أحد الخطوط العديدة للحبكة التي ضلّت الطريق في مناقشات الصيف حول ضربة عسكرية أميركية ضد سورية، هو وتيرة خروج اللاجئين من البلاد. فأزمة اللاجئين، كما تبدو في حالها الراهنة، كاسحةٌ ومن المرجّح أن تستمر على هذا النحو. ومن شأن تدخّل عسكري خارجي أن يسرّع وتيرة حركة النزوح الجماعي ويفاقم ماهو أصلاً حالة إنسانية طارئة. 

لقد اتّسعت رقعة أزمة اللاجئين السوريين بسرعة حتى أصبح من المستحيل التخطيط فعلياً لأي تدابير تهدف إلى تحسين الوضع. في أواخر أيلول/سبتمبر 2012، أي قبل عام، كان عدد اللاجئين المسجّلين أقل من 240 ألفاً، أما اليوم فارتفع هذا الرقم إلى مليونَي لاجئ بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذا عدا عن ملايين الأشخاص الآخرين النازحين داخلياً، الذين تركوا منازلهم ولايزالون داخل الحدود السورية. وفي حين يعرب معظم اللاجئين عن رغبتهم في العودة إلى ديارهم، لاتميل الإحصاءات إلى تأكيد عودتهم. تُعرِّف مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين "حالات اللجوء طويلة الأمد" على أنها الحالات التي يعيش فيها اللاجئون في المنفى لخمس سنوات أو أكثر، من دون إمكانية جدّية لإيجاد "حلّ دائم" لهم، أي ترحيلهم أو دمجهم في البلد المضيف أو إعادة توطينهم في بلد ثالث. ووفقاً لهذا التعريف، يُعَدّ ثلثا اللاجئين المسجّلين عالمياً، وعددهم يفوق الـ7 ملايين، في حالة إهمال طويلة الأمد، وسيُضاف إليهم العديد من السوريين على الأرجح.
 
عمر ضاحي
ضاحي هو باحث زائر في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، متخصّص في التنمية الاقتصادية والتجارة الدولية.
More >
ويجعل عددٌ من العوامل أزمة اللاجئين السوريين المتنامية شاقةً على نحو خاص. أولاً، يأتي النزوح جزءاً من نزاع مدني شرس لايبدو أنه ينحسر. وبالتالي، تصبح العودة إلى الوطن غير واقعية، تماماً كما الانتظار حتى "نهاية النزاع" لمناقشة مشاكل اللاجئين على المدى الطويل. فحشود اللاجئين والنازحين داخلياً تتطلّب مساعدة إنسانية واسعة النطاق الآن لتلبية الحاجات الأساسية. ثانياً، ثمة أعداد ضخمة من السكان اللاجئين في خمسة بلدان على الأقل، أي مصر والأردن ولبنان والعراق وتركيا، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة بذل جهد واسع النطاق منسَّق دولياً بغية التوصّل إلى حلول دائمة. فأيٌّ من هذه البلدان المضيفة ليس متلهّفاً لمنح السوريين إقامة دائمة، والعديد منها تعهّد تكراراً بألا يفعل ذلك. 
 
ثالثاً، تحدث عملية النزوح بموازاة اضطرابات إقليمية، حيث بعض بلدان المقصد إما يُعَدّ أيضاً من المشاركين الفاعلين في الأزمة السورية، وإما يخوض نزاعاً أهلياً خاصاً به، الأمر الذي يجعل وضع اللاجئين السوريين حرجاً. رابعاً، لاتنفصل وضعية اللاجئين عن مسائل السياسة، بما في ذلك التطييف المتنامي للنزاع السوري ونظرة المنطقة إلى هذه الحرب. والواقع أن هروب اللاجئين تحديداً هو أحد العوامل الرئيسة المؤدّية إلى توسّع النزاع خارج الحدود. فالنازحون هم مؤشّرات إنسانية على قدرة النزاع السوري على إعادة رسم خريطة المنطقة، وإشعال العداء المذهبي في البلدان المجاورة. خامساً، يقع اللاجئون السوريون عند نقطة تقاطع أنواع مختلفة من الهجرة القسرية، تشمل الترحيل بسبب الحرب والتوترات الإثنية أو الدينية، إضافة إلى تدهور الحياة الاقتصادية والبيئية. فالسوريون في البلدان المجاورة هم إما لاجئون أو مهاجرون شرعيون أو عمّال زوّار، وإما مهاجرون غير شرعيين. أخيراً، ثمة لاجئون يتواجدون في مخيمات رسمية أو غير رسمية، على طول الحدود وفي المناطق المدنية الكبيرة، ولاجئون ينتشرون بين السكان المحليين، وذلك حتى في بلدان مثل تركيا حيث كانت الاستعدادات لاستقبالهم أكبر. والحال أنه تصعب حتى مهمة إحصاء أعداد النازحين.

