في أوائل الشهر الماضي، نزل آلاف الفلسطينيين في الضفة الغربية التي تحتلّها إسرائيل إلى الشوارع للاحتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة، والتعبير عن غضبهم على عدم دفع الرواتب الحكومية وفرض الضرائب ورفع أسعار الوقود (تم إلغاؤها فيما بعد تحت ضغط الجمهور)، والدعوة إلى ستقالة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض. وبعد أسبوعين، في 23 أيلول/سبتمبر، وخلال اجتماع للدول المانحة عقد في مدينة نيويورك، أفصح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة عن تقييم قاتم للوضع المالي الفلسطيني، وحذرا من أيام مقبلة أشدّ قسوة، وحثّوا الجهات المانحة على تقديم 400 مليون دولار للسلطة الفلسطينية لسدّ الفجوة  في التمويل بقيّة هذا العام. كما قالا إن عدم التصرّف سيزيد الأمور سوءاً، وستكون له تداعيات سياسية واجتماعية خطيرة.

 
كانت حدّة الأزمة المالية الفلسطينية واضحة هذا الصيف عندما جهدت السلطة الفلسطينية، التي تعاني ضائقة مالية، لمدة ثلاثة أشهر على التوالي، كي تدفع  رواتب موظفيها الذين يزيد عددهم عن 150,000، كاملة في الوقت المحدّد. ولم تتمكن السلطة من الوفاء بالتزاماتها إلا بعد أن حصلت على منحة بقيمة 100 مليون دولار في تموز/يوليو من المملكة العربية السعودية، وما مجموعه في تموز/يوليو وأيلول/سبتمبر، 110 مليون دولار من إسرائيل كدفعات مقدّمة على التحويلات الشهرية المستقبلية من الضرائب الجمركية التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية وفقاً للبروتوكول الاقتصادي للعام 1994.
 
بدأت هذه الأزمة المالية في العام 2011، عندما اتّضح أن الإيرادات المحلية، وتحويلات  الضريبة الجمركية من إسرائيل، والدعم المالي الدولي، أقلّ مما كان مخطّطا له في الميزانية. أدّى ذلك إلى عجز متكرّر أكبر (13 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي)، ما اضطرّ السلطة الفلسطينية إلى سدّ فجوة التمويل عن طريق الاقتراض من البنوك المحلية، ومراكمة المتأخّرات المستحقّة للقطاع الخاص، والفشل باستمرار في الإسهام بنصيب الحكومة في صندوق المعاشات التقاعدية العام المتعسِّر بالفعل. وبحلول نهاية العام 2011، كان دين السلطة الفلسطينية للبنوك التجارية قد بلغ 1.1 مليار دولار، فيما بلغت المتأخّرات للمورّدين المحليين 530 مليون دولار، ومايقدّر بـ 1.5 مليار دولار من الديون المتراكمة لنظام التقاعد العام.
 
 استمرّت المتاعب المالية للسلطة الفلسطينية في العام 2012. بدأت السنة بعجز متكرّر متوقّع يصل إلى 1.1 مليار دولار، بالإضافة إلى انخفاض توقّعات النمو الاقتصادي ومساعدات المانحين. وبشكل أكثر تحديداً، كان من المتوقّع أن يبلغ النمو في العام 2012، والذي يتناقض بشكل حادّ مع متوسط  المعدّل السنوي المثير للإعجاب الذي بلغ 9٪ بين عامي 2008 و2010، نسبة 5 في المئة، وهي نسبة العام 2011 نفسها. وبالمثل، فإن الدعم الخارجي للميزانية ، ومع أنه لازال مرتفعاً بمتوسط سنوي بلغ 1.27 مليار دولار على مدى السنوات الأربع الماضية، كان في انخفاض ووصل إلى 814 مليون دولار في العام 2011، متراجعاً من 1.76 مليار دولار في العام 2008.
 
بمرور أيام العام 2012، ازدادت المحنة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية. فبحلول منتصف العام، كان الإنفاق العام للسلطة قد ارتفع بواقع 4.5 في المئة أكثر مما كان مخطّطاً، وقلّت الإيرادات الإجمالية بنسبة 7 في المئة عن المحدّد في الميزانية، وانخفض تدفّق التمويل من الجهات المانحة. وقد دفع ذلك السلطة الفلسطينية مرة أخرى إلى اللّجوء إلى البنوك التجارية والقطاع الخاص، طالبة الحصول على السيولة والائتمان للمساعدة في تمويل عجز متكرّر متنامٍ. وبما أن السلطة الفلسطينية مدينة بالفعل بمبلغ 1.7 مليار دولار لهذه الأطراف، فإنها لم تكن في وضع يسمح لها بتقديم مزيد من الأموال. ولم يكن الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية على استعداد لتحمّل ارتفاع تكاليف المعيشة عندما رفعت السلطة الضرائب وأسعار الوقود في أوائل الشهر الماضي.
 
