يبدو الاقتصاد المصري عالقاً في نفق طويل ومظلم، وليس ثمّة سوى أمل ضئيل في إنقاذه من جانب الجهات السياسية والاقتصادية الفاعلة في البلاد. فقد أظهرت الأسابيع الأخيرة من العام 2012 كم أصبح الوضع سيئاً، حيث يدفن السياسيون رؤوسهم في الرمال مؤكّدين على أن "الظروف" ليست بالسوء الذي تبدو عليه.
بيد أن الحقائق تروي قصة مختلفة تماماً. فخلال الأسبوع الأخير من العام 2012، انخفض سعر الجنيه المصري إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار الأميركي منذ سقوط حسني مبارك. في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2010، جرى تداول الدولار مقابل 5.82 جنيه مصري، وفي الأسبوع الأخير من العام 2012، بلغ سعر التداول 6.24 جنيه مقابل الدولار قبل أن يلجأ البنك المركزي إلى سنّ نظام جديد لتداول العملات في محاولة لوقف تدهور الوضع الاقتصادي.
في الوقت نفسه، خفضت وكالة الائتمان "ستاندرد آند بورز" التصنيف الائتماني لمصر من B إلى-B نتيجة الاضطرابات المدنية التي لاحظت أنها "أضعفت الإطار المؤسّسي في مصر". وتمضي الوكالة إلى القول إن "الخطاب السياسي الذي يزداد استقطاباً يمكن أن يقلّل من فعاّلية عملية صنع السياسات". كما تمت مراجعة تصنيف مصر في العام 2011، حيث انحدر من B+ إلى B. وعلّقت "ستاندرد آند بورز" آنذاك قائلة إن "موقع مصر الخارجي قد تدهور، ومن المرجح أن يضعف أكثر، في ظل غياب الاستقرار في الوضع السياسي الداخلي إلى جانب الدعم المالي الخارجي".
إن استعادة النمو في مصر لن تكون مهمة سهلة أبداً. فمع مرور المزيد من الوقت دون وجود رؤية اقتصادية واضحة أو جهود لبناء الثقة بين الجهات الاقتصادية والسياسية الفاعلة، لا بدّ للأداء الاقتصادي من أن يتدهور أكثر. وثمّة أسباب عديدة تفسّر لماذا أصبحت الأمور سيئة للغاية.
حظي تسجيل النقاط السياسية بالأسبقية على التعاطي بحزم مع التحديات الاقتصادية. وهكذا، اختارت كل إدارة تولّت السلطة منذ سقوط مبارك إجراء تغييرات تجميلية بدلاً من طرح رؤية إستراتيجية لمعالجة أوجه القصور الهيكلية في الاقتصاد. وتشمل أوجه القصور هذه إجراءات الاستثمار المرهقة، وتدنّي الإنتاجية، والقطاع العام الكبير وغير الفعّال، وانخفاض مستويات الصادرات. وبدل السعي إلى معالجتها زادت حكومات الفترة الانتقالية الإنفاق العام ووظفت المزيد من الأشخاص.
وقد تمخّضت هذه المقاربة عن نتيجتين رئيستين. الأولى هي أنها زادت من عجز الميزانية في مصر، والذي وصل إلى ما يقرب من 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. والثانية، تم استنزاف احتياطيات العملة الأجنبية بشكل كبير. فقد بلغت الاحتياطيات نحو 15 مليار دولار (55 مليار درهم) في أيلول (سبتمبر) 2012 أي ما يعادل نحو 2.6 شهر من الواردات، مقارنة بـ 24.1 مليار دولار في أيلول (سبتمبر) 2011.
تعكس الزيادة في الإنفاق العام وتجنّب القيام بإصلاحات جوهرية في القطاع العام في مصر وسياسات الدعم حقيقة أن السياسيين غير ملتزمين على نحو ثابت بتصحيح التراجع في مؤشّرات الاقتصاد الكلي.
وبالمثل، كان المجتمع الدولي مستاءً من إدارة الحكومة المصرية لشؤونها الاقتصادية. وقد تردّدت معظم البلدان المانحة في تقديم مساعدة مالية غير مشروطة لمصر.