مسألة الموارد

هذه العوامل كافة يتردّد صداها في لبنان. فعلى الرغم من انتشار اللاجئين في خمسة بلدان، تحمّل لبنان العبء الأكبر من النزوح الجماعي باستقباله أكثر من 750 ألف لاجئ مسجّل أو ينتظر التسجيل. تزعم الحكومة اللبنانية أن عدد السوريين في لبنان بلغ المليون قبل تصاعد حدّة القتال. ويشير تقرير للبنك الدولي، الذي نُشِرَت أهم نتائجه، إلى أن الأثر الاقتصادي للأزمة السورية على لبنان مدمّر، إذ أن الاقتصاد اللبناني يعاني خسائر تراكمية تُقدَّر بـ7.5 مليارات دولار. كما أن تدفّق السوريين يرفع معدّل البطالة ويدفع الحكومة إلى اقتراض المزيد من الأموال لتلبية الخدمات العامة.
 
إضافة إلى ذلك، يرزح اللاجئون تحت وطأة المعاناة والتوترات اليومية. والعديد من المنظمات السورية غير الحكومية الجديدة التي أُنشِئَت لتأمين الخدمات، يديرها لاجئون سوريون من الطبقة الوسطى، ومن الحاصلين على تعليم أفضل نسبياً، منهكون تماماً هم أيضاً. ويعرب معظم اللاجئين عن رغبتهم في العودة أو إعادة التوطين لأنهم ماعادوا يحتملون البقاء في لبنان في ظلّ هذه الظروف الصعبة. فتكاليف الحياة في لبنان تُعَدّ مرتفعةً للغاية مقارنةً بمثيلاتها في سورية، واللاجئون جميعهم يستنفدون مدّخراتهم. أما الأسوأ حالاً منهم فمحصورون في مساحات صغيرة غير آمنة وغير صحية، وهم يشكون الاستغلال المتمثّل بالأسعار المرتفعة للإيجار والغذاء والدواء. هذه المظالم هي نفسها المظالم التي يعانيها السوريون في الأردن، كما العراقيون الذين لايزالون يعانون في مختلف البلدان العربية في ظلّ أمل ضئيل في إيجاد حلٍّ دائمٍ لهم.
 
فضلاً عن ذلك، وصلت مع النازحين حديثاً أعدادٌ كبيرةٌ من الفلسطينيين الذين كانوا يقطنون المخيمات والبلدات في سورية منذ العام 1948. هؤلاء يُحظَّر عليهم قانوناً، بصفتهم فلسطينيين، اتخاذ الوظائف الرسمية في أكثر من 70 مهنة. وتجدر الإشارة إلى أن لبنان يضمّ حوالى 425 ألف لاجئ فلسطيني، ورفضُ توطين هؤلاء هو مطلب لاتنفكّ تكرّره الأحزاب السياسية من اليمين واليسار. وثمة توجّه (أو على الأقل تصوّرٌ) لدى منظمات الإغاثة غير الحكومية بتحويل أموالها من اللاجئين الفلسطينيين المتواجدين في البلاد إلى اللاجئين السوريين والفلسطينيين السوريين الوافدين حديثاً. في هذا الإطار، أجرت المؤسسة الأميركية لإغاثة اللاجئين في الشرق الأدنى (أنيرا) تقييماً لاحتياجات الفلسطينيين السوريين، ووجدت أن 10 بالمئة منهم فقط يعملون في لبنان. تقول سمر اليسير، مديرة "أنيرا" في لبنان، إن هذه المعاناة كلّها تزيد من التوترات ضمن الجاليات الفلسطينية الحالية، وتشرح قائلةً إن استقبال لاجئ يعني مشاطرة الموارد مع شخص جديد أو أسرة جديدة، الأمر الذي يؤدّي إلى استنزاف موارد المضيف الضرورية. و"في حالة الفلسطينيين، أصبحت منظمة الأونروا مرهقةً إذ فتحت مدارسها لاستقبال اللاجئين الجدد. وبما أن هذه الجالية التي تعيش في لبنان هي الأفقر في المنطقة بأسرها، تحتاج هي أيضاً إلى الغذاء أو المال الذي يجري توزيعهما". وتقول اليسير إن إيواء اللاجئين يبقى المشكلة الأكبر، إذ أن الإيجارات المرتفعة تستهلك معظم دخلهم.
 
