شهدت السياسات المصرية منذ ثورة 2011 دمجاً متّسقاً لملاكمات من دون قفازات مع مناورات قانونية غامضة ومبهمة. وهذا ماجعل الأمور تبدو وكأن متبارين في المصارعة الحرة يجرون مباراتهم في إطار حفل الشاي الياباني الشهير بشعائره التنظيمية المنمَّقة والدقيقة. لكن هنا ثمة أربعة اختلافات رئيسة: الأول أن مباريات المصارعة الحرة وحفلات الشاي تدوم دقائق أو ساعات، لكن معارك مصر السياسية-القضائية بدأت منذ عقود ولايبدو أنها على وشك أن تُقفَل في أي وقت قريب. والثاني أن الصراعات المصرية غير محددة القواعد ولايمكن التنبّؤ بها. والثالث أن هذه الصراعات مهمة للغاية. والاختلاف الأخير هو أن المشاركين لم يركّزوا على اللحظة الراهنة وحسب، بل أيضاً على سوابق تاريخية سحيقة للنزاعات الراهنة. وعلى سبيل المثال، من المستحيل أن نسمع نقاشات بين القضاة، من دون أن تتم الإشارة إلى ما يسمى بمذبحة القضاء  الشائنة في العام 1969.
 
في سبيل مساعدة مراقبي السياسات المصرية الحائرين، قمنا بإعداد موجز مختصر يوضح الحالة الراهنة لهذه اللعبة.

1. السلطة التشريعية

دعونا نبدأ بأكثر النزاعات تجريداً، لكنه الأكثر أهمية من حيث المضاعفات: مَنْ له السلطة التشريعية، قبل أن يتم انتخاب الغرفة الدنيا من البرلمان؟
 
من الواضح أن مجلس الشورى، الغرفة العليا من البرلمان، مخوّل بمثل هذه السلطة التشريعية بموجب دستور العام 2012، أو هذا على الأقل ما يعتقده أعضاؤه ويعتبرونه أمراً جلياً.
 
والحال أن واضعي دستور العام 2012 كانوا يدركون أن الأمر سيستغرق وقتاً لانتخاب الغرفة الدنيا (آخر مجلس نواب حُلَّ في حزيران/يونيو 2012)، ولذا سمحوا للغرفة العليا وحدها أن تمارس مايجب أن يكون عادة سلطة تشريعية مشتركة من كلا الغرفتين في مثل هذه الحالات. بيد أن المادة 131 من الدستور لاتصف مثل هذه السلطة على أنها قسر على الحالات الطارئة (كما الحال حين تُمنَح السلطة التنفيذية سلطة تشريعية طارئة؛ هذا فضلاً عن أن بعض المحاكم العربية كانت جازمة بشكل مفاجئ خلال مراجعتها لمسألة ما إذا ثمة حاجة بالفعل لعمل السلطة التنفذيذية في مثل هذه الحالات). وفي سبيل تبديد أي غموض، أضافت المادة 230 أيضاً صلاحيات محددة للمادة العامة الرقم 131، فأوضحت أن الغرفة العليا (مجلس الشورى) "لها السلطة الكاملة للتشريع" إلى حين انتخاب الغرفة الدنيا.
 
لكن، وطالما الأمر على هذا النحو، لماذا كل هذا الجدل؟ لأنه في الأحوال العادية، لايستطيع مجلس الشورى إطلاق عجلة التشريع، ويدّعي بعض الخبراء أن هذا القيد لايزال قيد العمل. إن المادة 101 تحصر سلطة سَنّ التشريع بالرئيس، والحكومة، وأعضاء الغرفة الدنيا. وهكذا، فإن البعض في المعارضة، وحتى في داخل الحكومة نفسها، ادّعوا أنه مسموح لمجلس الشورى الآن بالعمل فقط على القوانين المطروحة عليه من قبل سلطات أخرى. بيد أن مجلس الشورى يرفض هذه المطالعة، وهو نحا إلى تنفيذ أجندته التشريعية الخاصة، التي كان الأبرز فيها القانون القضائي الجديد، كما سنرى بعد قليل.
 
