في مشهد طواه النسيان يعبّر عن طفرة الوحدة الوطنية، عبّر المصريون عن ابتهاجهم في 11 شباط/فبراير 2011، وهم يشعرون بالدهشة إزاء ماقاموا به، حيث أرغموا حاكماً مستبداً أمضى فترة طويلة في الحكم على التنحّي من منصبه من خلال احتجاجات ضخمة جرت في جميع أنحاء البلاد. وفي اللحظة السياسية النقيّة لتلك الانتفاضة من الناحية الظاهرية، كان من السهل أن نتصوّر حصول عملية انتقال سلمية إلى مستقبل منفتح وديمقراطي وعادل وأكثر ازدهاراً. بيد أنه بعد أقلّ من عامين، تحوّلت هذه البداية الديمقراطية الظاهرة، بصورة تدريجية، إلى واقع سياسي صعب. صحيح أنه جرت الموافقة على الدستور الجديد، بيد أن الأرقام الأولية تشير إلى موافقة أقلّ من ثلثي الناخبين (نسبة منخفضة جداً في بلد تعوّد الناخبون فيه على أن يطلب إليهم أن يقولوا نعم) وإقبالاً يقلّ عن ثلث من يحقّ لهم الاقتراع. واليوم تبدو ثمار الثورة مرّة بالفعل، حيث تدور الصراعات السياسية بين الأشقاء، ويجري تبادل الاتهامات الغاضبة والشنيعة، وتندلع أعمال العنف من حين إلى آخر، ويسود الخوف.

الثورة في مصر صنعتها مجموعة من الناشطين الذين يتميّزون بالإقدام والجرأة من ذوي الأجندات الغامضة التي يصعب فهمها أو تفسيرها، وحشود من المواطنين العاديين الذين يدخلون ميدان السياسة لأول مرة، وكوادر جماعة الإخوان المسلمين الذين كانوا منضبطين ولكن حذرين، وأجهزة الدولة التي بقيت إما متحفّظة أو غير قادرة على الدفاع عن النظام السابق. بيد أن الخصائص ذاتها التي خدمت قضية التغيير السياسي في أوائل العام 2011 هي التي رسّخت فيما بعد الشكوك والسلوك المريب.
 
ناثان براون
ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث مرموق، ومؤلّف ستة كتب عن السياسة العربية نالت استحساناً.
More >
في هذه المرحلة، تبدو أخطاء السنة ونصف السنة الماضية جليّة للغاية، خاصّة في ظلّ المرارة التي نجمت عن الاستفتاء على الدستور في جميع الجوانب. ولذا فإن الحكاية تبدو حكاية الإسلاميين الذين يغالون في التمدد ويتمتّعون بالأغلبية، والجهات الفاعلة المعارضة غير الإسلامية المنقسمة التي تفتقر إلى الكفاءة، والعناصر المتآمرة في الدولة العميقة.
 
تُلقي الجهات السياسية الفاعلة المختلفة في مصر باللائمة على بعضها بعضاً بسبب سوء النيّة، ولأسباب وجيهة. فقد تصرّف الإسلاميون بطرق تبرّر أسوأ إجحاف مارسه منتقدوهم بحقّهم. ويدّعي البعض من غير الإسلاميين بأنهم يتحدثون باسم الشعب حتى عندما تفوّض أغلبية الشعب معارضيهم على وجه التحديد التحدث نيابة عنها. وقد ناضلت المعارضة لتوحيد صفوفها أو إيجاد استراتيجية مشتركة لها. وأعاقت أجزاء هامة من جهاز الدولة العملية الانتقالية، حيث كانت بعض الجهات الحكومية تخلط بصورة روتينية بين مصالحها المؤسّسية الخاصة وبين مصالح المجتمع بأكمله.
 
لكن، في حين حدثت تجاوزات كثيرة، فإنها تبدو نتيجة بقدر ماهي سبب. إذ تكمن خلفها عملية انتقالية إشكالية للغاية. فقد خلقت العملية بيئة تشجّع الجهات الفاعلة على اعتماد استراتيجيات وتكتيكات بدت منطقية بالنسبة إليها على المدى القصير، لكنها أثبتت أنها ضارّة جداً بالنسبة إلى عملية إعادة البناء السياسي على المدى الطويل في مصر.
 