وهكذا، على الفلسطينيين أن يتعاملوا مع هذه الصعوبات المحدّدة إضافةً إلى الأزمة متعدّدة الأبعاد التي يعانيها اللاجئون جميعاً. ومن الشكاوى المتواصلة شكوى تتعلّق بالتعليم. لوضع الصورة في إطار أوضح، يُقدَّر عدد الأطفال السوريين في لبنان اليوم، الذين تتراوح أعمارهم مابين 5 و17 عاماً، بـ300 ألف طفل. وفي الوقت نفسه، يبلغ مجموع الأطفال اللبنانيين المسجّلين في المدارس الرسمية في أنحاء لبنان كافة 300 ألف طفل أيضاً. ومع أن الحكومة اللبنانية طلبت من المدارس الرسمية قبول الأطفال السوريين، لايتلقّى تعليماً فعلياً سوى 30 ألفاً من هؤلاء الأطفال. يُذكَر أن بعض السوريين يعودون إلى ديارهم متَحدِّين الحرب فقط ليتمكّنوا من تسجيل أنفسهم أو أطفالهم في المدارس أو الجامعات.
 
يدير هاني جسري، من منظمة جسور السورية، مدرسةً صغيرةً تضمّ حوالى 200 طفل في منطقة قصقص في بيروت. يشرح جسري أنه كلما كان الأطفال أكبر سنّاً، أصبح من الأصعب عليهم النجاح في الامتحانات التقييمية في اللغتين الإنكليزية أو الفرنسية، التي تؤهّلهم لدخول المدارس الرسمية. وفي حين يستطيع الأطفال الأصغر سنّاً اللحاق بالدروس عن طريق "برامج التعليم المعجَّل"، تبدو فرص حصول تلاميذ مابعد الصفّ التاسع على التعليم ضئيلةً. أما سعداء الحظ الذين حصلوا على تعليم، فيتصارعون مع متطلّبات المناهج المختلفة. واقع الحال أن السوريين المتواجدين داخل سورية في المناطق الخاضعة إلى سيطرة الحكومة، يدرسون المنهج التقليدي، فيما يُتاح للسوريين المتواجدين في لبنان إما المنهج غير الرسمي للمنظمات غير الحكومية، أو برنامج المدارس الرسمية اللبنانية، وإما الدروس التي تلقّنها المدارس الدينية الخاصة اللبنانية أو المموَّلة من الخليج أو حتى تلك التي يشرف عليها الائتلاف الوطني السوري المعارِض. وهكذا، يمكن أن يدرس الطفل نفسه منهجَين أو أكثر إذا اضطّرّت أسرته إلى الانتقال. في هذا الإطار، يرى جسري أن نظام "الدوام المسائي" الذي صُدِّق عليه أخيراً هو خطوة إيجابية. فهذا النظام، الذي لم يُطبَّق بعد، يفرض على المدارس الرسمية الحالية تدريس الأطفال السوريين بعد الظهر. ومن شأن هذا التغيير نظرياً أن يتيح للمدارس استيعاب أعداد أكبر من الطلاب. لكن إلى أن يُطَبَّق القانون، تبقى أعداد هائلة من السوريين من دون تعليم وعمل، وبمهارات قليلة. هذا العجز في التعليم، يُضاف إليه معدّل البطالة المرتفع، يهدّد بنشوء جيل كامل من الأطفال الأميّين أو شبه الأميّين.

تأثيرات على المستويات كافة

تطال تأثيرات الأزمة المستويات كافة، لا التعليم وحسب. تقول زينة حسن، من الهيئة الطبية الدولية التي تركّز على الصحة وحاجات الصحة العقلية، إن البنية التحتية اللبنانية وصلت إلى نقطة حاسمة، فبعض القرى يضمّ سوريين يفوقون اللبنانيين عدداً. وقالت حسن محذّرةً إن "المستشفيات في سهل البقاع لم يَعُد فيها أسرّةٌ كافية، وثمة مخاوف من تفشّي الكوليرا في المخيّمات غير الرسمية التي انبثقت في كل مكان، ناهيك عن نقص المياه والنظافة". كذلك يخشى العاملون في مجال الصحة أن تقع كارثة صحية عامة في أي لحظة، ولاسيما في المخيّمات غير الرسمية في البقاع. تشير حسن إلى أن المنظمات غير الحكومية ومنظمات الإغاثة الأخرى تلبّي عدداً مفرطاً من الحاجات الفورية، الأمر الذي يمنعها من التخطيط على المدى الطويل. فهي منشغلة باتخاذ خطوات بسيطة مثل الاستثمار في برنامج لمدة سنتين لتدريب السوريين على توفير الرعاية الصحية العقلية الأساسية، وهي وسيلة لتخفيف التكاليف وتوفير مهارات التنمية في الوقت نفسه. 
 
