في حمى التنافس في انتخابات الرئاسة الأميركية بين الرئيس الحالي، الديموقراطي باراك أوباما، والمرشح الجمهوري، ميت رومني، تبرز ملفات اقتصادية مهمة جداً. وخلال المناظرتين الرئاسيتين اللتين جرتا حتى الآن، تركز النقاش على موقف كل مرشح من عدد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية. ويستعيد كثيرون في هذا السياق الجملة التي أطلقها الرئيس السابق بيل كلينتون، «إنه الاقتصاد يا غبي»، فعلى رغم الفضائح الشخصية التي طاولت فترة رئاسته الأولى، فالأداء الاقتصادي الجيد خلال تلك الفترة هو ما كان يهم الناخبين الأميركيين، وبناء عليه عاد كلينتون إلى البيت الأبيض لولاية ثانية.

وخلال الأجواء المشحونة بين أوباما ورومني، يتضح الخلاف في السياسات الاقتصادية التي ينادي بها كل مرشح، ويتبنى أوباما الخطاب التقليدي للحزب الديموقراطي الذي يصور سياساته على أنها مهادنة وقريبة من الطبقات الوسطى والمتدنية الدخل إلى حد ما، وترجم ذلك بتبنيه برامج للإعانات والنفقات الاجتماعية لا يتفق معها رومني الذي يعتبر هذه السياسات تعزيز لنمط من الاعتماد على الدولة وتعطيل ثقافة الإنتاج بدلاً من العمل الجاد. ويبرز خلاف حاد حول نظام التأمين الصحي الذي تبناه أوباما فيما يرى رومني فيه تبديداً للموارد المالية لأن الدعم لا يصل إلى مستحقيه.
 
إبراهيم سيف
إبراهيم سيف باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. وهو خبير اقتصادي متخصّص في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على الاقتصادات الانتقالية، والتجارة الدولية مع التركيز على الأردن والشرق الأوسط، والحوكمة المؤسسية، واقتصاد سوق العمل.
More >
وتنعكس الفلسفة الاقتصادية لكلا المرشحين والمتبعة في الداخل على تصوراتهم في ما يخص العلاقات الاقتصادية مع بقية دول العالم، ففي حين يعتبر أوباما الحفاظ على الاستقرار والتوصل إلى تسويات من ضمن الظروف القائمة هو الأولوية الأولى، يبدو رومني أكثر التزاماً وتشدداً في الهامش الذي يمكن منحه للشركاء الاقتصاديين، سواء كانوا دولاً كبيرة مثل الصين وروسيا، أو دول الخليج وبعض الدول الآسيوية. وينطلق رومني في حزمة السياسات التي يطرحها من تعريفه الضيق للمصالح الأميركية، لذلك نجده يعارض تصدير الوظائف الأميركية إلى الخارج ويطالب بوضع حدود لذلك، ولا يرى ضيراً في خروج الشركات المتعثرة من السوق في شكل نهائي، وهو بذلك يعترض على حزم الإنقاذ المالي التي قدمها أوباما لإنقاذ الشركات المتعثرة، ويقترح بديلاً لها تقديم الإعفاءات الضريبية اللازمة للمؤسسات الكبيرة كي تصبح أكثر تنافسية. وهذا في رأي رومني خيار أقل كلفة من حزم الإنقاذ المالي الكريمة التي تفتقر إلى التوجيه السليم والوصول إلى الفئات المستهدفة.
 
وفي الحقيقة فإن الجدال حول «حزم الإنقاذ» يشكل أحد أبرز المسائل التي ينقسم الرأي العام الأميركي حيالها نظراً إلى صعوبة تحديد الفئات المستفيدة منها، فهل هي الشركات الكبيرة ذات التأثير والنفوذ السياسي والمالي، أم أن الآثار غير المباشرة تنعكس على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يفترض أنها تستفيد من زيادة الطلب المحلي كنتيجة لزيادة الإنفاق وتحريك دورة الإنتاج؟
 
وهناك جانب خلافي آخر يرتبط بالنظرة إلى الأزمة العالمية والتباطؤ الاقتصادي، ففي حين يرى أوباما أن على الولايات المتحدة ممارسة دور في إخراج الاقتصاد العالمي من الأزمة التي يمر بها، يعتبر رومني أن على كل دولة، خصوصاً الصين وروسيا، تحمل جزء من المسؤولية حيال الاقتصاد العالمي في شكل أوضح، ويميل رومني إلى البدء بالحلول من الداخل، فمثلاً، وبغض النظر عن أزمة الغذاء العالمي وارتفاع أسعاره، يدفع باتجاه إيجاد بدائل محلية مثل الوقود الحيوي، حتى وإن عنى ذلك رفع أسعار السلع في العديد من الدول الفقيرة والنامية.
 
وفي ما يخص برامج المساعدات والتعامل مع القضايا التنموية، يبرز خلاف لا يقل أهمية بين المرشحين، إذ يركز أوباما على ضرورة تأمين المساعدة المالية في التحولات الاقتصادية ومساعدة الدول خلال المرحلة الانتقالية، في دول مثل مصر وتونس، وبعض الدول التي تبحث عن بدائل لبعض السياسات المتبعة مثل المغرب والأردن، ولا يضع أوباما كثيراً من الشروط التفصيلية مفضلاً منح تلك الدول هامش تحرك وتقرير السياسات المحلية المتعلقة بالنهج الاقتصادي، على أن يتماشى ذلك مع متطلبات المؤسسات الدولية والالتزامات التعاقدية لتلك الدول. وبناء عليه يمكن توجيه المساعدات إلى دعم الموازنات والبرامج الواردة فيها والمقرة من الدول المتلقية للمساعدات.
 
أما رومني فيطرح مقاربة مختلفة، فهو يصر على ربط برامج المساعدات بالمبادرات الفردية وضرورة تطوير الصناعات الصغيرة والمتوسطة في القطاع الخاص، وتبرز أهمية ربط الإنفاق بالمصالح الأميركية المباشرة من خلال صفقات وعقود كي يمكن ضمان تدفقات وتعاملات بين الشركاء التجاريين في الدول المتلقية للمساعدات وبين الشركات والمؤسسات الأميركية. ويجاهر رومني بأن السياسات الضريبية في بعض الدول المتلقية للمساعدات يجب أن تبنى على أساس تعزيز تنافسية تلك الدول.
 
لا شك في أن الخلاف الداخلي في ما يخص السياسات الاقتصادية وإدارة الملفات المحلية ستكون له تداعيات على علاقات الولايات المتحدة مع بقية دول العالم، يتضح هذا من النظرة إلى الأزمة الاقتصادية العالمية وكيفية التعامل معها، وإلى المساعدات الخارجية وكيف ستدار والأهداف المرتبطة بها والشروط التي سترافق تدفق تلك المساعدات. يبقى أن نراقب مدى الالتزام الفعلي بالسياسات المعلنة خصوصاً من قبل رومني، فسياسات أوباما اختبِرت خلال أربع سنوات ومن السهل توقع كيف ستكون عليه سياساته الاقتصادية في الداخل والخارج، أما بالنسبة إلى رومني فيصعب التمييز بين شعاراته المرفوعة وبين قدرته على ترجمتها أهدافاً فعلية.
 
 تمّ نشر هذا المقال في جريدة الحياة.