إذا كان هناك مايبعث على الأمل الآن، فهو أن الاستفتاء على الدستور ربّما يفرض على الجهات الفاعلة أن تعيد النظر في حساباتها. فقد تدرك جماعة الإخوان في النهاية أن في وسعها الحصول على الكثير مما تريد من خلال أساليب أقلّ صرامة وقسوة، وقد تجد المعارضة أن العملية الانتخابية توفّر لها إمكانيات أكبر للنجاح. وإذا مانظرت الجهات الفاعلة إلى خياراتها بشكل مختلف، عندها فقط يمكن لمصر أن تتحرّر من أزمتها الحالية.
 

الخطيئة الأصلية: عملية معيبة

يعمل المصريون في إطار سياسي يصعب حتى على الملائكة التعاطي معه بإنصاف. لم تكن العملية الانتقالية في مصر سيئة التصميم؛ بل لم يجر تصميمها أصلاً. ويكمن الخطأ الأصلي للعملية الانتقالية في مصر في سلسلة من القرارات قصيرة النظر التي اتّخذتها جهات فاعلة حسنة النية عموماً، لكنها قصيرة النظر، والتي جرى إقحامها في سلطة محدودة في شباط/فبراير وآذار/مارس 2011. في ذلك الوقت، جرت مناقشات مطوّلة حول تسلسل الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية وكتابة الدستور. بيد أن جزءاً كبيراً من هذا النقاش فشل في فهم جزء أساسي من العملية، وخدع المحلّلين والنشطاء بشأن الأخطاء الحقيقية التي كانت ترتكب.
 
تمثّلت المشكلة الأساسية في أن العملية منحت السلطة المطلقة في سياق العملية الانتقالية للقيادة العسكرية، لالسبب سوى لأن القيادة العسكرية ادّعتها لنفسها، ولم يكن أحد يعرف في البداية ماينبغي القيام به. وتمثّل البديل الأسلم في اقتراح إقامة مجلس رئاسة كان من شأنه أن يجبر القوى السياسية الرئيسة في البلاد، إذا كان من الممكن تحديدها وإذا ماكان بوسعها إدارة خلافاتها، على المضيّ قُدُماً بتوافق الآراء. لكن الجماعات الثورية لم تتوحّد حول هذه الفكرة إلا بعد فوات الأوان.
 
لذلك، كان الجيش حراً في ارتكاب الزلّة التالية بتكليف لجنة صغيرة خاصة بوضع خطة للعملية الانتقالية من خلال تعديل مجموعة من المواد في الدستور المصري التي كان قد اختارها الرئيس المصري المترنّح، حسني مبارك. وقد أُقِرَّت هذه التعديلات التي صيغت في السر على عجل في استفتاء آذار/مارس 2011. ومن ثم أدرج الجنرالات هذه التعديلات من جانب واحد في إعلان دستوري جديد كلياً، ووضعوا دستور البلاد القديم جانباً. لم يتم الكشف عن واضعي الإعلان الدستوري، لكنهم كرّسوا سابقة خطيرة سمحوا بموجبها للمتربّعين على رأس هرم النظام السياسي بالادّعاء بأن "السلطة التأسيسية لي"، أو على نحو أكثر ركاكة، "الدستور هو كل ما أقول إنه دستور".
 
اختار الإعلان الدستوري الجديد أحكاماً من دستور العام 1971 الذي عُلِّق العمل به وحذف أحكاماً أخرى من دون تقديم أي توضيحات. من بين الأحكام التي رُفِعَت تلك التي تتعلّق بإدخال تعديلات دستورية، وهو مايعني أنه إذا دعت الحاجة إلى إدخال تعديل فيجب أن يؤكّد النص أولاً – وقد أصبح من الضروري إدخال بعض التعديلات في نظر الجهات الفاعلة المختلفة - ومن ثم الجيش والرئيس سلطته على الدستور. ولو أُدخِلَت تعديلات دستورية بعد إجراء مشاورات موسّعة، فلربّما كانت سائغة. غير أن الجنرالات كانوا سيّئين في مسألة التشاور، وتبيّن في وقت لاحق أن أول رئيس جرى انتخابه بحرية كان أسوأ على نحو كارثي.
 