وبالطبع، لم يكن مفاجئاً بعد كل ذلك أن تذهب هذه القضية إلى المحاكم، كما حاول بعض النشطاء، بهدف تحدي خطوات مجلس الشورى.
 
ثم هناك حتى نزاع أعمق يبطّن النزاع السابق: مجلس الشورى نفسه عُرضة كذلك إلى الطعن. فهو انتُخِب وفق نظام شبيه بذلك الذي اعتبرته المحكمة الدستورية العليا غير دستوري، وهو الغرفة الدنيا التي تم حلُّها. وبهذا، بات على جدول دعاوى المحكمة الدستورية العليا قضية مشابهة تطعن بدستورية الغرفة العليا (في الحقيقة، تسري تكهنات واسعة بأن الغرفة العليا تحاول تمرير القانون القضائي على عجل لهدف محدد هو فرض التغيير في تركيبة المحكمة الدستورية العليا، ومنع هذه الأخيرة من حلّ مجلس الشورى أولاً).

والحال أنه يبدو أن دستور العام 2012 قام بعمل جيد حين حصَّن مجلس الشورى ضد الطعن الدستوري، لكن النظام القضائي المصري سبق له أن خزّن عدداً وافراً من المفاجآت.

لابل برزت بعض أصوات في المعارضة ألمحت حتى إلى الطعن بدستورية دستور العام 2012، وأيضاً بشرعية الجمعية التأسيية التي وضعت هذا الدستور. المحكمة الدستورية قد تقبل هذه الطعون، لكن يبدو أنها لاتميل إلى ذلك، لأنها بدأت بإصدار أحكام تقبل بوضوح الطبيعة الرسمية لوثيقة العام 2012.
 
وأخيراً، حتى لو نجح مجلس الشورى في تفادي هذه الرصاصات القانونية، فإن تشريعاته سترتطم بعقبة سياسية كأداء: إذ أن كل القوانين يجب أن تقدّم إلى الغرفة الدنيا المقبلة غداة انتخابها. بيد أن عدم عمل تلك الغرفة سيسمح عملياً لقوانين مجلس الشورى بأن تبقى قيد العمل. لكن، إذا مارفضت الغرفة الدنيا أياً من هذه القوانين، فإن مثل هذا القرار سيكون له مفعول رجعي (ما لم تقرر الغرفة الدنيا غير ذلك)، مايؤدي إلى مفاقمة اللايقين القانوني.

2. القانون القضائي 

تمتّع القضاء المصري باستقلالية ذات شأن في بعض الأحيان، وهو يفاخر بتقاليده المهنية العريقة (لمزيد من الاطلاع على متاهة الهياكل القضائية المصرية، إضغط هنا). بيد أن حكام مصر السلطويين خرقوا هذه الاستقلالية القضائية، والذروة جاءت في العام 1969 عبر سلسلة من خطوات التطهير التي طالت قضاة بارزين، أسفرت عن إخضاع كل الهياكل القضائية إلى السلطة التنفيذية. وفي عهد كلٍ من أنور السادات وحسني مبارك، تم إلغاء معظم الأجراءات التي اعتُبرت شائنة للغاية، لكن الإصلاحيين القضائيين وحلفائهم كانوا يضغطون منذ عقود لإزالة بقايا تدخلات السلطة التنفيذية في القضاء، أساساً من خلال وضع قانون شامل جديد لتنظيم الجسم القضائي.
 
والحال أن ثمة حاجة بالفعل إلى قانون جديد، بعد فشل الجهود التي بذلت من أجل ذلك العام 2011، وكذلك أن دستور العام 2012 يتضمن موادَ لايزال يتعيّن تطبيقها. ومع ذلك، برزت مفاجأة هذا العام حين اقترحت بعض الأحزاب الإسلامية في مجلس الشورى مسودة تعديلات لإصلاح القانون.
 
