كانت المساومات بين القوى السياسية في مصر بشأن مضمون الدستور صاخبة وعلنية وعاصفة ومثيرة. وفي الواقع، وعلى مدى الأسبوع الماضي، أدخلت تلك الخلافات جهود صياغة الدستور برمّتها في أزمة. وليس من الواضح بعد ما إذا كانت المساومات ستؤدّي إلى إنجاز دستور توافقي، أو ما إذا كانت الجمعية التأسيسية ستنهار أو تنجز دستوراً مشؤوماً.

بيد أنه كانت هناك عملية مساومة أخرى لم تحظ بالكثير من الاهتمام والتعليق، مع أن جزءاً كبيراً منها جرى على مرأى من الناس. ومع أن أجزاء هذه العملية الثانية التي جرت وراء أبواب مغلقة، خلّفت آثاراً واضحة في مختلف مسوّدات الدستور. وبينما لاتخلو هذه العملية التي اتّسمت بقدر من الهدوء من الإثارة، يبدو من المرجح أن تفضي إلى نتائج ناجحة. فهذه هي المساومة بين مختلف هياكل الدولة المصرية.
 
ناثان براون
ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث مرموق، ومؤلّف ستة كتب عن السياسة العربية نالت استحساناً.
More >
يعود السبب في أن العملية الثانية –المهمة بكل تفاصيلها – حظيت بقدر أقلّ من الاهتمام، إلى أنها جرت بصورة مختلفة تماماً عن معظم الصور التي نحتفظ بها عن عملية كتابة الدستور. ذلك أن قلّة من المراقبين يعرفون كيفية البحث عنها. وكما همو معروف، يُفترَض بالدساتير أن تشكّل السلطة السياسية. إذ إن الأمة مجتمعة هي التي تكتبها - أو على الأقل ممثلوها - ويتم عرضها على الشعب بأكمله للمصادقة عليها. لكن في مصر تساهم السلطات السياسية في صياغة الدستور الذي ستعتمد عليه سلطتها في المستقبل.
 
 بطبيعة الحال، في الماضي، كان الواقع في العالم العربي يتمثّل في أن الأنظمة هي التي تكتب الدساتير لخدمة أغراضها، بحيث لاتحاكي سوى شكليات المشاركة الشعبية فقط. ومع ذلك، فإن الطرف الذي يتصّرف لإرشاد واضعي الدستور في مصر اليوم بشأن مايجب أن يقولوه ليس النظام بل أجهزة الدولة الهامة والقوية التي تتمتّع في الغالب باستقلالية تفوق ماكانت تتمتع به في ظل النظام السابق، والمتحرّرة جزئياً من سيطرة الرئاسة. بعض هذه الهيئات (مثل الأزهر) لها ممثّلون رسميون في الجمعية التأسيسية، غير أن هناك هيئات أخرى تُسمِع صوتها من خلال التفاوض مباشرة مع قادة الجمعية، وتدلي بآرائها في الصحافة، وتصدر البيانات، حتى أنها تلمّح أحياناً بأنها قد تلجأ إلى الإضرابات أو المظاهرات.
 
وهكذا، اعترضت وزارة الدفاع المصرية، على سبيل المثال، على حكم دستوري يمنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، ووصفت مسوّدة إحدى المواد بأنها "غير مقبولة". وأصرّت هيئة قضايا الدولة – وهي هيئة تدافع عن أجهزة الدولة في الدعاوى القضائية - على تسميتها بوصفها هيئة قضائية. كما قاوم كبار ضباط الجيش الإشراف المدني على الميزانية العسكرية؛ وأبلغ الأزهر الجمعية بأنه يرغب في ضمان استقلاله، غير أنه لايرغب في أن تحظى تعاليمه وتفسيراته بما هو أكثر من القوة المعنوية. وأصرّت المحكمة الدستورية العليا على أن الأحكام الدستورية لاتتعارض مع القانون الحالي الذي يجعل المحكمة هيئة مستديمة. وقد أكّدت الهيئات القضائية الأخرى على مطالبها الخاصة، وهدّد نادي القضاة بالإضراب ما لم يحصل على المواد التي يريدها في الدستور.
 