بدأت الشكوك بعد استفتاء آذار/مارس مباشرة. فقد كان الإسلاميون يشتبهون في أن أجندة شركائهم الثوريين الحقيقية تتمثّل في تأخير أي انتخابات جرى اقتراحها بسبب خشيتهم من قوة أداء الإسلاميين. وقد شعر غير الإسلاميين، بمشروعية مماثلة، بأن الإسلاميين كانوا يدفعون بقوّة من أجل إجراء اقتراع حتى يتمكّنوا من شقّ طريقهم والحصول على أكبر عدد من المقاعد.
 
لم تكن مثل هذه الخصومات السياسية سيّئة في حدّ ذاتها. فقد كانت المشكلة الأعمق تتمثّل في أن الطريقة الوحيدة لحلّها ليست من خلال المفاوضات والتسويات والتوافق بل من خلال الضغط على الجنرالات ومضايقتهم ومساومتهم. وقد أدّت الشكوك بوجود صفقات منفصلة واتفاقات سرّية إلى تعميق المخاوف، وسرعان ما أدركت الجهات الفاعلة في مصر بأنه لايلزم أن تكون المزاعم مقرونة بالأدلّة كي تؤخذ على محمل الجدّ
 
كان يمكن بالتأكيد تصميم عملية انتقالية أكثر توافقيّة نظراً للبيئة السائدة. ولم تكن الخلافات كبيرة، في الواقع، بشأن ماينبغي أن تبدو عليه الآلية السياسية في مصر. وقد وحّد جزء كبير من الإطار الأساسي - رئاسة أضعف وحريات أقوى وإجراءات أكثر ديمقراطية واستقلال القضاء - كامل الطيف السياسي تقريباً. لكن اللجنة الخاصة الصغيرة، والتي عملت على عجل إلى حدّ كبير، أدخلت عدداً من القنابل الموقوتة في الإجراءات.
 
نصّت هذه الإجراءات على أن تتولّى 100 شخصية يختارها البرلمان صياغة دستور جديد. بيد أن هذا لم يضمن أن يكون لكل شخص رأي. وكان من المقرّر عرض مسوّدة الدستور التي تقدّمها الجمعية التأسيسية على الناخبين فوراً للتصويت عليها بالموافقة أو الرفض بأغلبية بسيطة.
 
لم يدرك أحد في ذلك الوقت كم ستكون الإجراءات المحدّدة في صالح الإسلاميين. كانت القوة الانتخابية الإسلامية متوقّعة، ولكن في نهاية المطاف كان حجم انتصاراتهم البرلمانية والرئاسية بمثابة مفاجأة.
 
كانت هذه عملية مصممة للعمل بشكل جيد فقط إذا كان هناك توافق عميق بالفعل، لكنها نادراً ما أنتجت توافقاً.
 
ما أن تحوّلت آليات آذار/مارس 2011 المربكة، والتي جرى تصميمها على عجل، ببطء إلى إجراءات فعلية، حتى تحصّنت جماعات المصالح حولها تدريجياً. فقد طرحت الجهات الفاعلة المختلفة فكرة التفاوض على مجموعة من "المبادئ فوق الدستورية" الملزمة لتوجيه عملية صياغة الدستور، ومن ثم حوّلتها إلى وسيلة لحماية مصالحها الحزبية. وكان غير الإسلاميين يحبّذون الفكرة صراحة باعتبارها وسيلة لتقييد أيدي الإسلاميين، وقاومها الإسلاميون للسبب نفسه، فيما اعتبرها الجيش وسيلة لإدخال أحكامه الدستورية المفضلة.
 

أخطاء التطبيق

بينما كانت العملية الانتقالية في مصر تمضي قُدُماً متعثّرة، لم يكن ثمّة ماتقدمه لمختلف القوى السياسية سوى الإغراءات التي يولّدها الحسد المتبادل، والغضب من الخصوم، والطمع في الحصول على السلطة السياسية. إذ لاتكمن الثغرات التي فتحت في آذار/مارس في مجالات إعادة البناء السياسي الدائم فقط، ولكن أيضاً في الحوكمة خلال الفترة الانتقالية.
 
