استقبلت حركة حماس بحبور تنصيب محمد مرسي رئيساً جديداً لمصر في حزيران/يونيو الماضي. وقد كان لديها سبب وجيه في ذلك. إذ إن حماس هي الفرع الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين، التي ينتمي إليها الرئيس المصري. وسرعان مابدا أن ترحيب حماس بمرسي كان في مكانه، إذ استقبل زعيم حماس خالد مشعل ونائبه موسى أبو مرزوق في 20 تموز/يوليو، وعقب ذلك بستة أيام قام أيضاً باستقبال رئيس وزراء حكومة حماس في غزة إسماعيل هنية. وفي 17 أيلول/سبتمبر، استقبل رئيس الوزراء المصري الجديد، هشام قنديل، هنية رسمياً، لمناقشة العلاقات الاقتصادية والسياسية الثنائية. لكن، على رغم التقارب الطبيعي والانفتاح الأولي الدافئ، فإن الفوز الانتخابي الذي حقّقه مرسي قد يسفر، في نهاية المطاف، عن أثمان المنافع بالنسبة إلى الحركة الفلسطينية.

 وفي مقابل الألفة الطبيعية التي يكنّها مرسي لحماس، فإن جماعة الإخوان المسلمين تحتاج لأن تثبت لمنتقديها المحليين وللمجتمع الدولي أنها قادرة على حكم مصر واعتماد سياسة خارجية معتدلة، خاصّة تجاه إسرائيل. سيكون الحفاظ على التوازن صعباً، لأن مصالح مرسي وحماس تتباين بحدّة حول ثلاث قضايا رئيسة هي: حرية التنقل والتجارة بين مصر وقطاع غزة، والأمن في صحراء سيناء، وعملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية.

 كان بمقدور حماس تحمّل تبعات تحدّي الرئيس السابق حسني مبارك علناً بشأن هذه القضايا، بيد أنه يتعيّن عليها أن تكون أكثر حذراً وتعاوناً عندما يتعلّق الأمر بمرسي، وإلا ستجازف بتحمّل عواقب وخيمة.

حرية التنقّل والتجارة

تتمثّل أولوية حماس القصوى في ضمان حرية انتقال الأشخاص والبضائع عبر معبر رفح بين غزة ومصر. فقد مكّنت الأنفاق القائمة بين غزة وسيناء حكومة هنية من تخفيف النقص الحادّ في السلع ومواد البناء الناجم عن الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، منذ العام 2006. ولكن تلك التجارة تتعرّض إلى الخطر حالياً. إذ بدأت الحكومة المصرية جهوداً جادّة لإغلاق الأنفاق - التي كانت تعمل بشكل مستمر في عهد مبارك وفي ظل المجلس العسكري الذي حكم مصر عامي 2011 و2012 - بعد هجوم 5 آب/أغسطس الإرهابي الذي أودى بحياة ستة عشر جندياً مصرياً في سيناء.

 إن الرهان بالغ الأهمية بالنسبة إلى حكومة هنية، التي تعتمد اعتماداً كبيراً على تجارة الأنفاق غير المشروعة للحصول على عائدات. ويكاد يكون من سبه المؤكّد أن التقديرات التي تقول إنها تُجبي مايقرب من مليار دولار سنوياً من الضرائب على الواردات مبالغ فيها، لكن المبلغ يصل بالتأكيد إلى مئات الملايين من الدولارات. على سبيل المثال، تتقاضى الحكومة خمسين سنتاً على كل لتر من الغاز، حيث يقدّر أنه يتم جلب 500 ألف لتر يومياً من مصر. ويتم جباية ثمانين سنتاً على كل علبة سجائر، حيث يدخل غزة يومياً 300 ألف علبة تقريباً. كما يتم حساب ضريبة بواقع 15 دولاراً عن كل طن من حديد البناء، الذي يدخل منه 300 طن يومياً، في حين تبلغ ضريبة الإسمنت 10 دولارات للطنّ، حيث يمرّ 2000 طن عبر الأنفاق يومياً. ويصل الدخل السنوي من هذه السلع وحدها إلى 188 مليون دولار.

