لعبت قطر دوراً في السياسة الخارجية يفوق حجمها المتواضع. فخلال السنوات الماضية قادت جهود الوساطة من الصحراء الغربية إلى اليمن، ومنذ اندلاع الانتفاضات العربية استخدمت وسائل إعلامها ونفوذها المالي والسياسي لدعم المتمرّدين في العديد من الدول العربية. وقد وضع الشيخ حمد بن خليفة قطر على الخريطة الإقليمية كلاعب يتنافس مع قوى إقليمية أكبر منها بكثير. فما هي دوافع وأنماط السياسة الخارجية القطرية، وما هو الدور الذي تلعبه قطر في التحوّل السياسي في الشرق الأوسط؟ 

الأمن والرخاء: القواعد الأميركية والغاز والعلامة التجارية العالمية

 عندما أطاح الشيخ حمد والده في انقلاب أبيض في العام 1995 قرّر أنه يتعيّن على قطر رسم مسار جديد لنفسها إن هي أرادت ضمان أمنها وتأمين مستقبل اقتصادي مزدهر ومستدام.
 
وقد أكّد الغزو العراقي للكويت في العام 1990 ضعف وهشاشة دول الخليج الصغيرة، وأقنع الأمير بأن الولايات المتحدة هي وحدها القادرة والمستعدة لتوفير الأمن النهائي. وبالتالي ابتعدت قطر عن الاعتماد التقليدي على المملكة العربية السعودية - التي أثبتت عدم جدواها للكويت في العام 1990 – وأقامت علاقات عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة. وبوصفه وزيراً سابقاً للدفاع، كان الشيخ حمد يمتلك خبرة واسعة في هذا المجال. أدّت العلاقة إلى إنشاء قاعدتين أميركيتين كبيرتين في قطر: الأولى هي قاعدة العديد الجوية، والتي تؤوي القيادة المركزية الأميركية التي قادت حربي ما بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001 في أفغانستان والعراق، والأخرى معسكر السيلية الذي يستضيف أكبر قاعدة أميركية للتخزين المسبق للأسلحة خارج الولايات المتحدة. لا بل إن ثمّة إمكانية لأن تنظر الولايات المتحدة في نقل أسطولها الخامس من البحرين المضطربة إلى قطر الأكثر استقراراً. وبوجود هذه القواعد، تمكنت قطر من ضمان أمنها، وهو ما منحها الثقة لبناء سياسة خارجية مستقلة ودينامية.
 
بول سالم
بول سالم هو مدير "مركز كارنيغي للشرق الأوسط" السابق. تتناول أبحاثه ومنشوراته العلاقات الإقليمية والدولية للشرق الأوسط، إضافةً إلى قضايا التطور السياسي والدمقرطة في العالم العربي.
More >
يتمثل الأساس الهام الآخر للنفوذ القطري الناشئ في الشرق الأوسط في العملية الناجحة لتنويع اقتصادها. إذ أقنع تراجع أسعار النفط في الثمانينات، والضغط الذي أعقب ذلك على نظام الرعاية الاجتماعية السخي، الأسر الحاكمة في شبه الجزيرة العربية بأنها إذا ما أرادت البقاء في السلطة فيتعيّن عليها تنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط. وفي سياق السعي لتنويع اقتصادها، سبقت دبي قطر، كما سبقت أبوظبي والبحرين. اقتطعت كل من تلك الدويلات سوقاً متخصصة لنفسها وجذبت استثمارات خارجية قوية. وأثبتت دبي، على وجه الخصوص، أن دولة - مدينة خليجية صغيرة يمكنها أن تطوّر علامة عالمية وتصبح مركزاً دولياً للاستثمار والخدمات والنقل والقطاعات الأخرى. تعهّدت قطر بالتعويض عن الوقت الضائع. فإضافة إلى الاستثمار في التنقيب عن الغاز وتصديره، أدركت بأن الاستثمار المحلي يتطلّب مكانة إقليمية ودولية رفيعة، وبناء علامة عالمية لقطر. وقد قطع الشيخ حمد شوطاً طويلاً في تحقيق هذه الأهداف.
 