تم، وبصورة جراحية، إزالة بعض الأحكام الأساسية (ولو أنها خاملة) الواردة في دستور العام 1971 المتعلّقة بالرقابة البرلمانية على السلطة التنفيذية من إعلان آذار/مارس 2011 الدستوري. وقد وجد أعضاء البرلمان الذين أخذوا مقاعدهم أخيراً في كانون الثاني/يناير 2012 أن لاشيء يحدث مهما كانت قوة ضغطهم في التصويت على القرارات السياسية المعروضة أمامهم، حيث لم يكن لديهم تأثير على تشكيل الحكومة أو على السياسة. وفي الواقع، واجه النواب، حتى عندما عملوا على إصدار تشريعات عادية، احتمال اعتراض الجيش على أي مبادرة.
 
اشتكى قادة جماعة الإخوان المسلمين بشكل صاخب، بعد أن أيقنوا بسرعة أنهم مرغمون على تحمّل المسؤولية عن أداء الحكومة الضعيف في مجال السياسة من دون أن يسمح لهم بممارسة أي سلطة فعلية. وردّاً على ذلك فهم يزعمون أن القيادة هدّدت بأن تلغي فوز حزب الحرية والعدالة التابع لهم في الانتخابات البرلمانية أوائل العام 2012 بموجب قرار من المحكمة. وتقول جماعة الإخوان إن التهديد أقحمها بشكل كامل في السياسات الرئاسية، ماحدا بها إلى إلغاء قرار اتّخذته منذ فترة طويلة بعدم تسمية مرشح لهذا المنصب. ومع تدهور البيئة السياسية، لم تعد جماعة الإخوان تشعر بالحاجة نفسها إلى طمأنة الجهات الفاعلة الأخرى بأن الإسلاميين لن يتبنّوا موقفاً قوياً. وبذلك نُسي شعارها السابق، "مشاركة لامغالبة".
 
كان الخطاب المتصاعد من جميع الأطراف ضارّاً بقدر ماكانت التكتيكات القاسية. لم يكن من الصعب التمييز بين الإشاعة والحقيقة فقط، بل جرت أيضاً محاولات للقيام بذلك بشكل غير منتظم. بدا أن المصريين الناشطين سياسياً يتحدثون داخل فقاعاتهم الخاصة، وقد عملت تلك الفقاعات على تصفية جميع الأصوات الأكثر حدّة الآتية من المعسكرات الأخرى تقريباً.
 
وجرى على الفور انتقاد البرلمان الذي لايملك أي سلطة بسبب عدم القيام بشيء. لم يكن من الغريب أن نسمع غير الإسلاميين يطلقون الاتّهامات بأن البرلمان يهتم فقط بخفض سن الزواج.
 
كان واضحاً أن مثل هذا الاتهام باطل (إحدى الأولويات الرئيسة للبرلمان كانت إصدار قانون أكثر ليبرالية للمنظمات غير الحكومية)، ولكنه فعل فعله. وعندما حُلَّ البرلمان بأمر من المحكمة في حزيران/يونيو 2012 كان الإسلاميون هم الوحيدين الذين نعوه.
 
استغل الإسلاميون أغلبيتهم في البرلمان، قبل حلّه، لتشكيل الجمعية التأسيسية، وقد فعلوا ذلك مرتين، في الواقع، لأن المحكمة رفضت محاولتهم الأولى. ومن خلال القيام بذلك، شرعوا في اتّباع نمط يظهر مايكفي من ضبط النفس لإقناع أنفسهم بحسن نواياهم.
 
قدّم الإسلاميون تنازلات حقيقية سواء في تكوين الجمعية أو في عملها، لكن نادراً ماكانت هذه التنازلات كافية لجلب خصومهم إلى صفّهم. ولكي نكون منصفين، ربما كان بمقدور كتلة غير إسلامية قوية ومتماسكة داخل الجمعية التأسيسية انتزاع تنازلات جدّية من جماعة الإخوان المهيمنة والحريصة على إقرار أي دستور. بيد أن التذمّر من المعارضة غير الإسلامية بسبب فُرقتها يقصر عن فهم جزء أساسي من الموضوع. فمن دون تلك الفرقة ربما ماكان في وسع الثورة أن تكون حاسمة جداً. فقد كانت الحقيقة بأن الكثير من القوى التي تدّعي أنها تحمل شعلة الثورة برزت بسرعة خارج القنوات السياسية المألوفة هي التي جعلتها كبيرة جداً في أوائل العام 2011 عندما أسقطت مبارك.
 