إن ما يجعل المأزق المالي الحالي للسلطة الفلسطينية أكثر خطورة هو أن خياراتها السياسية للخروج من دائرة الخطر قليلة جداً. فعلى مدى السنوات الأربع الماضية، نفّذت السلطة الفلسطينية مجموعة من تدابير الإصلاح التي تهدف أساساً تنظيم ماليتها العامة. وفي سياق هذه العملية، جرى تنظيم إنفاق السلطة وزيادة إيراداتها المحلية، ولاسيّما من خلال تحسين إدارة الضرائب وتحصيلها. ونتيجة لذلك، تم خفض عجز السلطة المتكرّر من 21 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2008 إلى 13 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2011. ويبدو أن هذه السياسة، الناجحة والمثيرة للجدل، في الدمج المالي قد بلغت منتهاها الآن، ولايمكن الاستمرار فيها أكثر إلا بتكلفة سياسية واجتماعية عالية، كما أظهرت الاضطرابات العامة الأخيرة في الضفة الغربية المحتلة بوضوح . 
 
لايبدو التفسير الفني السابق للأزمة السلطة الفلسطينية، وإن كان ضرورياً – والذي ينظر إلى الأزمة المالية من منظور معدّلات التغيّر في الإيرادات والنفقات والمساعدات الخارجية - كافياً بصورة إجمالية لفهم حقيقة المأزق المالي الحالي للسلطة الفلسطينية بشكل كامل. لفهم المأزق، يحتاج المرء إلى النظر في ما وراء الإحصاءات الأولية ودراسة الجوانب السياسية والاقتصادية للأزمة. من خلال هذه العدسة، سيجد المرء سلطة فلسطينية مجزّأة إقليمياً تعمل في ظل احتلال استعماري وعسكري طويل يفرض كل أنواع القيود المادية والإدارية على الأنشطة الاقتصادية الفلسطينية، وعلى الوصول إلى الأسواق والموارد الطبيعية، وعلى قدرة القطاع الخاص على التخطيط والاستثمار والنمو على المدى الطويل.
 
في هذا الإطار المقيِّد للغاية، يجري تقويض فرص النمو الاقتصادي الإنتاجي المستدام جنباً إلى جنب مع زعزعة القدرة على توليد ما يكفي من الإيرادات المحلية لتمويل الإنفاق العام. الأكثر من ذلك، هو أن من المستبعد جداً أن يكون للمساعدات الخارجية تأثير إيجابي دائم. في هذا السياق الفريد من نوعه فقط يمكن للمرء أن يفهم لماذا تشهد السلطة الفلسطينية حالياً، من بين أمور أخرى - والتي حصلت على مايقرب من 6 مليارات دولار من الدعم الدولي للميزانية والتنمية بين عامي 2008 و2011 - أزمة مالية حادّة من هذا القبيل. 
 
ما الذي يمكن عمله لحلّ هذه الأزمة؟ في المدى القصير، ثمّة حاجة ماسّة إلى أموال المانحين، وإذا ما نحّينا الأمور السياسية جانباً، فإن الحصول على تلك الأموال قد يكون وشيكاً. إذ تفكّر الولايات المتحدة حالياً في الإفراج عن حوالي 200 مليون دولار للسلطة الفلسطينية. ويدرس الاتحاد الأوروبي أيضا منح السلطة الفلسطينية مبلغ 100 مليون يورو إضافية. وقدمت إسرائيل بالفعل دفعتين مقدمتين من الرسوم الجمركية للسلطة الفلسطينية، وربما تفعل ذلك مرة أخرى في المستقبل القريب. لكن هذا التدفّق المحتمل للأموال التي تشتدّ الحاجة إليها، ومع كونه ضرورياً للحفاظ على البقاء المالي المباشر للسلطة الفلسطينية، لايعالج الأسباب الأساسية الكامنة وراء المأزق المالي الذي مضى عليه عشرون شهراً. ولن يكون الضغط على السلطة الفلسطينية لاعتماد المزيد من تدابير التقشف، المبيّنة في آخر تقرير لصندوق النقد الدولي عن الاقتصاد الفلسطيني، من دون مخاطر. 
 
على المدى الطويل، سيكون العلاج الوحيد للعجز المتكرّر في موازنة السلطة الفلسطينية هو النمو الإنتاجي المستدام بقيادة القطاع الخاص - وليس النمو الذي تموّله المساعدات الخارجية الضخمة في وضع مقيّد للغاية ومشوّه بشكل كبير - . أي النمو الذي يخلق فرص عمل حقيقية، ويزيد نصيب الفرد من الدخل، ويوسّع نطاق القاعدة الضريبية، ويزوّد السلطة الفلسطينية بمزيد من العائدات المحلية لتمويل أنشطتها. وإمكانية أن يتمّ مثل هذا النمو في الضفة الغربية المحتلة اليوم هي صفر تقريباً.
 
في ظل تضيّق هامش المناورة أمام السلطة الفلسطينية لاتّخاذ إجراءات تتعلق بالسياسات إلى حدّ كبير، ونفاد الصبر المتنامي لدى الجمهور الفلسطيني، وتراكم الدين المحلي على السلطة، وانخفاض الدعم المالي من المانحين، وعدم وجود مؤشّرات على تراجع سياسات الاحتلال والاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية، فإن آفاق حلّ أزمة السلطة الفلسطينية المالية قريباً ضئيلة جداً. في الواقع، مالم يتم اتّخاذ إجراءات جذرية على الصعيد السياسي، ربما تكون السلطة الفلسطينية كما وجدت منذ إنشائها في العام 1994، على وشك الانهيار.
 
محمد السمهوري (msamhouri@yahoo.com) أحد كبار الخبراء الاقتصاديين في المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية، الذي يتخذ من القاهرة مقراً له، وهو زميل سابق ومحاضر في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط بجامعة برانديز في بوسطن، ومستشار اقتصادي سابق في السلطة الفلسطينية.