كان العام 1991 هو نقطة الانطلاق بالنسبة للغاز مع بدء المرحلة الأولى من التنقيب في حقل غاز الشمال، الذي يقع في الخليج الفارسي في المياه الإقليمية لقطر وإيران، ويعتبر أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم. قاومت المملكة العربية السعودية المجاورة المحاولات الأولية لتصدير الغاز عبر خط أنابيب إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان والكويت، وربما كان هذا نعمة مقنّعة لأنه حثّ قطر على الاستثمار في منشآت الغاز الطبيعي المسال وتأمين الأسواق العالمية لصادراتها من الغاز، وهو ما مكّن، بالتالي، صادراتها من الغاز من التحرّر من القيود الإقليمية. وقد وفرت الاتفاقات طويلة الأجل لتوريد الغاز إلى اليابان ودول آسيوية أخرى والارتفاع المطّرد في أسعار النفط والغاز عائدات ضخمة للدولة القطرية، ومكّنت الدوحة من تمويل سياسة خارجية قوية ومستقلة.
 
من حيث العلامة، استفادت قطر كثيراً من خبرة وتجربة دبي. فقد استثمرت بكثافة في مشاريع البنية الأساسية، وقدمت نفسها كمركز للتجارة الدولية والأعمال، ومضيفة سخية للاجتماعات والمؤتمرات الدولية من جميع الأنواع، ومركزاً للرياضة والتعليم والترفيه. ومن بين الإنجازات العالمية الأكثر وضوحاً استضافتها محادثات منظمة التجارة  العالمية في العام 2001، والتي أطلق عليها جولة الدوحة؛ واستضافة دورة الألعاب الآسيوية والعربية، والفوز باستضافة كأس العالم لكرة القدم في العام 2022. في غضون سنوات قليلة، عوّض الشيخ حمد عن الوقت الضائع، وجعل الدوحة عاصمة عالمية حقاً.

برمجة الجزيرة والدبلوماسية "المحايدة" 

 كان إطلاق قناة الجزيرة الفضائية من بين مشاريع قطر الأكثر تأثيراً في العام 1996. أنشئت الجزيرة على غرار مشروع قناة أوربت الفضائية بين المملكة العربية السعودية وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) التي انسحبت من المشروع بسبب الرقابة السعودية. تعاقدت قناة الجزيرة مع العديد من الصحافيين الذين تدربوا في (بي بي سي). تأسّست القناة القطرية بوصفها قناة فضائية خاصة مملوكة لمصالح تجارية مختلفة بما في ذلك أعضاء من الأسرة الحاكمة القطرية، ولكن مجلس الإدارة الذي تعلّم من فشل التجربة السعودية منح القناة هامشاً واسعاً جداً من الحرية التحريرية. أثبتت هذه الفسحة التحريرية أنها مفيدة لقناة الجزيرة بشكل ملحوظ، حيث كانت قادرة على بث برامج انتقادية تحليلية تحظى بشعبية كبيرة حول السياسة العربية والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المثيرة للجدل، واستقطبت هذه البرامج جمهوراً عربياً واسعاً، ومنحت القناة صدقيّة راسخة في الشارع العربي.
 
تسبّبت القناة الإخبارية في حدوث مشاكل دبلوماسية كثيرة للدوحة. فقد ضغطت الولايات المتحدة مراراً على قطر بسبب مواقف الجزيرة المناهضة للولايات المتحدة، عموماً والتغطية السلبية للغزو الأميركي للعراق، بينما سحبت المملكة العربية السعودية سفيرها لدى قطر في العام 2002 بعد التغطية الصحافية الناقدة للشؤون المحلية السعودية. ولكن يبدو أن هذه التغطية الانتقادية لقناة الجزيرة أثبتت استقلال دولة قطر في عيون العرب ومنحت المدينة - الدولة صدقيّة متزايدة.
 