وبالتالي اقتربت مصر من الانتهاء من العملية الانتقالية غير المدروسة بمجموعة متنوّعة من الجهات السياسية الفاعلة التي استخدمت كل ماكان في متناول يدها من أسلحة. اكتشف الإسلاميون أن الانتخابات وحكم الأغلبية كانا يعملان لصالحهم. واكتشفت مؤسّسات الدولة الهامة أن أفضل تكتيكاتها هي التهديد والمداهنة والمساومة لمنع قادة مصر الإسلاميين الجدد من التعدّي على مجال نفوذها. واكتشفت المعارضة أن أفضل خياراتها (والخيار الوحيد أحياناً) هو الشكوى والانتقاد والمقاطعة والتظاهر.
 

خطأ قاتل؟ انقلاب مرسي

هذه المجموعة من الترتيبات السياسية الهشّة هي التي هاجمها الرئيس محمد مرسي، الذي انتخب في حزيران/يونيو 2012 والمنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، بمطرقة ثقيلة في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر وأوائل كانون الأول/ديسمبر بهدف معلن (وربما صادق) يتمثّل في جعلها أكثر استقراراً. كل قراراته خلال تلك الفترة كانت معقولة بعض الشيء. بعضها لم تكن حتى قراراته أساساً. على سبيل المثال، ينسى من يدينون جماعة الإخوان في الاندفاع قدماً في عملية صياغة الدستور وعرضه على الاستفتاء بسهولة أنه حُدِّد الموعد لذلك في آذار/مارس 2011، وأكّده الناخبون المصريون في ذلك الوقت.
 
ولكن إذا مانظرنا إليها ككل، إذ كانت الخطوات التي قام بها مرسي ترقى إلى كونها تأكيداً مذهلاً لسلطته وهجوماً جريئاً على كثير من القواعد غير المكتوبة (القليل منها مكتوب) للسياسة المصرية، حيث نصّب نفسه ليس بوصفه رئيساً تنفيذياً فقط ولكن أيضاً كمشرّع وحيد يتجاوز الرقابة القضائية. ومهما تكن بعض هذه الخطوات مؤقتة، فلن تتعافى مصر منها بسهولة.
 
ربما كانت الخطوات مستدامة على نحو أكثر سهولة لو أنها نجمت عن إجماع سياسي واسع، لكن مرسي لم يقم حتى بعملية تمويه مقنعة في اتجاه التشاور مع الطيف السياسي. وخلط بين وضعه كرئيس وكونه جاء من حركة اجتماعية معارضة. فقد ادّعى، بصفته الأولى، أنه يعمل لمصلحة الدولة المصرية. لكنه سمح، بصفته الثانية، لحلفائه في جماعة الإخوان بتعيين أنفسهم كحرس أمن رئاسي، قادر على تفريق مظاهرات والقيام باعتقالات وممارسة البلطجة، كحدّ أدنى، بحق من يشتبه فيه بالتآمر في جريمة التجمع أمام القصر الرئاسي.
 
إن مايجعل الانقلاب الذي جرى بتحريض من الرئيس مرسي في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 غريباً جداً، هو أنه لم يكن ضرورياً حتى بالمعايير القاسية على نحو متزايد للسياسة المصرية. فقد أكّد أن المحاكم والمعارضة كانوا يحاولون إلغاء التقدم الذي أُحرِز خلال الفترة الانتقالية في مصر. وادّعى أنهم لم يكونوا يحاولون حلّ الجمعية التأسيسية فقط، بل سعوا أيضاً إلى إلغاء خطوته الدستورية الأولى الجريئة التي تمثّلت بالتخلّص من الدور الرقابي السياسي للجيش.
 