الواقع أن استنتاجات حسن تدعم الفكرة القائلة بأن الأزمة في لبنان لايمكن أن تُحَلّ من خلال المساعدة الإنسانية وحدها. فاللاجئون كثرٌ ويائسون للغاية، ومن المرجّح أن يبقوا في البلاد وقتاً طويلاً. وكما يتراجع الاهتمام بسورية، كذلك ستنضب بئر التمويل. لذلك ينبغي أن يأتي الحلّ من مزيج من الاستثمار في التنمية على المدى الطويل والاهتمام بالحاجات الإنسانية الفورية. وفي الواقع، ثمة مؤشرات على أن المنظمات الدولية تقوم بهذا التحوّل، ولاسيما في الأمم المتحدة. فخطة الاستجابة الإقليمية السادسة الخاصة بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي ستحدّد نطاق الاستجابة خلال العام 2014، يُرجَّح أن تدعم تحوّلاً نحو التركيز على تنمية المجتمعات المحلية. تقول سين بيرغبي من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل) إن منظمتها، وبحكم صلاحياتها، تركّز على مسألة الإيواء، بما في ذلك تحديد الأبنية التي يمكن العيش فيها من جديد كمساكن جماعية كبيرة، والخدمات المُدُنية الأساسية، خصوصاً تلك المتعلقة بالمياه والنظافة. وتشرح بيرغبي قائلةً إن برنامج الموئل وضع نموذجاً للعمل مع البلديات في مجال البنية التحتية السكنية، بما في ذلك تحسين المياه، وتوليد الطاقة، وشبكات الصرف الصحي، وغيرها. هذه الاستراتجية تفيد كلاً من النازحين والمجتمعات المضيفة الأكثر فقراً، وتكتسب أهمية خاصة لهذه المجتمعات التي تشعر عن حقّ بأنها تحتاج إلى الدعم بقدر مايحتاج اللاجئون الآتون حديثاً.
 
تتنبّه معظم المنظمات غير الحكومية، اللبنانية منها والسورية، إلى مسألة التوتّرات المجتمعية، وهي بالتالي تعمل على معالجتها. والواقع أنه بغض النظر عن التأثيرات الجانبية للحرب الحالية، يبقى إرث "الوجود" العسكري السوري في لبنان، الذي دام ثلاثة عقود، مريراً بعد ثمانية أعوام على انتهائه. فالعمّال السوريون في لبنان لطالما واجهوا تمييزاً وازدراءً. لذلك، تُعَدّ جهود المنظمات غير الحكومية في مجال التوعية والتعليم حول أوضاع اللاجئين أساسيةً لئلا ينظر السكان المحليون إلى وجود السوريين على أنه بلاء. وتشدّد هذه المجموعات على ضرورة أن يبعث الإعلام بهذه الرسائل إلى اللاجئين والمجتمعات المضيفة على السواء. وفي هذا الإطار يتولّى المجتمع المدني السوري في لبنان زمام الأمور، فالعديد من المنظمات غير الحكومية يعمل على توفير الكتيّبات والمعلومات للاجئين والمضيفين في مايتعلّق بحقوقهم ومسؤوليّاتهم.
 
تقوم المنظمات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني، والمجموعات السورية واللبنانية، بعملٍ بطوليٍّ في ظلّ ظروف متوترة سياسياً وصعبة مالياً. بيد أنها بلغت حدود قدرتها، وكفاحُها يجعل أكثر إلحاحاً ضرورةَ وقف العنف فوراً في سورية ثم التوصّل مباشرةً إلى اتفاق سياسي يتيح للسوريين واللبنانيين التقاط أنفاسهم. والواقع أن تجنّب ضربة عسكرية أميركية ضدّ سورية، في الوقت الراهن، كان خطوةً مهمةً نحو التخفيف من حدّة الأزمة. وإعلان الرئيس باراك أوباما عن تخصيص مساعدات للبنان هو أيضاً اعتراف مرحّب به بالمشاكل التي تواجهها البلاد. بيد أن الهبات وحدها لاتكفي، فطالما لم يوضع حدٌّ لدوّامة العنف في سورية، ستزداد الأزمة الإنسانية سوءاً على الأرجح.
 
نُشِر هذا المقال باللغة الإنجليزية في الأصل على موقع مشروع أبحاث ومعلومات الشرق الأوسط MERIP.