مرة أخرى، ينجو لبنان من لجّة الخطر. فقبيل الثالثة من بعض ظهر الجمعة الواقع في 19 تشرين الأول/أكتوبر، انفجرت سيارة مركونة عند جانب الطريق ومفخخة بما يوازي خمسين كيلوغراماً من مادة التي أن تي، في ساحة ساسين في الأشرفية، قلب المنطقة المسيحية في بيروت. وأسفر هذا الانفجار عن تحطّم سيارات وواجهات المحلات التجارية، وتسبّب أيضاً بأضرارٍ جسيمةٍ في المباني المحيطة، وأودى بحياة ثلاثة أشخاصٍ وأصاب ما يزيد عن المئة بجروح.

في الساعات القليلة التي تلت الانفجار، تبيّن أنّ أحد الشهداء هو العميد وسام الحسن، رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللبناني. والحسن، إلى جانب اضطلاعه بدورٍ مهمٍ في جهاز الاستخبارات اللبنانية، كان مقرّباً من تحالف 14 آذار اللبناني المُعارِض لنظام الأسد، وكانت علاقته متينة بعائلة الحريري.

بول سالم
بول سالم هو مدير "مركز كارنيغي للشرق الأوسط" السابق. تتناول أبحاثه ومنشوراته العلاقات الإقليمية والدولية للشرق الأوسط، إضافةً إلى قضايا التطور السياسي والدمقرطة في العالم العربي.
More >

الجدير ذكره أنّ الانفجار الذي لم يشهد لبنان له مثيلاً منذ أكثر من أربع سنوات، والاضطراب الذي تمخّض عنه في الأيام التالية، أثارا خشية الكثيرين من أن تكون البلاد قد استدارت في وجهة خطيرة نحو النزاع الداخلي، ونحو الدخول الحاد في خضم الأزمة السورية. لكنّ سرعان ما تمّ تعيين بديل عن الحسن، وفتيل الاضطرابات الذي اشتعل خلال عطلة نهاية الأسبوع ما لبث أن خمد، والحكومة التي بدت على شفير الانهيار استعادت بعضاً من الثبات. 

أهمية الاغتيال

إنّ اغتيال وسام الحسن لا يتصل مباشرة بالانتفاضة السورية، إنما هو العملية الأخيرة في سلسلة الاغتيالات التي ترقى إلى ثماني سنوات، وتعود بدايتها إلى العام 2004 مع محاولة اغتيال الوزير السابق مروان حماده واغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري العام 2005. فهذه الاغتيالات هي جزء من الصراع طويل الأمد بين مناصري النظام السوري ومعارضيه في لبنان. وكان الحسن مدركاً تماماً للتهديد المحيط به. وإبان يوم الجمعة، تحيّن المعتدون فرصة الإجهاز على هدفٍ بقي نصب أعينهم لسنواتٍ عدة.

وتكتسي عملية الاغتيال الأخيرة هذه أهميةً على مستويات عدة. فهي تشير إلى أنّ النظام السوري لا يزال نافذ في لبنان وقادر على استهداف أفرادٍ محميين يتبوّأون مناصب رفيعة، فضلاً عن أنها توجّه ضربةً قويةً إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية، فيما الحاجة إليها كبيرة.

منذ بداية الانتفاضة السورية، تمكّنت قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني معاً من توفير مستويات معقولة من الأمن الوطني. واضطلعت الشعبة التي كان يترأسها الحسن بدورٍ فعالٍ ولاسيما في الأشهر القليلة الأخيرة، حيث ألقت القبض على وزير الإعلام السابق ميشال سماحه – أحد الشركاء اللبنانيين المقرّبين من الرئيس الأسد – بعد اكتشاف تورّطه في محاولة تهريب متفجرات من سورية إلى لبنان. كذلك، شكّلت الشعبة طرفاً فاعلاً في التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري، وفي قضايا تتعلق بكشف شبكات تجسّس إسرائيلية في لبنان.

إلى ذلك، وفي حين تعدّ خسارة الحسن ضربةً للشبكة الأمنية اللبنانية، إلا أنّ شعبته مجهّزة بوسائل تكنولوجية ومدرّبة على يد حلفاءٍ من الخارج – ولاسيما من الحكومات الغربية. وسرعان ما قام مدير عام قوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، بتعيين بديلٍ للحسن، ألا وهو العقيد عماد عثمان. وقد يكون هذا التعيين مؤقّتاً، إلا أنه يعني أنّ التحقيقات التي كان الحسن مسؤولاً عنها، لن تخرج عن مسارها برحيله.

هذا وقد أسهم اغتيال الحسن في إثارة غضب الرأي العام ولاسيما سنّة تحالف 14 آذار. فمع هجوم يوم الجمعة، وصلت التوترات السنّية-الشيعية المحتمدة في لبنان مرة أخرى إلى درجة الغليان. وعقِبت انفجار الاشرفية موجةٌ عارمة من السخط، حيث احتشد عدد كبير من الناس بالتزامن مع جنازة الحسن يوم الأحد، وأدان المتظاهرون التفجير داعين حكومة الرئيس نجيب ميقاتي إلى الاستقالة.  