يبدو الأمر كما لو أن الولايات المتحدة قرّرت أن تكتب دستوراً جديداً، وسمحت للاحتياطي الفدرالي، ومكتب التحقيقات الفدرالي، وهيئة الأركان المشتركة، ومكتب الطباعة الحكومي، والمركز القضائي الفدرالي، بصياغة أحكام تمس عملها.
 
ما الذي تريده هيئات الدولة؟ إنها تسعى إلى الحصول على ثلثي ماكان يريده المصريون عندما تظاهروا في ثورة العام 2011 من أجل "الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية". الجهات الفاعلة في الدولة تريد الحرية، أو بمعنىً أدقّ، الاستقلالية. إنها ترغب في التأكد من أنها ستكون قادرة على تنظيم شؤونها، وإصدار أحكامها، وتعيين أعضائها، واختيار قادتها، وإنفاق موازناتها بمعزل عن هيمنة الرقابة الرئاسية التي أثّرت عليها كثيراً في الماضي. وهي ترغب في الاستقلال عن البرلمان أيضاً، لأنها تضع في اعتبارها أن من المرجح أن يكون أقلّ مرونة من مجالس الشعب التي ظهرت في ظل حكم مبارك وأسلافه.
 
تبدو الكرامة التي تسعى إليها هذه الهيئات مهمة بطريقة مستغربة في بعض الأحيان، بل كثيراً ماتأخذ شكل المطالبة بمادة دستورية متميّزة في نص يدقّق في أمور تافهة ويميل إلى الإسهاب في الكلام. في بعض الأحيان، يكون ترتيب أحد الأحكام مهماً: يرغب القضاة العسكريون وأعضاء هيئة قضايا الدولة في أن تتم الإشارة إليهم في الفصل الخاص بالسلطة القضائية (يصرّ القضاة العاديون أحياناً بغضب على أن هؤلاء الموظفين ليسوا زملاءهم ويتبعون مكاناً آخر في الدستور). على النقيض من ذلك، تصرّ المحكمة الدستورية العليا على الحفاظ على الامتياز الذي حصلت عليه في دستور العام 1971 والمتمثّل بوجود فصل خاص بها، وتقاوم بشدّة إدراجها في الفصل الخاص بالقضاء. 
 
من المتوقّع أن ترفض الجمعية التأسيسية، التي شكّلها البرلمان المنتخب والمسؤولة أمام الشعب (في شكل استفتاء على عملها)، مثل هذه المطالبات بوصفها جرأة وقحة. غير أنها لم تقم بذلك، ليس لمجرّد أن أعضاءها الإسلاميين في غالبهم لايعرفون الكلمة (أي الجرأة الوقحة). إذ وجدت الجمعية عموماً، وحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص، أن التوصل إلى صفقة مع هذه الهيئات ممكن بصورة عامة ومن المحتمل أن تكون النتائج مفيدة.
 
في الواقع، منذ انتخاب محمد مرسي في حزيران/يونيو اهتم الرئيس وحزب الحرية والعدالة عموماً بعلاقاتهم مع الجهات الحكومية الهامة أكثر من اهتمامهم بالقوى السياسية الضعيفة نسبياً والتي تشغل عدداً قليلاً من المقاعد في الجمعية التأسيسية. وفي آب/أغسطس، وجد مرسي أن بوسعه التفاوض بحرص لإقامة علاقة مع كبار الجنرالات، بعد أن أفسد فرصته في تحقيق النجاح مع بعض الجهات القضائية التي كان يتجنّبها.
 