كان من شأن حلّ الجمعية التأسيسية في حدّ ذاته أن يؤدّي فقط إلى إطلاق يد مرسي في تشكيل جمعية جديدة بنفسه. وكان يمكن لخطوة مرسي بإلغاء رقابة الجيش أن تكون كارثية، ليس بالنسبة إلى مرسي فقط. ولهذا السبب بالضبط لم يكن من المرجّح أبداً أن تجري محاولة القيام بها، ولم يكن مرجّحاً أكثر أن تنجح.
 
لو لم يتّخذ مرسي خطوات صارمة لإعادة تأكيد سلطته، لكان من المحتمل أن يحصل هو وحركته على الدستور الذي أرادوه، برفقة معارضة غير فعّالة ومتذمّرة بدلاً من عاصفة الاحتجاج المستَنفَرَة التي قوبلوا بها.
 
بدلاً من ذلك تحرّك مرسي، وها هي ردود الفعل تبدو مذهلة، إذ تسعى المعارضة وبقدر من النجاح إلى إحياء موجة الاحتجاج الهائلة التي حدثت في كانون الثاني/يناير 2011. ووقعت اشتباكات بين أعضاء النيابة الغاضبين وقوات الأمن أمام مبنى المحكمة العليا. وجرى استفزاز الهيئات القضائية المحافظة كي تُضرِب وتتخلّف عن المشاركة في مراقبة الانتخابات (هي خطوات جرى التهديد بها لكنها لم تتّخذ في عهد مبارك). وأحجمت نسبة كبيرة من الصحافة عن الصدور على نحو غير معهود في يوم احتجاجي. وعاد الجيش إلى الحديث عن تأكيدات غامضة عن حياده جعلت المراقبين يتساءلون عن نواياه الحقيقية. وانتقلت حالة الفوضى حتى إلى الرئاسة نفسها وبصورة لاتنسى مع فرض زيادة الضرائب عند الفجر وإلغائها في المساء.
 
تبدو حالة الاستقطاب في مصر كاملة، وقد بدأت تصيب المعلّقين، حيث غالباً مايبدو أن النقاش المدني يفشل حتى بين المراقبين الأكثر موضوعية وحيادية. بحيث جرى استبداله بإصرار غاضب على أن الذين لاينظرون إلى الأحداث بطريقة معيّنة قد فقدوا الاتصال مع الواقع والأخلاق أو مع كليهما.
 
وبالتالي، يحلّ إقرار الدستور المسائل من الناحية النظرية فقط. فقواعد اللعبة السياسية في مصر أصبحت مقنّنة الآن. لكنها تعمل في بيئة يبدو فيها جهاز الدولة منقسماً وتالفاً، والمعارضة معبّأة وغاضبة بشدّة، حتى أن الائتلاف الحاكم يشعر بأنه مضطهد بشدّة، وتظهر جميع الجهات السياسية الفاعلة أن خطابها لايعرف حدوداً. وتهدّد ممارساتها بأن تحذو حذوه.
 

احتمالات الخلاص

قد تؤدّي حالة الانفعال والغضب التي شهدتها مصر في تشرن الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر 2012 - إذا كان المصريون أكثر حظاً مما كانوا عليه أخيراً – إلى إيجاد بعض الاحتمالات لإنقاذ وعد الثورة. إذ لم تكن أعمق مشاكل العملية الانتقالية في مصر نتيجة سوء تصرّف الممثلين، على الرغم من أن معظم الجهات الفاعلة أساءت التصرّف. وهي تنبع من بيئة سياسية غير مكتملة مدّت فيها مختلف الجهات الفاعلة أيديها بإلحاح إلى الأدوات الأسهل أو المُتاحة أكثر من سواها.
 
قد تكون الحوافز مختلفة الآن، أو يمكن قراءتها، وهو الأمر الأهم، بشكل مختلف من جانب الجهات السياسية الفاعلة الرئيسة في مصر. الأهم من ذلك، ربما يدرك الرئيس مرسي أنه يستطيع أن يحكم كرئيس إما فوق جثث معارضيه أو على الرغم من اعتراضهم العنيف. بدا المسار الأول أسهل على مدى الشهر الماضي، ولكن المسار الثاني هو الأكثر احتمالاً لضمان أن يشرف الرئيس على سلطة سياسية تستحق الحكم.
 
