الاعتقاد السائد هو أنّ الرؤساء الأميركيين الذين يفوزون بولاية رئاسية ثانية يتحرّرون جزئياً من القيود الانتخابية المحلية التي تقيّدهم في سياساتهم الخارجية. إلا أنه من غير المرجح أن يُقدم الرئيس باراك أوباما على مبادرات جريئة في الشرق الأوسط، بل الأرجح تماماً أن يلتزم موقف الحذر العام الذي اتبعه حتى الآن، بل وقد يشرف على انسحاب استراتيجي جزئي من بؤر عدة في المنطقة.

يشكّل تقلّص الموارد المالية والاقتصادية المتاحة للإدارة الأميركية في عهد «أوباما الثاني» قيداً على سلوكه الخارجي. ما يجعل تقليص العجز في الموازنة أولوية ملحّة، في الوقت الذي يزداد عبء إصلاح التعليم ومعالجة العيوب في النظام الصحي الوطني على الخزينة. وتُضاف إلى ذلك كلفة إعادة تأهيل البنية التحتية المترهّلة، الأمر الذي يزداد إلحاحاً من أجل استدراك وتجنّب الأضرار البالغة الناجمة عن الكوارث الطبيعية مثل إعصار «ساندي» الأخير.

يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.
More >

كما تبنّت إدارة أوباما، على عكس ترددها بدايةً، برنامجاً طموحاً لتطوير نظم الدفاع ضد الصواريخ الباليستية، وأيضاً لتحديث إجمالي الترسانة النووية الأميركية، والذي تبلغ قيمته وحده ما لا يقلّ عن 352 بليون دولار خلال السنوات العشر القادمة، في أقل تقدير. وبما أنّ الشفاء الاقتصادي الذي تشهده الولايات المتحدة لا يزال ضعيفاً وعرضةً إلى الاهتزاز والتراجع مجدداً بسبب الخطر الذي تشكّله أزمة المديونية الأوروبية على النظام المصرفي العالمي، ناهيك عن استمرار ارتفاع معدلات البطالة الأميركية لتبلغ 25 مليون شخص، فإنّه لن يكون بوسع الإدارة الأميركية سوى أن تخفّض من مساعداتها والتزاماتها الدولية.

ولذلك كله عدّة انعكاسات على السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، تدلّ جميعها على قيام الإدارة الأميركية بتخفيض صدارتها في المنطقة، عبر البحث عن شركاء يتقاسمون معها القيادة والمبادرة أو يحلّون محلّها، وبالتأقلم مع اختلاف الأجندات المحلية وتمايزها عن الأجندة الأميركية.

مغزى ذلك، أولاً، أنّ الولايات المتحدة سوف تُبقي على استثماراتها ذات الكلفة المتدنية، وأفضل مثال على ذلك المعونة العسكرية إلى مصر. ففي فترة حكم المجلس العسكري في 2011-2012، واجهت إدارة أوباما خياراً محرجاً بين شراكتها مع القوات المسلحة المصرية للحفاظ على معاهدة السلام مع اسرائيل والترتيبات الأمنية على الحدود مع غزة – وهي المصلحة الأميركية العليا في مصر – وبين دعوتها لتحقيق الانتقال الديموقراطي. وقد ساهم النقل السلمي للسلطة من المجلس العسكري إلى الرئيس المنتخب محمد مرسي في نهاية حزيران (يونيو) 2012، والانسحاب العسكري من التدخل السياسي، في حل هذا التناقض، على رغم أنّ بنود مسودة الدستور قيد المناقشة الآن تمنح القوات المسلحة درجة عالية من الاستقلالية عن السيطرة المدنية الديموقراطية.

وينطبق النموذج المصري أيضاً على بلدان شمال أفريقيا، حيث يواجه صانعو القرار الأميركيون مشهداً غير مألوف مع صعود الحكومات الإسلامية أو المدعومة من الإسلاميين. كما أنّ الظهور القوي للأحزاب السلفية، وبخاصةً أجنحتها الأكثر تشدداً في تونس وليبيا، يشكّل مصدراً للقلق. ورغم ذلك، استجابت إدارة أوباما الى التعامل السياسي، ولو بحذر، مع الحكومات الجديدة في تونس ومصر وليبيا، وبتقديم المساعدة الاقتصادية والأمنية المتواضعة.

غير أنّ جلّ الاهتمام الأميركي في شمال أفريقيا ينصبّ على الخطر المتنامي للمنظمات الإسلامية الجهادية. بل إنّ هذا ما يشغل بال صانعي القرار الأميركيين في سياستهم تجاه الأزمة السورية، ويهيمن تماماً على تصرّفهم في اليمن. إلا أنّ تضييق نطاق الاهتمام الأميركي وحصره بمكافحة الإرهاب، وما يوازيه من حملة الاغتيالات بواسطة الطائرات من دون طيار ضد جهاديي اليمن، إنما يؤكد الانحسار والانسحاب الاستراتيجي الأميركي. وكان من شأن برامج الدعم والمعونة الاقتصادية الشاملة أن توفر استراتيجية أكثر فعالية لكبح التجذر والتطرّف، من خلال تمكين حكومات ما بعد الثورة، المُنتَخبة ديموقراطياً، من تعزيز شرعيتها في الفترة القادمة عبر معالجة مشاكل الفقر والبطالة والتهميش الاجتماعي. إلا أنّ ما قدّمته الولايات المتحدة متواضع، بل هو الحد الأدنى.