الأكثر إثارة في هذه الاقتراحات كانت تعديلات حزب الوسط التي تؤدي جزئياً إلى خفض سن التقاعد من 70 سنة إلى 60 سنة، كما أنها تطلب وضع هيكل رواتب متسقاً ومتماثلاً لكل هيئات الجسم القضائي. هذه الإصلاحات لم تكن صاعقة في سماء صافية، إذ سبق للإصلاحيين القضائيين أن طالبوا بمثل هذه الخطوات لإبطال بعض الوسائل الحاذقة التي تلاعب عبرها النظام السابق بالجسم القضائي. فقد رفع مبارك سقف التقاعد بالتدريج طيلة العقدين الماضيين من 60 إلى 70 في جهد قيل أن هدفه استتباع القضاء، وأيضاً تمديد ولاية بعض القضاة. ويجادل النقاد بأن هيكلية الرواتب كشفت عن جهود عهد مبارك لاستتباع هيئات محددة في السلطة القضائية.
 
لكن، ومهما كانت مزايا هذه الخطوات على المدى الطويل، إلا أن دفعها الآن إلى حيز التطبيق فوراً حفز الاتهامات بأنها محاولة إسلامية للارتكاب "مجزرة قضاة" جديدة من نمط مجزرة 1969. هذه المرة، قد تكون هذه النغمة المتكلّفة بافراط الخاصة بالنقاشات المصرية المتكلفة أصلاً، مُبررة. إذ أن هذا التعديل قد يسفر عن تقاعد مفاجىء لنحو 3000 قاضٍ (بمَن فيهم معظم كبار القضاة)، مايسمح بتعيين جيل جديد من القضاة، في بيئة لم يعد في الوسع معها استخدام التمحيص الأمني ضد الإسلاميين. كما أن هيكل الرواتب الموحّد يبدو مصمماً لدفع القضاة إلى مواجهة بعضهم البعض. إذ، وعلى رغم غضبتهم الجماعية على قيادة البلاد المنتخبة، إلا أن القضاة في مختلف الهيئات القضائبة لازالوا يظهرون بعض علائم المنافسة.
 
لقد وعدت الرئاسة، التي يبدو أنها أُخذت على حين غرة حين قُدِّمت هذه التعديلات وما أسفرت عنه من ردود فعل عنيفة، بتجميد النقاشات حول هذا القانون. وفي محاولة لتهدئة الوضع، وافق الرئيس محمد مرسي ومجلس القضاء الأعلى على عقد "مؤتمر وطني للعدالة" لمناقشة التعديلات الضرورية وللتوصل إلى إجماع. لكن ليس من الواضح بعد أي حصيلة سسيسفر عنها هذا الجهد. إذ أن المؤتمر الأول من هذا النوع نفسه عُقِد في العام 1986 وخرج بعدد من التوصيات التي تجاهلتها السلطة التنفيذية إلى حد كبير. ومع ذلك، رَسَخَت هذه التوصيات في الذاكرة الجماعية للقضاة. لقد جرى تفادي الأزمة الآن، لكن الشكوك لاتزال قوية بين الرئاسة وبين القضاة.

3. المدّعي العام

أثار آخر مدعي عام في عهد مبارك، عبد المجيد محمود، الحنق والغضب الثوريين، وكان من أوائل أهداف الرئيس مرسي. لكن، كان ثمة مشكلة: ليس لدى مرسي السلطة القانونية لعزل محمود. حاول مرسي أولاً نقل هذا الأخير، من خلال تعيينه سفيراً لدى الفاتيكان، لكن محمود لم يرفض العرض وحسب بل موضع نفسه أيضاً كبطل ضد ما أُطلِق علبه "أخونة الدولة". وبعدها بشهر تحرّك مرسي بجرأة أكبر: فهو أصدر، بعد أن إدعى حيازة سلطات سيادية، إعلاناً دستورياً أقال فيه محمود، ومنح نفسه حق تعيين خلفه، واضعاً القضية بذلك خارج رقابة الجسم القضائي.
 