استكملت قطر الدور الإعلامي القوي لقناة الجزيرة بأجندة دبلوماسية طموحة. ففي أوائل العقد الماضي أظهرت قطر نفسها على أنها الوسيط الرئيس في الصراعات الإقليمية، والتي تشمل الصحراء الغربية وليبيا ودارفور وفلسطين ولبنان واليمن وإثيوبيا وإريتريا. كما أقامت قطر علاقات عمل مع إسرائيل وكذلك مع أعدائها المعلنين إيران وحماس وحزب الله. وقد خدم هذا الموقف "المحايد" العديد من المصالح القطرية. إذ ساعد في بناء العلامة الخاصة بقطر كصديقة للجميع في المنطقة، وبالتالي كوجهة محتملة للاستثمار، بل ربما حمى قطر من تداعيات الصراع الإقليمي من خلال الزعم بأنها ليست عدوة أحد؛ حيث إن بناء الاستقرار الإقليمي لا يمكن إلا أن يعزّز إمكانية التنمية الاقتصادية الإقليمية التي كانت قطر تأمل في لعب دور المركز فيها، كما أن من شأن بناء علاقات جيدة مع الجميع أن يزيد مكانة الدوحة العالمية كبلد ذي نفوذ في الشرق الأوسط تلجأ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا واللاعبون العالميون الآخرون إليها. وحتى اندلاع الانتفاضات العربية في كانون الأول/ديسمبر 2010، أكدت قطر مكانتها باعتبارها واحدة من الدول الوحيدة التي لها علاقات جيدة مع الجميع في المنطقة.

الانتفاضات العربية: من "الحياد" إلى التحزّب

 خسرت قطر إلى حدّ كبير كل ما كانت قد بنته من حيث الصدقيّة كدولة محايدة وعلى علاقة جيدة مع الجميع خلال الانتفاضات العربية. فخلال فترة السنة والنصف الماضية تخلّت قطر عن سياستها المتمثّلة في الحياد والحفاظ على علاقات جيدة مع الجميع، وتحوّلت إلى سياسة تأجيج نيران الانتفاضات العربية ودعم المتمرّدين في ليبيا وسورية، بينما كانت تدعم الحكومة البحرينية المجاورة ضد احتجاجات مماثلة. غطّت قناة الجزيرة بحماس الانتفاضات في شمال أفريقيا وسورية، في حين فرضت تعتيماً فعلياً على تغطية الاحتجاجات أو الحملات القمعية في البحرين.
 
كان تلفزيون الجزيرة موجوداً على الأرض في تونس لتغطية الانتفاضة العربية الأولى، وأعدّ رواية مثيرة سحرت قلوب المشاهدين في جميع أنحاء العالم العربي. ساعدت القناة الإخبارية التي تتخذ من قطر مقراً لها في نقل شرارة التمرّد من تونس إلى دول عربية أخرى: مصر وليبيا واليمن وسورية والبحرين. تعاطف محرروها ومراسلوها بشكل طبيعي مع المتظاهرين ولم ترَ السلطات القطرية أن ثمّة فائدة لسياستها الخارجية في الوقوف إلى جانب بن علي أو مبارك.
 
أدركت قطر أنها لم تحقّق نجاحاً في التغطية التلفزيونية الجيدة فحسب، ولكنها وجدت نفسها في طليعة القوى التي ستشكّل مستقبل العالم العربي. وفي حين خشيت المملكة العربية السعودية التغييرات التي تجري وقاومتها، هرولت قطر أمام تلك التغييرات مدركة أنها يمكن أن تكون لاعباً رئيساً في مستقبل المنطقة لا حامية لنظامها القديم الذي يحتضر.
 