لقد نأت الإدارة الأميركية بنفسها حيث تفتقر إلى الأدوات أو الاهتمام لتغيير مسار الأحداث مباشرةً. ويظهر ذلك بوضوح في سياستها تجاه سورية ولبنان والعراق. وفي الحالة الأولى، ما زالت الولايات المتحدة غير مستعدة إطلاقاً لتزويد المعارضة السورية بالأسلحة الفردية المتقدمة المضادة للطائرات والدبابات، ناهيك عن التدخل عسكرياً مباشرة، رغم خطابها العلني المنادي برحيل الرئيس بشار الأسد. فهي تفتقر إلى الوسائل والإرادة، على حد سواء، لتجنب ما قد ينتج من جمود عسكري طويل، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة مخاطر انتقال الأزمة إلى الدول المجاورة مع مرور الزمن.

قد يكون للحذر منافعه. فقد تعاملت إدارة أوباما مع حكومة رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي بتروٍّ، رغم ضمّها وزراء من «حزب الله». ولا يقلّ عن ذلك أهمية القبول الأميركي بسياسة النأي بالنفس التي تتبعها الحكومة اللبنانية تجاه الأزمة السورية، بعد أن فهمت أنّ ممارسة الضغوط السياسية أو فرض العقوبات المالية قد يؤدي إلى سقوط الحكومة ونشوب الفراغ الذي يزيد من مخاطر الاقتتال الطائفي.

ولكن تَظهر حدود الإمكانات الأميركية بوضوح تام في العراق، حيث عملت الولايات المتحدة على مدى ثماني سنوات على بناء نظام ما بعد صدام حسين. فقد حصل انتقال ديموقراطي فعلي، يشوبه السعي الحثيث لرئيس الوزراء نور المالكي لتركيز السلطات وأدوات الحكم الأساسية بين يديه – أي الجيش والشرطة والقسم الأكبر من مجالس المحافظات والمالية العامة. وإذ يسعى لتعزيز استقلاليته عن النفوذ الإيراني، إلا أنه يظهر استقلاليته أيضاً عبر تباينه عن السياسة الأميركية تجاه سورية وإيران.

من المفارقات أنّ الإدارة الأميركية ربما تميل إلى إدارة الأمر الواقع مع إيران، بدلاً من تحويله جذرياً. وصحيح أنّ الإدارة قد أعلنت عقوبات جديدة ضد إيران فور إعادة إنتخاب أوباما، ولكن المعروف أيضاً أنّ الإدارة تدرس عرض «المزيد مقابل المزيد» في الملف النووي: أي تخفيف بعض العقوبات وتقديم التنازلات الأميركية الأخرى، مقابل القيود القابلة للتحقق من برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني. وقد أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في آب (أغسطس) الماضي أنّ إيران قامت بتحويل الجزء الأكبر من اليورانيوم المخصّب الذي بحوزتها إلى صفائح الوقود الصلب، ما يؤخّر تخصيبه إلى المستوى المرتفع اللازم لإنتاج الأسلحة النووية لمدة سنة أو سنتين. فيتيح ذلك فرصة أكبر للتفاوض، رغم استعداد الكونغرس الأميركي في الوقت ذاته لاستهداف الموجودات الإيرانية في الخارج، وواردات إيران وقطاعها النفطي، بالمزيد من العقوبات. فتلك هي سياسة احتواء، لا سياسة مجابهة.

وسوف يرافق احتواء إيران سياسة «العمل كالمعتاد» في علاقات الولايات المتحدة بالدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. ويعني ذلك عملياً القبول الأميركي الضمني بازدياد القيود على حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي وحصر الحياة البرلمانية أو التمثيلية في بعض الدول الخليجية، فيما تتواصل مبيعات الأسلحة الأميركية، التي بلغت ما مجموعه 38.2 بليون دولار في العام 2011 وحده.

وما يؤثّر أيضاً في تشكيل السياسة الأميركية في المنطقة هو تراجع اتكال الولايات المتحدة على استيراد الطاقة من الخارج، وبخاصةً أنها سوف تصبح المُنتِج الأكبر عالمياً للنفط بحلول العام 2020. ولا يكفي ذلك إطلاقاً لجعل الولايات المتحدة تفكّ ارتباطها بالشرق الأوسط، ولكنه يتيح للإدارة الأميركية الابتعاد نوعاً ما. كما يوحي ذلك أيضاً بأنّ منافس أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ميت رومني، ما كان سيتصرّف بطريقة مغايِرة تماماً لو فاز.

تمّ نشر هذا المقال في جريدة الحياة.