بيد أن محكمة الاستئناف في القاهرة رفضت في أواخر آذار/مارس التعيين الذي أعلنه مرسي، مستجيبة بذلك لطلب استئناف تقدّم به محمود. والأهم أن حكم المحكمة لم يعتبر التعيين الذي أعلنه مرسي باطلاً ولاغياً، بل هو اعتبر أيضاً كل مضاعفات هذا التعيين لاغية وباطلة، مافتح الباب أيضاً أمام الناس للمساءلة حول الأساس القانوني للقرارات التي اتخذها المدعي العام النشط منذ تعيينه في تشرين الثاني/نوفمبر 2012. وقد فرض قرار المحكمة هذا ضغوطاً إضافية على الرئاسة كي تحل هذه المشكلة، بيد أن الأمور لم تلبث أن تعقدت أكثر.
 
في المقابل، عمد طلعت عبد الله المدعي العام الذي عيّنه مرسي، والذي لم يكن مستعداً لخسارة ماقد يكون أهم موقع قانوني استراتيجي في البلاد، إلى رفع طلب استئناف ضد قرار المحكمة بعزله (لأنه جادل، في مفارقة ساخرة، أنه لايمكن عزله من دون إرادته). وقد استخدم عبد الله تقنيات التأجيل والتسويف في المحاكم المصرية (مُطالباً بحرمان القضاة بزعم التحامل أو الانحياز). 
 
وهكذا، نجح المدعيان العامان في تشبيك بعضهما البعض في عقد قانونية. فطلب الاستئناف الذي قدَّمه عبد الله أرجىء الآن إلى أواخر أيار/مايو، فيما قرار المحكمة بإعادة تعيين المدعي العام القديم لايمكن تنفيذه إلى أن يُسوى أمر استئناف عبد الله.
 
الحلّ الوسط في هذه المسألة وارد (إبراهيم يستقيل، وعبد الله يتخلى عن مطلبه، والمجلس القضائي الأعلى يختار شخصية أخرى وفقاً لبنود دستور العام 2012). لكن، حتى في حال التوصل إلى مثل هذه الحصيلة، فإن المصرييين ستجتاحهم على الأرجح موجات من العصف اللغوي والمناورات القانونية.

4. قانون الصكوك

يبقى قانون الصكوك إلى الآن "قصة النجاح" الوحيدة للمجلس المُحاصَر. فهو وفقاً لزعيم الغالبية، عصام العريان، أول قانون مكتمل (ومقبول إلى الآن) يُقَرّ منذ أن مُنِح المجلس سلطات تشريعية قبل خمسة أشهر.
 
أما الصكّ (مفرد صكوك) فهو سهم إسلامي بدون فائدة؛ والحكومة المصرية ترغب في استخدام الصكوك لتمويل دَينها. فجماعة الإخوان تجد الصكوك مغريةً من الناحية الأيديولوجية، لأنها مطابقة للشريعة إذ تمنح حامليها حصةً ثابتة من الأرباح عوضاً عن مدفوعات فائدةٍ ثابتة. بيد أن المعارضة التي واجهها قانون الصكوك المطابق للشريعة في الظاهر، أتت من مصادر غير متوقّعة، أي من الأزهر والنص الدستوري الذي ساهم الإخوان في وضعه.
 
كانت وزارة المالية أنهت وضع المسودة الأولى للقانون، ثم رفعها مرسي إلى الأزهر للمراجعة في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2012. في بادئ الأمر، تدخّلت الهيئة العليا للبحوث في الأزهر، وعقدت اجتماعاً طارئاً يوم رأس السنة للتعبير عن رفضها التام للقانون ولمحاولة الحكومة تصنيف الصكوك في خانة الأسهم "الإسلامية". وبعد بضعة أيام، ردّدت الرأيَ نفسه هيئةُ كبار علماء الأزهر (وهي الهيئة التي يجب التماس رأيها بموجب الدستور). والواقع أن الأزهر أعرب عن تحفّظاته من خلال مزيج من الحجج الدينية والوطنية (متّفقاً بذلك مع معارضي مرسي الذين قالوا الأسهم قد تؤدّي إلى بيع أصول الدولة لمستثمرين مجهولين).
 