بالإضافة إلى الدور الإعلامي الهام الذي اضطلعت به قناة الجزيرة في نشر عدوى التمرّد، انتقلت قطر إلى تسخير أدوات أخرى، بدءاً من الأزمة في ليبيا. دفعت الدوحة دول مجلس التعاون الخليجي لاتّخاذ موقف في ليبيا، ودفعت جامعة الدول العربية لتعليق عضوية ليبيا ودعوة مجلس الأمن الدولي إلى فرض منطقة حظر طيران، وهي جميعاً خطوات غير مسبوقة في الدبلوماسية العربية. وكانت قطر رائدة أيضاً في القيام بخطوات جديدة عن طريق إرسال طائراتها الحربية للمشاركة في منطقة الحظر الجوي التي فرضها حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأرسلت المال والسلاح والوقود والتدريب للمتمرّدين الليبيين.
 
شجّع النجاح في ليبيا قطر على المبادرة إلى تبنّي سياسة مماثلة تجاه سورية. وكانت قطر بنت علاقات ممتازة مع النظام السوري في السنوات القليلة الماضية، واستثمرت مليارات الدولارات في مشاريع هناك. في البداية ربما كانت الدوحة تأمل بأن علاقاتها الجيدة مع نظام الأسد قد تسمح لها بأن تلعب دوراً إيجابياً في التوسط من أجل إجراء إصلاح سياسي بعد بدء الانتفاضة السورية. وبسبب ذلك، ربما كانت لدى قطر آمال مماثلة لآمال تركيا. ولكن سرعان ما تبدّدت هذه الآمال، عندما واصل نظام الأسد حملة القمع القاسية ضدّ المتظاهرين ورفض الأسد مبادرات الوساطة القطرية.
 
بعد ذلك أصبحت قطر العدو اللّدود لنظام الأسد، حيث قطعت العلاقات الدبلوماسية معه، وسحبت جميع الأموال، وطردت سورية من جامعة الدول العربية، وقدمت الأموال والأسلحة إلى المعارضة، وحثّت المجتمع الدولي على فرض عقوبات أو التفكير في التدخل العسكري في سورية. وقد أدخلها موقفها من سورية أيضاً في خلاف مع إيران وحزب الله، وهما الكيانان اللذان أقامت معهما علاقات جيدة خلال السنوات الماضية.
 
في الواقع، مع نهاية العام 2011، كانت قطر قد تخلّت منذ وقت طويل - وكذلك تركيا في هذه المسألة - عن سياسة الحياد والعلاقات الجيدة مع الجميع، لصالح موقف واضح مع أو ضد بعض اللاعبين في المنطقة. كما ضبطت قطر متلبّسة في مواقف شديدة النفاق. فبينما أيّدت المتظاهرين في تونس وليبيا وسورية وأماكن أخرى، وقفت بشكل مباشر إلى جانب الحكومة في البحرين. ومن الواضح أنه عندما يتعلق الأمر بأمن وتضامن دول مجلس التعاون الخليجي، لا يمكن لقطر أن تنفصل عن السعودية ورأي النخبة في دول مجلس التعاون الخليجي، ولا أن تعرّض جوارها المباشر للخطر من خلال تشجيع عدم الاستقرار في البحرين. كان وجه النفاق الآخر يتعلق بدعم قطر المفترض للانتفاضات المؤيّدة للديمقراطية في العالم العربي مع الحفاظ على النظام السياسي الشمولي في الداخل، والذي تتركّز السلطة فيه أساساً في أيدي رجل أو اثنين. أعلنت قطر عن دستور في العام 2003، ويعد الأمير بإجراء انتخابات برلمانية في العام 2013، ولكن قلّة هم من يتوهّمون بأن هذه الإصلاحات التجميلية ستصل إلى تحول ديمقراطي حقيقي. وقد ترك عدد من الشخصيات الرئيسة في قناة الجزيرة، على سبيل المثال مدير مكتب بيروت غسان بن جدّو، الجزيرة بسبب المعايير المزدوجة للمحطة وقطر، وتعرّضت قطر لانتقادات بسبب ذلك.

