجانب الإجرامي لليبيا مابعد القذافي.
 
سيكون على وزير الداخلية المقبل أن يواجه مسألةً تبدو كقضية أمنية ولكنها تنطوي أيضاً على تداعيات سياسية عدة. لذلك، لابد من تقوية وزارتَي الدفاع والداخلية، وتدعيم الشرطة وصفوف الجيش، وتوفير الوظائف لحاملي السلاح الذين ليس لهم مكان يلجأون إليه. هذه هي التحديات التي ينبغي على ليبيا معالجتها، ولهذه الغاية يجب أن تتعاون كل الأطراف المعنية بعضها مع بعض، بمَن فيها أصدقاء ليبيا في كل مكان.
 
كذلك، يجب أن يُعمَد سريعاً إلى وضع مقترحات خلاقة لتجريد الميليشيات من سلاحها وإدماج بعض أعضائها في الجيش والشرطة. وقد آن الأوان لتشكيل قوة جديدة لليبيا، شبيهة بحرس وطني، تضمّ في صفوفها عناصر كانت تنتمي إلى ميليشيات سابقاً، وذلك سعياً إلى زيادة عديد الجيش والقوات المسلحة حديثَي الولادة. 
 
تخوض ليبيا حالياً مشروعاً لبناء الدولة يُطبَّق عبر عملية ديمقراطية وسلمية تقوم على توسيع الحرّيات. وقد أحرزنا تقدّماً في هذا المجال، إذ أن اقتصادنا ينهض مجدداً وسياسياتنا تمثيلية، ونحن نمتلك وسائل إعلام صريحة ناشئة. ومع ذلك، لاتزال أسئلة كثيرة تنتظر الإجابة عليها.
 
هل سنشهد حرباً مديدة بين مجموعات القيم المختلفة؟ وهل نحن أمام محرِّضين جدد على العنف؟ هل نواجه مشكلة يصعب حلّها على المستوى الدولي نظراً إلى "المعايير المزدوجة" التي ننظر من خلالها إلى مختلف القيم؟ وكيف يمكننا تحسين عمل شرطتنا على المستوى الدولي لمعالجة قضية الأمن على نحو استباقي؟ ستكون هذه المسائل وغيرها على المحك فيما يعيد الليبيون بناء حياتهم ودولتهم ضمن إطار سلمي.
 
إن المخاطر كبيرة جداً ومن الضروري أن تستخلص الأطراف الدروس كافة سريعاً من أعمال العنف التي شهدها شرق ليبيا أخيراً. فهذه الأحداث ألقت بظلالها على مشروع إعادة الإعمار الليبي، وأثّرت على الحملة الرئاسية الأميركية، وكما يؤكّد البعض، أعادت تحديد نظرة المجتمع الدولي إلى الصراع في سورية؛ فالتدخّل الدولي في سورية لم يَعُد ممكناً، ومردّ ذلك جزئياً إلى التحديات التي طرحتها هذه الخطوة بالنسبة إلى ليبيا.
 
لكن هذه المخاوف كلها ستكون غير ذي جدوى إذا لم تجد الحكومة في طرابلس طريقة لتفعل مافعله الليبيون في عطلة نهاية الأسبوع، أي فرض إرادتها على الطغاة حاملي السلاح.
 
نُشِر هذا المقال في الإنجليزية في صحيفة "ذا ناشونال".