عندئذ، أدخل مجلس الشورى القضية ضمن دوره التشريعي المؤقّت، داعياً ممثّلي الأزهر إلى جلسة استماع (وهي دعوة رأت المؤسسة أنها لاتتناسب ودورها الدستوري الجديد المهيب). فعندما مرّر المجلس القانون، تدخّل شيخ الأزهر ليلحّ على ضرورة أن يخضع مايسمّى "الصكوك" إلى مراجعة الأزهر للتأكّد من مطابقته الشريعة. وقد أيّد السلفيون هذا المطلب معتبرين إيّاه متماشياً مع الدستور، إذ أنهم، وإن عُرِفوا تاريخياً بتشكيكهم بسلطة الأزهر، يتطلّعون إلى فرصةِ الإمساك بأي وسيلة تظهرهم على أنهم أكثر حرصاً على الشريعة من جماعة الإخوان؛ وهذا أشبه بأن يصرّ القادة البروتستانت على أن تجري استشارة البابا الكاثوليكي في شأنٍ متعلّق بعقيدة الكنيسة. وهكذا، ماكان على مرسي إلا أن أعاد القانون إلى الأزهر للمراجعة، بعد أن أذعن إلى الحجج الدستورية والضغط السياسي.
 
لم يفسح كلٌّ من الجدل القائم وخطوة الرئيس المجالَ أمام الأزهر لتوطيد امتيازاته الدستورية وحسب، بل أتاح له أيضاً توجيه العملية وجعل رأيه الاستشاري القانوني حتمياً من الناحية السياسية. وقد صُدِّق على المسودة النهائية من القانون أخيراً في 30 نيسان/أبريل، ولكن بعد مواجهة متوتّرة بين علماء أزهريين وبين نوّاب تابعين لحزب الحرية والعدالة شكّكوا صراحةً بحقّ الأزهر في إملاء السياسات الاقتصادية. لكن المفارقة أن الجدال لم يتركّز على الشريعة بل على ما إذا كان يحقّ للدولة أم لا أن تصدر صكوكاً للمؤسسات الرسمية التي تملكها.
 
صدّق مرسي على قانون الصكوك النهائي في 8 أيار/مايو، على أن تُطرَح مشاريع الصكوك للمناقصة قريباً. لكن لجنة دائمة للشريعة ستُنشَأ للتأكّد من أن كلّ صك جديد يُصدَر هو مطابق للشريعة، الأمر الذي يفسح في المجال أمام معارك محتملة مستقبلاً حول دور المؤسسة الدينية في وضع السياسات الاقتصادية.

5. قانون الانتخاب

قد تبدأ العقد القانونية في مصر بالتحلحل عندما يُنتَخَب مجلس الشعب في نهاية المطاف، علماً أن المادة 229 من الدستور تنصّ على أن عملية الانتخاب كان يجب أن تبدأ منذ أكثر من شهرين. لكن هذا الدستور نفسه حرص أيضاً على جعل الانتخابات البرلمانية عصيةً على التحدّي القانوني، الأمر الذي قد يؤخّر حلحلة العقد لما تبقّى من السنة تقريباً. 
 