رؤية أم ارتجال؟

 في الواقع، السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هو: ما هو المنطق الذي تستند إليه مقاربة قطر الجديدة في المنطقة. فهي دفعت باتجاه التحوّل الديمقراطي وتغيير النظام في عدد من الدول العربية في الوقت الذي تحمي فيه النظام القديم في دول مجلس التعاون الخليجي. ولديها علاقات قوية خاصة مع أحزاب الإخوان المسلمين الذين يظهرون كلاعبين بارزين في تونس ومصر وليبيا وسورية في مرحلة ما بعد الأسد، ولكن لديها أيضاً علاقات مع جماعات أخرى، وعرضت تقديم المساعدة الاقتصادية لعدة بلدان ما بعد ثورية أخرى مثل مصر وتونس.
 
 قد لا تكون هذه السياسات متناقضة كما تبدو. فحيث لم يكن لديها اعتبارات أمن واستقرار أساسية مباشرة (كما هو الحال في البحرين)، وقفت قطر مع الانتفاضات، جزئياً، بوصف ذلك هو الموقف الشعبي الذي ينبغي القيام به، وجزئياً، كجزء من العلامة الإيجابية لقطر والتموضع للمستقبل، وأيضاً كقراءة صحيحة بأن الكثير من هذه الأنظمة تجاوزت تاريخ صلاحيتها ولن تنجو من الانتفاضات الشاملة على أي حال، ولذا فمن الأفضل بالنسبة لقطر أن تكون على الجانب الصحيح من التاريخ.
قد يفهم هذا على أنه سياسة واقعية. وقد يتمثّل جزء آخر منه في المشاعر الحقيقية وتعاطف الأمير ورئيس وزرائه حمد بن جاسم، الذي يصنع بمفرده تقريباً جعل السياسة الخارجية القطرية. وعلى غرار آخرين، ربما تأثّر الاثنان بمشاهد الانتفاضة الشعبية ضد الحكومات المستبدّة والفاشلة في المنطقة ومشاهد سفك الدماء في ليبيا وسورية، وحيث لم تُلْغَ الاعتبارات الأمنية الرئيسة (كما هو الحال في البحرين)، ربما لعبت ميولهما الطبيعية للوقوف إلى جانب أحد طرفي الصراع دوراً كبيراً.
 
كما اعتمدت قطر على الأماكن التي تملك فيها تعاطفاً وعلاقات. فقد كان في الجزيرة منذ فترة طويلة مكوّن قوي من جماعة الإخوان المسلمين من خلال العديد من الصحافيين والمحررين، ولا تزال قطر أيضاً، رغم موجة العولمة التي تجتاحها، مجتمعاً إسلامياً محافظاً، والمجتمع الوهابي الآخر الوحيد في العالم العربي باستثناء المملكة العربية السعودية. كان الإسلامي المصري يوسف القرضاوي والإمام الليبي علي الصلّابي يقيمان منذ فترة طويلة في قطر، وبالتالي وجدت قطر نفسها، بطبيعة الحال، في وضع يمكّنها من دعم جماعات وأحزاب الإخوان المسلمين عندما انهارت الأنظمة المختلفة. ولكي نكون منصفين، فقد استضافت قطر أيضاً جماعات أخرى، مثل المروحة الواسعة من الجماعات الإسلامية والعلمانية التي تشكّل المعارضة السورية، في محاولة لتقديم الدعم لها كذلك.
 
اتّهم البعض الدوحة بمحاولة بناء شبكة تحالف إقليمية للإخوان المسلمين، أو بأن قطر تدعم الإخوان لمواجهة الدعم السعودي للسلفيين في هذه البلدان المختلفة. ولكن من المرجّح أن قطر تقوم ببساطة ببناء النفوذ حيث أمكنها ذلك، على أمل أن تكون لاعباً مهماً في الشرق الأوسط الجديد، وأن تكون لها أيضاً يد في مساعدة الأحزاب الشعبية مثل الإخوان المسلمين على النجاح في إعادة الاستقرار وبناء الازدهار في بلدانها.