 يبدو أن حكومة هنية خلصت إلى أنه في حين لايمكنها الإبقاء على تجارة الأنفاق، فإن بوسعها تحويل إغلاق الأنفاق لصالحها. فقد دمّر الجيش المصري نحو 120 نفقاً، أو 10 في المائة من عددها الإجمالي. وفي الوقت نفسه، اقترحت حكومة هنية إنشاء منطقة تجارة حرّة على الحدود المشتركة كبديل لتجارة الأنفاق. وهي تسعى أيضاً إلى توسيع معبر رفح للسماح بحرية حركة البضائع والأفراد وإبقائه قيد التشغيل على مدار السنة. والدفع لإضفاء الطابع الرسمي على الترتيبات التجارية مع مصر يبدو أكثر منطقية بالنسبة إلى حكومة هنية من مواجهة مرسي في محاولة الإبقاء على تجارة الأنفاق.

 مع ذلك، قد يثير السماح بنقل البضائع عن طريق معبر رفح مشاكل لمصر. وفقاً لاتفاقية الحركة والعبور الذي تم توقيعه في تشرين الثاني/نوفمبر 2005 من جانب السلطة الفلسطينية وإسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومصر، كان المعبر سيستخدم حصراً لحركة الأفراد والمساعدات الإنسانية، في حين تمرّ جميع البضائع الداخلة إلى غزة أو الخارجة منها حصراً عن طريق معبر كرم أبو سالم داخل الأراضي الإسرائيلية.

 إن تغيير وضع معبر رفح سيكون بمثابة تخلٍّ عن اتفاقية الحركة والعبور، وهو مايحتمل أن يسمح لإسرائيل بالادّعاء بأنه ليست هناك حاجة لأن تبقي على معابرها إلى غزة مفتوحة، وأنه لم يَعُد بالإمكان اعتبارها محتلة للأراضي بموجب القانون الإنساني الدولي (لأنها لن تعود تسيطر على جميع حدود غزة الخارجية). في عهد مبارك، استخدم المسؤولون المصريون هذه المخاوف لتبرير قرارهم الامتناع عن تحدّي الحصار الاقتصادي الإسرائيلي المفروض على غزة علناً. وحين تباهى أحد قادة حماس البارزين في غزة، محمود الزهار، في 14 أيلول/سبتمبر بأن غزة "خالية من الاحتلال"، كان قصده السخرية من السلطة الفلسطينية المنافسة في الضفة الغربية، لكنه استبق الاعتراضات المصرية. ومن المفارقات أنه أكّد بذلك، ربما عن غير قصد، الحجّة الإسرائيلية.

 مع ذلك، لايزال المسؤولون المصريون حذرين، ويصرّحون بأن فكرة إقامة منطقة للتجارة الحرة "تتطلب المزيد من الدراسة"، وأنه يجب أن تتوصّل الرئاسة والمؤسّسة الأمنية وكذلك مجلس الوزراء إلى قرار. كما أن حقيقة أن مصر تأمل في إعادة التفاوض على اتفاق "المناطق الصناعية المؤهّلة" مع الولايات المتحدة وإسرائيل ربما تكون سبباً إضافياً لتأجيل أي شيء يبدو أنه يساعد حماس وحكومة هنية، الذي قد تنظر إليه واشنطن سلبياً. ومن المفارقات أن حماس باتت تحبّذ الآن إقامة منطقة تجارة حرة مع مصر علانية، إلا أن مرسي قد لايعتبر العواقب السياسية والقانونية المحتملة لتأسيس منطقة كهذه تكلفة تستحق الدفع مقابل إغلاق الأنفاق.

 وفي الواقع، عُلِّقَت عملية تدمير الأنفاق في الواقع بعد فترة وجيزة من بدئها، مايشير إلى العودة إلى الوضع الراهن، مع تعديلات محدودة فقط. وقد أعيد فتح معبر رفح، الذي أغلقته السلطات المصرية لبضعة أيام بعد هجوم 5 آب/أغسطس. كما مُدِّدَت ساعات تشغيل المعبر – من سبع ساعات يومياً إلى عشر – وجرت زيادة عدد موظفي الحدود المصريين، مايسمح للمعبر الآن بالتعامل مع عدد أكبر من المسافرين. فقد ارتفع متوسط عدد الأشخاص الذين كانوا يدخلون مصر يومياً من 450 إلى 1000، في خلال العامين 2011-2012، بعد تولّي مرسي منصبه، ويتوقّع أن يصل إلى 1500 في إطار الترتيبات الجديدة. ويُفتَرَض أن يلبّي الطلب العادي على السفر إلى مصر أو عبرها.