تحالف 14 آذار يفوّت الفرصة

حاول تحالف 14 آذار المُعارِض الاستفادة سياسياً من هذا الاغتيال الذي وضع حكومة ميقاتي، التي يطغى عليها نفوذ حزب الله، في موقف حرج للغاية. وقد ناقش الرئيس ميقاتي بالفعل استقالته مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان عقب الانفجار، إلا أنه وافق على إلحاح الرئيس بأن يبقى في منصبه حفاظاً على الوحدة الوطنية وتفادياً للفراغ السياسي. غير أن تحالف 14 آذار أساء اغتنام هذه الفرصة، فوجد نفسه مرة أخرى في موقفٍ ضعيف.

كاد التصريح الذي أطلقه التحالف في تجمّع الأحد يلقي اللوم بشكلٍ تام على رئيس الوزراء في اغتيال الحسن، ودعاه إلى الاستقالة على الفور، في وقت كان واضحاً أن الاغتيال أحزن ميقاتي كما أحزن الجميع. فكان أن عكس التصريح انتهازيةً سياسيةً وأضعف من وقعه.

لكنّ مسار الأحداث يوم الأحد تدهور وانقلب إلى عنف، حين خرج مشاركون من التجمّع الحاشد في ساحة الشهداء وحاولوا اقتحام السراي الحكومي واشتبكوا مع القوى الأمنية المتواجدة في المكان. هذا الهجوم على السراي كان دعا إليه شاب من قادة التجمّع ولكن شجبه بعد ذلك سياسيو 14 آذار، إذ أن التحالف يحبّذ إظهار نفسه على أنه من فصائل البلاد المُسالِمة والمحترِمة للقانون. بيد أنّ هذا العنف قوّض مصداقيته وأقلق القادة السياسيين داخل البلاد وخارجها.

وهكذا، سرعان ما أقدم أعضاء المجتمع الدولي وأصدقاء قوى 14 آذار على الإعراب عن رفضهم هذا التوجّهَ العنفي، داعين إلى التهدئة ومواصلين في الوقت نفسه شجب انفجار يوم الجمعة. وهذا الردّ السريع الذي صدر عن العواصم الأجنبية يدلّ على أن القوى الإقليمية والدولية الأساسية لاتزال تلتزم الحفاظ على استقرار لبنان فيما الأزمة السورية تحتلّ صدارة الاهتمام.

إضافةً إلى ذلك، عبّر عدد من السياسيين اللبنانيين البارزين عن دعمهم للحكومة، محذّرين من مغبّة الفراغ السياسي الذي قد ينتج عن سقوطها. فالزعيم الدرزي وليد جنبلاط على وجه الخصوص، الذي يؤمّن حزبه توازنَ الأصوات في البرلمان، قال إن اللوم يقع مباشرةً على النظام السوري في عملية التفجير ويجب ألا يُستغَلّ لتحقيق مكاسب سياسية محلية. ومع أن الرئيس ميقاتي كان في البداية ناقش مع الرئيس سليمان الاستقالة إلا أنّه ،غداة تجمّع يوم الأحد، أوضح أنه مستاء لتسييس كارثة يوم الجمعة ولا ينوي الاستقالة.

في مقابل ذلك، شهدت البلاد اضطرابات كبيرة في فترة نهاية الأسبوع، استمرّت حتى يوم الاثنين في بعض المناطق، ليعود الهدوء إلى معظم أرجاء البلاد بحلول الثلاثاء. فالزعماء السياسيون من مختلف الأطياف، بمَن فيهم زعماء 14 آذار، دعوا إلى وقف العنف والكفّ عن التظاهر في الشارع وإعادة السلام والاستقرار. وهكذا عادت الحياة في العاصمة ومعظم أرجاء البلاد إلى طبيعتها، في ظل التوقعات بأن يمتصّ النظام السياسي صدمةً أخرى ويعود مجدداً إلى الهدوء الحذر الذي ساد عموماً في السنوات الأخيرة، وذلك على الرغم من الأحداث الدراماتيكية التي شهدتها الأيام القليلة الماضية. 

التداعيات الأوسع

يُعَدّ اغتيال الحسن جزءاً من صراع مستعرٍ بين النظام السوري وخصومه منذ سنوات طويلة، وهو في الواقع صراع بين محورين كبيرين: محور يشمل سورية وإيران وحزب الله، وآخر يضمّ السعودية والغرب. لاشك أن المحور الموالي للأسد سدّد ضربة عبر الاغتيال الذي حصل يوم الجمعة، إلا أن الانتقام المباشر يبقى مستبعداً، فالمعركة لبقاء نظام الأسد أو سقوطه تدور في سورية لا في لبنان.