التموضع القطري الجديد

 أدّت سياسات قطر إلى خلق معايير جديدة لعلاقاتها مع اللاعبين الرئيسيين في الشرق الأوسط. ففيما يتعلق بالولايات المتحدة، برزت قطر كلاعب رئيس في مساعدة الولايات المتحدة على بناء علاقات مع الأحزاب الإسلامية الجديدة التي فازت في الانتخابات في عدة دول عربية. أما فيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية، فقد اختلف البلدان بشكل حادّ بشأن مواقفهما تجاه الانتفاضات العربية، ولكنهما اتفقا على العديد من الموضوعات المهمة مثل تغيير النظام في ليبيا وسورية، وحماية النظام في البحرين. ورغم أن البلدين قد يدعمان أجنحة مختلفة في الحركات الإسلامية الصاعدة، فإنهما يشتركان في المنظور الإسلامي العام. وفيما يتعلق بإيران، ربما تكون قطر عرّضت الكثير للخطر. إذ تشترك قطر في حقل الغاز الرئيس فيها مع إيران، وليست لقطر مصلحة في إغضاب جارتها الكبيرة في الخليج، غير أن إيران أثبتت أنها غير قادرة على التصرّف في حالة البحرين، وفي النهاية يبدو أن الأمن الذي توفّره القواعد العسكرية الأميركية لا زال يتفوّق على أي تهديد محتمل من جانب إيران. لكن قطر لا زالت تسعى إلى احتواء أي أضرار ناجمة عن مواقفها بشأن البحرين وسورية، لكي لا تجازف بأي تصعيد بينها وبين إيران.
 
أخيراً، برزت قطر في الواقع كواحد من أكثر اللاعبين تأثيراً في السياسة الإقليمية ومشابهة في تأثيرها للاعبين أكبر منها بكثير مثل المملكة العربية السعودية أو تركيا، وأكثر تأثيراً من لاعبين كانوا أقوياء في السابق مثل مصر والعراق. وأن تتمكّن مثل هذه الدويلة من الارتقاء إلى مواقع السلطة الإقليمية ليس بالأمر الفريد في التاريخ - على سبيل المثال، حالتا البندقية وفلورنسا، أو حالة سنغافورة في الآونة الأخيرة - لكنه في الواقع انعكاس ملحوظ لتأثير وسائل الإعلام والمال في عالم اليوم.
 
ليس واضحاً بعد ما إذا كان رهان قطر على تغيير النظام في سورية سيؤتي ثماره، ولكن يمكننا أن نتوقع أن تحافظ قطر على سياستها في دعم التحوّلات في مختلف البلدان حيث العمليات الانتقالية جارية بالفعل، بينما تقف إلى جانب الاستقرار والإصلاحات السياسية التجميلية في الداخل وفي دول مجلس التعاون الخليجي. من المرجّح أن يستمر دعمها لمختلف مجموعات الإخوان المسلمين، ولكن يمكن أن يشمل دعمها جماعات إسلامية أو غير إسلامية أيضاً، وفي جميع الحالات، ربما تدفع في اتجاه تشجيع هذه الأطراف على انتهاج سياسات اقتصادية وسياسية براغماتية - وإن كانت محافظة - بدلاً من الانخراط في أشكال متطرفة من الجهاد أو التطرّف.
 
مثل السياسات الخارجية لجميع البلدان، لا تخلو سياسة قطر الخارجية من تناقضات كبيرة، ولكن رغم ذلك، تملك قطر قدراً كبيراً من النفوذ في الشرق الأوسط الناشئ، وفي معظم القضايا وضعت نفسها في الجانب الصحيح من التاريخ. يجب على الدول والمجموعات التي لها مصلحة في إحداث تغيير إيجابي في الشرق الأوسط، أن تنخرط أكثر مع قطر لتشجيعها على المثابرة في المجالات التي دعمت فيها التغيير الإيجابي، والنظر إلى الإصلاح بجدّية أكبر في قطر نفسها ولدى جيرانها من دول مجلس التعاون الخليجي. صحيح أن الممالك الغنية بالنفط تمكنت من كسب الوقت، ولكن التاريخ سيعاقب الجميع.
 
تمّ نشر هذا المقال باللغة الفرنسية في مجلة Moyen-Orient.