مع وصول الرئيس محمد مرسي المدعوم من جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة، واجه المجتمع الدولي حالة من عدم اليقين بشأن أجندة الإسلاميين الاقتصادية ومقاربتهم إزاء بقية بلدان العالم. وبالتالي شهدت البلاد تدفقات محدودة لرؤوس الأموال على مدى العامين الماضيين، ما يجعل استعادة زخم النمو الاقتصادي أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وعلاوة على ذلك، لم يكن هناك التزام واضح من جانب الحكومة المصرية بشأن طبيعة السياسة الاقتصادية التي ستعتمدها. وبالرغم من أنه تم الإعلان في تشرين الثاني (نوفمبر) أن اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي أصبح وشيكاً، فقد أدّى الجدل السياسي بشأن الدستور المصري الجديد إلى تأخير التوقيع عليه.
كما علّق السيد مرسي بعض القرارات التي اتّخذها رئيس هشام قنديل - رئيس الوزراء الذي عيّنه السيد مرسي - قبل أسبوع من الاستفتاء على الدستور. كانت القرارات تنطوي على زيادة وتغييرات في الضرائب، وهو الأمر الذي يستحق إجراء مزيد من المداولات وفقاً للرئيس المصري.
إن مثل هذا التناقض في اتخاذ القرارات يعمّق شكوك القطاع الخاص، حيث يظهر أن بعض السياسات مصمّمة لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأجل لصالح الرئيس بدلاً من تحقيق فوائد اقتصادية طويلة الأجل.
التناقض السياسي يثبّط الاستثمارات المحلية ويبعد المستثمرين الأجانب الذين يسعون إلى دخول السوق المصرية. فالمستثمرون الأجانب يبحثون عن شروط واضحة ورؤية اقتصادية. ويبدو أن زيارات السيد مرسي للصين وتركيا العام الماضي لتشجيع المستثمرين لم تلق آذاناً صاغية، وهو ما يؤكّد أن المستثمرين الدوليين مهتمون بتقييمات الوكالات الائتمانية أكثر من اهتمامهم بوعود الرئيس.
ورغم أن النفق يبدو طويلاً وأنه تم اتّخاذ قرارات سيئة، فإنه لا يزال من الممكن بناء الثقة تدريجياً. ولذا يتعيّن على الحكومة الدخول في حوار جادّ مع القطاع الخاص. فمن غير الممكن أن تقتصر حواراتها على الشخصيات المقرّبة من جماعة الإخوان، كما كان عليه الحال حتى الآن على ما يبدو.
في الوقت نفسه، يتعيّن على وسائل الإعلام والمنظمات المدنية الكفّ عن فضح القطاع الخاص علانية. فقد ركّزت على خطايا الماضي وألقت باللائمة على القطاع الخاص في التباطؤ الاقتصادي الحالي والتوقعات الكئيبة. ويعتبر إيجاد بيئة أكثر إيجابية شرطاً مسبقاً لجذب الاستثمارات الكبيرة.
وبالإضافة إلى ذلك، يزيد الاقتراض الحكومي من السوق المحلية لتمويل النفقات من تكلفة التمويل ويزاحم القطاع الخاص. وهذا يجب أن يتوقف بهدف منح الشركات - المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص – القدرة على الوصول إلى سوق الائتمان.
إن الإدارة الناجحة للتحوّل الاقتصادي في مصر تبدأ بإرسال الإشارات الصحيحة للمستثمرين في الداخل والخارج. ولكي يتم ذلك، يجب على الحكومة المصرية اعتماد رؤية اقتصادية واضحة وتجنّب التناقض في سياساتها.

تعليقات القراء
سياسة التعليقات
التعليقات التي تتضمن لغة غير لائقة، وحملات شخصية، أو أي مواد أخرى غير لائقة، ستحذف. فضلاً عن ذلك، المدرجات غير الموقعة أو التي تحتوي على "توقيعات" من شخص آخر غير المؤلف الحقيقي، ستحدف. وأخيرا، ستتخذ خطوات لحجب المُستخدمين الذين يخرقون أي معيار من معايير النشر وشروط الاستخدام، وسياسات الخصوصية أو أي سياسات أخرى تحكم هذا الموقع. أنت مسؤول كلياً عن مضمون تعليقك.