 تتمثّل نقطة الخلاف المتبقية في أن تجد مصر حلاً لوضع الأشخاص غير المرغوب فيهم البالغين حوالى 50 ألفاً من أعضاء حماس والحركات الإسلامية الأخرى في غزة. وتعكف لجنة مشتركة من مصر وحماس على مراجعة القائمة، حيث يتوقّع أن يتم رفع الحظر عن معظم الأفراد.

الأمن في سيناء

في مقابل تلبية مطالب حماس، سيطلب مرسي من الحركة أن تتعاون في تأمين شبه جزيرة سيناء. فقد هاجمت جماعات مسلّحة خط أنابيب الغاز المصري مع إسرائيل والأردن 14 مرّة على الأقل منذ كانون الثاني/يناير 2011، ويُعتقد أنها مسؤولة عن مقتل سبعة جنود إسرائيليين قرب إيلات في أيلول/سبتمبر 2011، وكذلك عن العشرات من الهجمات الصغيرة التي استهدفت الشرطة المصرية في سيناء. وتبدو حماس في وضع جيد يمكّنها من تحقيق الاستقرار في المنطقة، استناداً إلى علاقاتها القوية بالفصائل المسلّحة والعشائر المحلية ومعرفتها بها، في قطاع غزة وسيناء على حدّ سواء، بالإضافة إلى قدراتها الأمنية الراسخة.

 سعت حركة حماس، منذ استيلائها على قطاع غزة في العام 2007، إلى الترويج لنفسها على أنها سلطة حاكمة تتمتّع بالصدقية، وليست مجرّد جماعة متشددة. وهي لاتزال تقاتل هذه الجماعات المسلحة منذ أن استولت على السلطة في غزة. في آب/أغسطس 2009، صفّت حماس المتشدّد عبداللطيف موسى وأتباعه بعد أن أعلن إقامة إمارة إسلامية في رفح. كما استهدفت حماس التنظيم الإرهابي الذي كان وراء جريمة قتل الناشط المتضامن الإيطالي فيتوريو أريغوني في نيسان/أبريل 2011. وتحتجز الأجهزة الأمنية في غزة حالياً 40 متشدّداً سلفياً. لذلك من المرجّح أن تردّ حماس على المطالب المصرية بصورة إيجابية، وتسلّم المجرمين المطلوبين وتتعاون مع السلطات المصرية لمصلحة الأمن الإقليمي.

 وقد تم بالفعل تعزيز العلاقات الأمنية إلى حدّ ما. في نهاية آب/أغسطس 2012، ترأس القائد العسكري في حركة حماس أحمد الجعبري وفداً أمنيا في القاهرة لإجراء محادثات أسفرت عن تشكيل لجنة أمنية مشتركة مع مصر للتحقيق في هجوم آب/أغسطس 5 أغسطس وتعزيز التعاون الثنائي. وكان الجعبري قاد مفاوضات حماس غير المباشرة مع إسرائيل، بوساطة مصر، ما أدّى إلى الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2011، في مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين. لكن هذه كانت أول زيارة له معترف بها علناً إلى مصر، التقى خلالها أيضاً مسؤولين في الحكومة المصرية وأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، ما يعكس اتساع الوفاق بين الجانبين.

سياسة الأخذ والعطاء

مع ذلك، مازال مرسي يسير بحذر في تطوير العلاقات السياسية مع حماس. ومن غير المرجّح أن يخاطر بتوتير العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال رفع مستوى اعتراف مصر بحماس، التي قدّمت طلباً لإنشاء مكاتب في القاهرة، مالم تقبل الحركة مبادئ اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط (التي تضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة): الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف واحترام الاتفاقات السابقة المبرمة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

 بالنسبة إلى مرسي، تتمثّل النتيجة المثالية في إقناع حماس بالتخلّي عن استخدام العنف صراحةً والحفاظ على الأمن في سيناء وعلى طول حدود غزة مع إسرائيل، في مقابل مساعدة مصر في توطيد حكم الحركة في غزة، وفي كسب اعتراف رسمي أوسع بحكومة حماس. لكن سيكون من الصعب على حماس أن تقوم بذلك، حيث لايزال أعضاؤها، وكذلك الجماعات الإسلامية المنافسة، ملتزمين بمبدأ المقاومة المسلحة.