ويمكن أن تدفع الضغوط المتزايدة أيضاً جماعة الإخوان المسلمين إلى تبنّي مقاربة أكثر ميلاً للمصالحة. فالمعارضة معبّأة وواضحة في كلامها، حيث تمكّنت في الاستفتاء من فرض تحدٍّ انتخابي ذي صدقيّة في مواجهة الاسلاميين خلال مهلة قصيرة. وتبحث شرائح من المجتمع المصري الآن خارج معسكر الإسلاميين عن أنصار يدافعون عن قضايا العدالة الاجتماعية. وستجبر الانتخابات البرلمانية المقبلة الإسلاميين على توضيح مافعلوه بالثقة الممنوحة لهم من المواطنين المصريين.
 
تفخر جماعة الإخوان بأنها مرنة، وكذلك بقدرتها على استخلاص الدروس المؤلمة. فالحركة ليست مضطرّة إلى تغيير جلدها وهي تمضي قدماً، لكنها ستحتاج إلى السماح لمظهرها الخارجي الاجتماعي - الذي لم يكن مرئياً الشهر الماضي بلا شك - بأن يؤثّر في طريقة تفكيرها وسلوكها.
 
مثل هذا التحوّل لن يحدث بسهولة بالنسبة إلى مرسي ​​والحركة التي أفرزته، ولكن يجب أن يحدث بسرعة إن حدث أصلاً. فهو يستتبع صياغة قانون انتخابي يعكس مخاوف المعارضة، ويحدّ من استخدام السلطة التشريعية المؤقتة، ويعتمد موقفاً أكثر تساهلاً تجاه المعارضة المنظمة، ويظهر الرغبة في تأييد إجراء إصلاح دستوري جدّي (وليس مجرّد إصلاح تجميلي).
 
مرسي هو الرئيس، وبالتالي فهو يتحّمل العبء الأساسي في قيادة مصر للخروج من صحراء الاستقطاب السياسي. لكن المعارضة في حاجة إلى أن تتعلّم كيف تتصرّف كمعارضة، بمعنى أنه يجب أن يكون لديها هدف واضح وأن تكون لها استراتيجية في استخدام الآليات الديمقراطية المتاحة لها في الدستور الجديد. بادئ ذي بدء، سيكون لزاماً على عناصر المعارضة المختلفة وضع رؤى بديلة واضحة ومعرفة كيفية تقديمها بطريقة تجذب الناخبين.
 
قد لاتكون هذه مهمّة ميؤوساً منها بسبب الأحداث التي جرت في الشهر الماضي. فقد تطوّر الاعتراض الغاضب – كان ذلك يمثّل بالنسبة لبعض العناصر خيانة لعدم الرغبة في تقبّل نتائج الديمقراطية - تدريجياً إلى إصرار أكثر محدودية بوجوب احترام الشرعية وأنه يجب منح الناخبين خيارات عادلة. ويبدو أن المعارضة تقدّر حقيقة أن اللعبة السياسية غير العادلة ربما لاتزال تستحق المحاولة طالما أنها توفّر بعض فرص التغيير.
 
ولاتزال اللعبة، سواء كانت غير عادلة تماماً أم لا، تميل في الوقت الحالي في الاتجاه الإسلامي. وهذا لايعني ببساطة أن الإسلاميين يجدون صعوبة في قبول نتائج الديمقراطية، على الرغم من أن البعض هم كذلك بالفعل. بيد أن ثمّة أسباباً مشروعة للقلق للغاية بشأن هيمنة الإسلاميين على النظام. على سبيل المثال، الدستور الجديد يخوّل رئاسة يعرف الإسلاميون أنهم سيحتفظون بها على الأقل حتى العام 2016، ويحمي نظاماً انتخابياً برلمانياً أنتج أغلبية إسلامية قبل عام واحد، ويتيح للأغلبية البرلمانية قدراً كبيراً من حرية التصرّف في تحديد معنى منطوق العديد من أحكامه.
 
لن تبدأ عملية إنقاذ مصر - ولن تذهب التضحيات التي قدمتها الأمة المصرية سدى – إلا إذا تعلّمت الجهات السياسية الفاعلة الأقوى في البلاد كيف تتنكّر للثمار الممنوعة التي أكلت منها الكثير، وبسخاء، على مدى العام الماضي.