اندلاع أعمال العنف بين إسرائيل وبين "الدويلة" التي تسيطر عليها حماس، لايخدم أي غرض. كلا الطرفين يدرك ذلك، ومع هذا ينغمسان في لجة العنف، ويدَّع كل منهما أن خصمه يجبره على تصعيد النزاع.

يتفق معظم الخبراء على أن القتال سيتوقف في نهاية المطاف، وأن الوضع سيبقى على حاله من دون تغيير. السؤال اليتيم هو عدد الضحايا. لكن، إذا لم يكن لكلا الطرفين ما يربحانه، لماذا إذاً لا يستطيعان وقف دورة العنف بنفسيهما؟

ناثان براون
ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث مرموق، ومؤلّف ستة كتب عن السياسة العربية نالت استحساناً.
More >
الواقع أن كل طرف يشتبه بأن الطرف الآخر يمارس سياسات محلية. فالفلسطينيون يخشون من أن الحكومة الإسرائيلية تشن الحرب وعينها على الانتخابات المقبلة. والإسرائيليون يشتبهون بأن حماس، أي المقاومة الإسلامية، تطلق الصواريخ لأنها تعبت من تعيير خصومها لها بأنها لاتُطبِّق ماتعنيه المقاومة الإسلامية.
 
والحال أن ثمة قدراً من الحقيقة في هذه التهم المشتركة، لكن المحفز الأعمق لا كبيرعلاقة له بإرضاء الجمهور المحلي، بل بإخافة الجانب الآخر وردعه.
 
فكلا الجانبين يحب أن يرى خصمه يتبخّر في الهواء، لكنهما يعرفان أنه ليس في وسعهما تحقيق ذلك في أي وقت قريب، ولذا فإن لكلٍ منهما في الوقت الحاضر أهدافاً محدودة.
 
من جانبهم، يعرف الإسرائيليون أنهم لايستطيعون إزاحة حماس من غزة من دون أكلاف غير مقبولة ومن دون احتلال لانهاية له. لكنهم يريدون معاقبة الحركة بشدة بحيث تُردع عن أي عنف مستقبلي. وحماس تعرف أن الأضرار التي تلحقها بإسرائيل لاتخدم أي قيمة استراتيجية، لكنها تأمل بأن تسبِّب صواريخها نزوحاً  بل حتى رعباً، وأن تُطلق رسالة مفادها أنه لايمكن تجاهل غزة.
 
وهكذا، يحتمل أن يجري استيعاب القتال في خاتمة المطاف. لكن إضافة إلى الخسائر المدنية لدى كلا الجانبين ( مع معدلات أعلى بكثير في غزة لأن إسرائيل هي الطرف الأقوى)، ستكون هناك أضرار سياسية بالغة أيضا. فالعالم العربي سيعتبر الولايات المتحدة متواطئة مع الهجوم الإسرائيلي. ومصر، التي لها معاهدة سلام مع إسرائيل لكن شعبها يتعاطف مع حماس، ستشعر بحرج شديد  لكونها بدت لاحول لها ولاقوة.
 
بيد ان اللائمة الحقيقية يجب أن تقع على عاتق اللاعبين الدوليين، بما في ذلك الولايات المتحدة ومصر-  ، ليس بسبب أعمالهم خلال الأزمة، بل لأنهم تأخروا طويلاً في العمل.
 
 لقد دعمت الولايات المتحدة في عهدي الرئيس جورج دبليو بوش والرئيس باراك اوباما الحصار القاسي لغزة، وإدعيا أنه يجب التعاطي مع القضية الإسرائيلية- الفلسطينية كما لو أن حماس غير موجودة وأن غزة لاتهم أحدا. وفي عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، دعمت مصر بهدوء هذا الموقف. لكن، في عهد محمد مرسي، رئيس مصر الجديد الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، لم تعد مصر هادئة أو داعمة  لهذا الموقف، مع أنه لم يكن في مقدورها سوى استخدام أدوات البلاغة اللفظية.
 
إن مصر( التي تميل الآن إلى حماس) والولايات المتحدة (التي تدعم إسرائيل) ربما تستطيعان، 
إذا ما تعاونتا، أن تحققا وقفاً لاطلاق النار. لكن ما ستفعلانه لاحقاً هو السؤال الحقيقي.
 
صحيح أنه ليس أمام الدبلوماسية الدولية مسار جلي للتقدم ، لكن من الواضح ما هو الشيء الذي لايعمل: انتظار تبخُّر حماس.
 
خلال زيارة لي إلى غزة في أيار/مايو الماضي، شهدت إلى أي درجة كبيرة تمكّنت حماس من الهيمنة على السياسات والمجتمع في هذا الجيب الصغير والكتظ. فالحركة تدير الوزارات، وتشرف على الطرقات، وتتدبر أمر الإقتصاد. وسكان غزة لايرون بديلاً لحماس، ولاهم يسألون عن البديل، بعد إلغاء الانتخابات ووضع المعارضة قيد المراقبة الدقيقة.
 
وهكذا، وفيما تدخل إدارة أوباما ولايتها الثانية، من التعقُّل أكثر التعاطي مع النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي الموجود بالفعل، لا الادعاء بأنه لاتزال توجد "عملية سلام" لاتحتاج سوى لدورة أخرى من المفاوضات الهادئة كي تنجح.
 
تمّ نشر هذا المقال بالإنكليزية على موقع CNN.