 إن مطلب حماس الرئيس يتّصل بالأمور العملية ويسهل نسبياً على مرسي تحقيقه، وهو يتمثّل برفع الحصار المفروض على غزة. بيد أن مرسي يطلب من حماس تقديم تنازلات سياسية وإيديولوجية إستراتيجية، مايتطلّب بذل جهد أكبر بكثير من جانبها. ومع ذلك، لدى حماس القدرة والدافع لاستيعاب مطلب الرئيس المصري والإخوان المسلمين. حقيقة أن سعي مصر وجماعة الإخوان تسعيان إلى إقامة علاقات عمل جيدة مع الولايات المتحدة وعلاقات مستقرّة مع إسرائيل، قد تدفع حماس إلى أن تحذو حذوهما، وربما تمكّنها من القيام بذلك مع حفظ ماء وجهها. لكن نتائج انتخابات مجلس شورى حماس ومكتبها السياسي - التي بدأت في أبريل/نيسان وانتهت في أواخر أيلول/سبتمبر - تجعل هذا الأمر غير مرجّح في المدى القريب.

 داخلياً، أصبحت اليد العليا وبصورة حاسمة للمتشدّدين في حماس - بمن فيهم العديد من قادة كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس– إضافة إلى السجناء السابقين في إسرائيل الذين أفرج عنهم في صفقة شاليط في العام 2011 وحلفائهم المدنيين في غزة. واعترافاً منه بذلك، أعلن رئيس المكتب السياسي خالد مشعل، الذي روّج لمواقف معتدلة واضحة بشأن السلام مع إسرائيل والمصالحة مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، في 24 أيلول/سبتمبر أنه لاينوي ترشيح نفسه لإعادة انتخابه. وفي موازاة ذلك، حلّ المتشدّدون محلّ العديد من الوزراء المعتدلين في حكومة هنية، في تعديل وزاري جرى في بداية أيلول/سبتمبر.

أمر واقع جديد؟

إن الديناميكيات بين جماعة الإخوان في مصر والولايات المتحدة وحلفائها تتغيّر. ولن يمرّ وقت طويل قبل أن تتعلّم حماس الحكمة من المثل الذي يقول "أبق أصدقاءك بالقرب منك وأبق أعداءك أقرب". وفي الحقيقة، فإن البدائل المتوفّرة أمام حماس قليلة. إذ ستكون هناك عواقب وخيمة لعدم إبداء المرونة والتعاون مع مرسي. وبناءً على السوابق، يمكن أن تشمل العواقب فرض الإجراءات الصارمة عند معبر رفح، وتقليصاً في التعاملات المصرية الرسمية أو العلنية مع حماس. وقد تجد الحركة أيضاً صعوبة متزايدة في التوفيق بين رغبتها في أن تكون منسجمة فكرياً مع جماعة الإخوان المسلمين المصرية، وبين ضغوط قاعدتها لعدم تبنّي اعتدال المنظمة الأم في القضايا السياسية.

 ولذا، ليس أمام حماس من خيار سوى العمل مع مرسي، خاصة بالنظر إلى انهيار قاعدتها السابقة في دمشق نتيجة للصراع الدموي الدائر في سورية. كما أن العلاقة مع مرسي تبشّر بالحافز الإضافي المتمثل بإمكانات النمو الاقتصادي والتنمية، والتي من خلالها يمكن أن تقدّم حكومة هنية نفسها للفلسطينيين بوصفها نموذجاً أفضل من السلطة الفلسطينية المتعثّرة في الضفة الغربية. لعلّ حماس تتبنّى المقايضة التي يقدّمها مرسي والمتمثّلة بكبح العنف بشكل أكثر صرامة حتى في الوقت الذي تصبح فيه قيادتها أكثر تشدّداً.

عمر شعبان هو مدير مركز "بال ثينك" Pal Think للدراسات الاستراتيجية في غزة.