لامشكلة لدى جماعة الإخوان المسلمين عموماً مع هذه الهيئات المختلفة كمؤسّسات، على الرغم من أنها غالباً ماتكون مرتابة جداً من القادة في صفوفها (مثل النائب العام محمود عبدالمجيد أو تهاني الجبالي القاضية في المحكمة الدستورية العليا). لذلك قد يكون الوقت مسعفاً حيث لاتنجح المواجهة المباشرة، ومن المحتمل أن الرئيس وجماعة الإخوان يأملون على المدى الطويل في أن ينتهي المطاف بهذه المؤسسات بالانتقال تدريجياً إلى أشخاص أكثر اعتدالاً. وبما أن قادة الإخوان متفائلون بشأن مدى النجاح الذي حققته لهم السياسة حتى الآن، ويشعرون بالتشجيع بشأن حظوظهم في الانتخابات، فإن بوسعهم النظر إلى مسألة التوصل إلى حلول وسط مع هذه الهيئات في الدولة على أنها ثمن ضئيل يدفعونه لإنجاز دستور سيلعب الإسلاميون فيه دوراً بارزاً.

وبالتالي فإن هذه المقاربة حذرة بالنسبة لجماعة الإخوان، ولكن هل هي جيدة لمصر؟

ربما تنطوي المقاربة على بعض الفوائد الحقيقية قصيرة الأجل، ولاسيّما بالنظر إلى طبيعة النظام الدستوري المقبل التي لم تختبر بعد. في النظام السياسي المصري الناشئ، قد لاتوفّر آليات المساءلة العمودية (الرقابة الشعبية على المسؤولين من خلال العملية الانتخابية) سوى استجابة إسلامية، وخاصة إذا كان أداء غير الإسلاميين مخيّباً في اقتراع برلماني آخر. إذ يمكن أن توفّر آليات المساءلة الأفقية – التي ترصد فيها أجهزة الدولة المختلفة بعضها بعضاً – بديلاً مؤقتاً للحيلولة دون حدوث استبداد رئاسي.
 
بيد أن هذا لايشكّل حلاً طويل الأجل. فهو يعتمد جزئياً على منح المؤسّسات الهامة قدراً من الحرية من الرقابة الخارجية أكثر مما يقتضيه الحال في ظل نظام ديمقراطي. لذلك قد تكون المشكلة على المدى القصير في منح قدر أكثر من اللازم من الاستقلالية لهذه الهيئات. على المدى الطويل، ربما يظهر عكس المشكلة بالضبط، بمعنى أن يعتمد استقلال العديد من الهيئات على تنفيذ التشريعات (على سبيل المثال، تسمح أحكام المحكمة الدستورية العليا بالإبقاء على القانون الحالي ولكنها لاتمنع إجراء تعديلات على هذا القانون في المستقبل). إذ ربما تتخلّص مجموعة من الأغلبيات الإسلامية تدريجياً من الحرية التي يبدو أن أجهزة الدولة الآن تعتقد أنها قد تحرزها من خلال الدستور.
 
وبالتالي، في نهاية المطاف، إذا سارت الأمور بصورة سيئة، قد تبدو النتيجة ظهور نظام يشبه نظام مبارك أكثر مما يرغب أي شخص الآن. كانت سلطوية مبارك رئاسية واستبدادية بلا شك، ولكنها لم تكن قائمة على إدارة الرئاسة لشؤون الهيئات الحكومية المختلفة بكل تفاصيلها. بدلاً من ذلك كانت سلطويته تقوم على وضع هذه الهيئات في أيد جديرة بالثقة، واستمالة الأعضاء المهمين فيها، وكبح جماحهم إذا اكتشفوا فجأة سبلاً للتصرّف بشكل مستقل جداً عن إرادة الرئاسة.
 
إذا لم يكن المصريون حذرين فسينزلقون مرة أخرى إلى هذا النمط. لكن في نهاية المطاف، ليس ثمّة بديل عن المنافسة الديمقراطية السليمة.
 
نُشِر هذا المقال بالإنكليزية على موقع Foreign Policy.