وكانت المحكمة الدستورية العليا في مصر عمدت أربع مرّات منذ العام 1985 إلى إبطال قانون للانتخابات البرلمانية بعد انتخاب البرلمان. وجاء الإبطال الأخير في العام 2012 ضربةً قاسيةً للإسلاميين الذين كانوا يهيمنون على مجلس الشعب (وأدّى إلى إقرار دستور العام 2012). تبعاً لذلك، اتّخذ الإسلاميون خطوةً تكاد تكون غير مسبوقة بطلَبِهم من المحكمة مراجعة القانون للتأكّد من دستوريّته قبل إصداره. وكان هذا الإجراء استُخدِم مرة وحيدة في الماضي، في الإعلان الدستوري للانتخابات الرئاسية في آذار/مارس 2011. آنذاك، طلبت المحكمة الدستورية العليا من المجلس الأعلى للقوات المسلحة (الذي كان يتمتّع بسلطات تشريعية مؤقتة)، أن يجري بعض التغييرات في مسودة الإعلان التي كان وضعها في كانون الثاني/يناير 2012.
 
أدّى استخدام الإجراء نفسه في مايتعلّق بقانون الانتخابات البرلمانية إلى نتائج غير متوقّعة. فقد مرّر مجلس الشورى قانوناً كما هو مطلوب، ورفعه الرئيس كما يقتضي الواجب إلى المحكمة الدستورية العليا للنظر فيه. وجدت المحكمة عدداً من الشوائب، بعضها بسيط ولكن بعضها الآخر مهم (مثل حجم الدوائر الانتخابية غير المتكافئ - فالتقسيم الانحيازي للدوائر والتمثيل غير المتوازن بقيا راسخين عميقاً في الممارسة الانتخابية المصرية طوال قرنٍ من الزمن تقريباً، ولكن أفلتا بشكلٍ ما من التدقيق القانوني). وهكذا، أخذ المجلس علماً باعتراضات المحكمة، ووضع نسخةً أخرى واثقاً من أنها لن تلقى معارضةً.
 
لكن المعارضين اتّهموا المجلس بأنه أدخل مجرّد تصحيحات تجميلية على المسودة الجديدة، ورأوا أنها يجب أن تُرفَع مجدداً إلى المحكمة الدستورية العليا. وبعد أن تنبّه نواب الغالبية إلى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة نجح في تفادي مراجعة ثانية للمسودة، شعروا أن لهم الأسبقية، وأن المسودة الثانية ستكون النهائية. بيد أن محكمة إدارية حكمت بخلاف ذلك، فدعا كلٌّ من مرسي ومجلس الشورى المحكمةَ الدستوريةَ العليا على مضض، إلى الحكم مجدداً. لكنهما لم يفعلا ذلك على الفور، إذ انكبّ مجلس الشورى على وضع مسودة ثالثة، بعد أن أدرك أن التعديلات التي أُدخِلَت على القانون يجب أن تستوفي شروط رقابة المحكمة الدستورية العليا، بدلاً من أن ترضي رقابة البرلمان الأقل دقة؛ وهذه المسودة الثالثة هي التي تنظر فيها المحكمة الآن.
 
لكن رفض المسودة يبدو ممكناً لابل مرجّحاً. فجزء من المشكلة يكمن في طبيعة الحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية العليا سابقاً. عندما سُئِلَت المحكمة عما إذا كانت المسودة الأولى دستوريةً، أجابت بالنفي ثم قدّمت تبريرها. فأوضحت أن قدراً من عدم التكافؤ في التمثيل في المحافظات كان مقبولاً بغية ضمان تمثيل بعض المناطق الأصغر، إلا أنها أصرّت على أن التقسيم الوارد في المسودة كان ببساطة غير متكافئ للغاية ولايمكن قبوله. صحيح أن المحكمة أوضحت ما لم يكن دستورياً في المسودة، إلا أنه لم يتسنَّ لها أن تشرح ما المعيار الذي ستستخدمه لتحديد ما هو دستوري. وهكذا، يبدو من الممكن جداً أن يجري تقاذف القانون مابين مجلس الشورى والمحكمة الدستورية العليا مرةً أو مرّتَين، قبل أن يُطلَب من المصريين في نهاية المطاف التصويت، الأمر الذي سيضيف إلى الخلاف تراشقاً، ويطيل أمد الصراعات السياسية في البلاد.
 
صدر هذا المقال باللغة الإنكليزية في مجلة Foreign Policy.